بلقزيز: التفكير في الديمقراطية ما يزال حديث النشأة في الوعي العربي

تم نشره في الأربعاء 27 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • د. عبدالإله بلقزيز (يمين) ود. زيد حمزة أثناء المحاضرة في منتدى شومان أول من أمس -(من المصدر)

عزيزة علي

عمان - قال أستاذ التعليم العالي في الفلسفة بجامعة الحسن الثاني في المغرب د.عبدالإله بلقزيز إن البناء الديمقراطي "بناء مجتمعي شامل، سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، ديني، متكامل، يتحقق كلما تحقق تقدم في إنجاز تلك المهام مجتمعة متكاملة، وفي مدى زمني قد يأخذ أجيالا".
وأضاف بلقزيز في الندوة التي ألقاها أول من أمس في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي وأدارها د. زيد حمزة، "أن حقل الاختبار أخرج مسألة الديمقراطية من نطاق التفكير المجرَّد بمقدار ما أعاد إدخالها فيه، في الوقتِ عينِه، كمهمة فكرية حيوية لا مهرب منها".
وتابع "ليس معنى هذا أن الاشتغال على الديمقراطية كان فكريًّا من دون هاجسٍ عملي، أو أن الانغماس فيها كان حركيًّا من دون موجِّهات أو مُرْشِدات نظرية، وإنما معناهُ أن التفكير فيها لم يحترم أصول النظر والعمل معًا، وأن النضال من أجلها لم يترشَّدْ ممارسةً، لأنه لم يتأسَّس على  نظرة رصينة إليها".
وقال "إن ما كان ممكنًا أمس لم يَعُد ممكنًا اليوم؛ فلقد مَرَّ على خطاب الديمقراطية في الفكر العربي، قرابة أربعين حوْلاً تكفي كي يتقوَّم كيانُه على الأصول النظرية الصحيحة، ويغادر حال العموميات التي راوح فيها طويلاً".
ورأى انه من العسير أن نجاريَ قولَ القائلين إنّ "موسم الثورات" العربية نَقَلَ المسألة الديمقراطية من حيّز الفكر والتنظير إلى حيّز الممارسة، ومن النطاق الضيّق للنخب إلى المدى الأرحب لِـ الجماهير"؛ إِذِ المسألةُ ليست بهذا القدر من التبسيط إلاّ في وعيٍ مصاب بالقصور والخِفّة، ومسكون بمطابقة البديهيات مع الواقع، الخطاطات الذهنية مع المعطيات الموضوعية.
 ورأى أن التفكير في الديمقراطية مازال حديث النشأة، في الوعي العربي، ولم يتحقق فيه القدر الضروريّ من التراكم لكي يتأسّس على معطياته خطابٌ سياسيّ ديمقراطي رشيد. بل هو لم يتصل بعدُ، كبير اتصالٍ، بمصادر الفلسفة السياسية الحديثة، والفكر السياسي المعاصر، لينهل منهما مفاهيمهما وموضوعاتهما النظرية.
ورأى بلقزيز ان الشيء الوحيد المحمود في هذه "الثورات"، المنهوبة والمُجْهضَة، أنّ المتخيَّل السياسي العام تغذّى بفكرة الخلاص الديمقراطي من نظام الاستبداد والفساد، المعمَّر والبغيض، وأنّ الفكرة هذه شَحَنتِ العزائمَ والإرادات بطاقةٍ سيكولوجية مذهلة، وبرّرتْ للناس أن يأتُوا عظيمَ الأفعال، وأن يقدِّموا-بسخاءٍ غيرِ مسبوق – كبيرَ التضحيات.
وأكد المحاضر أن الديمقراطية جَمَعَتْهُم، وأطلقتْ جموعهم في الشوارع والميادين والساحات، فأخرجت شجاعتهم من بين أقفاص الخوف المزمن، وحرّرت أصواتهم من خَرسٍَ مديد، وأطلقت طاقاتٍ فيهم ظلت معطَّلةً أو موءودة؛ فلقد كان ذلك شيئًا لم نعهده من قبل، ولا رأينا له سابقةً في الماضي، وكان الأمل معه يكْبُر في أن يملك الشعب هذه المرّة عصمتَه بيده فلا يتولّى أمْرَ مصيره طالبُ ولايةٍ عليه يصادر حقّه ورشدَه.
وأضاف بلقزيز ان "الثورات العربية" – الناجح منها ونصف الناجح والمتعثر – اندلعت وتحركت تحت سقف مطلب الديمقراطية، أيًّا يَكُن غموض معناهُ لدى جماهيرها، فهل يَسَعنا النظر إليها بما هي حركة تاريخية تفتح أفقًا أمام بناء النظام الديمقراطي؟ هل الديمقراطية على الأبواب، أو هي، على الأقل، باتت ممكنًا سياسيًّا غيرَ مستحيلٍ تحصيلُه؟ أسئلة مشروعة يحْمل على طرْحها، والتفكير فيها، ما حدث ويحدث منذ خمسة عشر شهرًا في قسمٍ من البلاد العربية.
ونوّه المحاضر إلى أن شرعيتها تكون أصحّ كلَّما طرِحتْ طرحًا تاريخيًّا وواقعيًّا، وتخفَّفت من الكثافة الافتراضية التي تتخذ، في أحيان كثيرة، صيغة توقُّعية بل يقينية، على نحو ما نلحظ في كثير من الكتابات المتصدية للموضوع.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق