60 % من إجمالي القضايا المنظورة أمام محكمة غور الصافي لشبان أغلبهم متعطلون عن العمل

الغور الجنوبي: حلم النهوض بالمناطق الأقل حظا يحول اللواء إلى محطة مشاريع تنموية فاشلة

تم نشره في الاثنين 25 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • مصنع الملش الأسود في غور الصافي أحد المشاريع المتوقفة عن العمل وبلغت كلفته 250 ألف دينار -(الغد)

محمد العشيبات

الأغوار الجنوبية – بمشاريع متواضعة تحمل أهدافا كبيرة، تسارع جهات تنموية إلى لواء الأغوار الجنوبية أحد أشد جيوب الفقر بالمملكة، لتضع خبراتها في مشاريع تنموية بهدف محاربة الفقر والبطالة فيه، بيد أن اللواء تحول في النهاية إلى محطة لمشاريع فاشلة.
فرغم التعويل على أن تنهض مشاريع تنمية الأقل حظا بواقع اللواء الذي يعاني معظم سكانه من الفقر، غير أن تنفيذها لم يعد إلا بمزيد من اليأس والاحباط على سكان اللواء عامة وشبانه خاصة، نتيجة ما واجهته هذه المشاريع من فشل التشغيل.
ومع استدراك أن ما نفذ من مشاريع ولم يكتب لها النجاح، كان أساسه الحاجة الملحة والمستعجلة لمساعدة شبان اللواء المتعطلين عن العمل، يبدي سكان في اللواء استياءهم من المشاريع التي يصفونها بـ"المشاريع الفاشلة"، والتي كان لها انعكاسات سلبية على اللواء وشبانه المتعطلين عن العمل.     
ولم تقف تبعات عدم نجاح التجربة عند حد هدر المال العام في مشاريع نفذت، غير انها اتخذت صفة وقف التشغيل، وفق ما يراه السكان، إذ ان حالة اليأس التي يعيشها غالبية الشباب المتعطلين عن العمل، باتت تدفع ببعضهم نحو تعاطي المخدرات والمشروبات الروحية، وارتكاب الجرائم. 
ففي لواء تصل فيه نسبة الفقر إلى 37 % حيث يتقاضى 1529 معونة وطنية وفق بيانات صندوق المعونة الوطنية، يحتل ما يطلق عليه قانونيا بـ"جرائم واقعة على الأموال" النسبة الأعلى من إجمالي القضايا المنظورة أمام محكمة اللواء، في وقت يحذر فيه مختصون من انتشار لظاهرة تعاطي المخدرات والمشروبات الروحية بين الشباب المتعطلين عن العمل نتيجة حالة اليأس التي يعيشونها.   
 وفي احصائيات تدق ناقوس الخطر، يكشف مصدر في محكمة غور الصافي فضل عدم نشر اسمه أن 60% من إجمالي القضايا المنظورة أمام المحكمة تنطوي تحت جرائم المال، فيما المتورطون فيها تتراوح أعمارهم بين 8 إلى 35 عاما، أغلبهم متعطلون عن العمل. 
ولا يستبعد المصدر من انجراف الشباب نحو تعاطي المخدرات والمشروبات الروحية نتيجة ما أسماه بـ "حالة الفراغ" التي يعيشونها.
وفي ذات الاتجاه، يبدي المحامي محمد المعاقلة من سكان المنطقة مخاوفه من انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات والمشروبات الروحية، التي تؤدي إلى زيادة نسبة الجريمة في المنطقة، بسبب حالة الإحباط الشديدة التي يعاني منها الشباب.
ويؤكد المعاقلة أن محكمة غور الصافي تشهد يوميا دعاوى قضائية غالبا ما يكون خصومها أشخاصا متعطلين عن العمل، ما يستوجب من الجهات المعنية دراسة الواقع الاقتصادي من قبل خبراء قادرين على خلق فرص عمل للشباب.
ويؤكد المحاميان زكريا الهويمل وأشرف جمال أن 30 % من القضايا التي يترافعون فيها أمام المحاكم في اللواء أغلب خصومها هم شباب متعطلون عن العمل.
ولفتا إلى انتشار ظاهرة السرقة في الآونة الأخيرة نتيجة الضغوط المادية والاجتماعية التي تعانيها الأسر في ظل ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية والمواد التموينية، يقابلها تدني الأجور في اللواء الذي يعمل معظم سكانه بالزراعة.
ويرجع المحاميان فشل التنمية المحلية في منطقة الأغوار الجنوبية الى غياب البرامج والخطط لدى الجهات التنموية، وعدم مساهمة الشركات الخاصة المتواجدة في المنطقة، بإيجاد مشاريع تنموية للحد من مشكلتي الفقر والبطالة خصوصا بين فئات الشباب.
ويعتبر مشروع مصنع الملش الموجود في غور الصافي واحدا من المشاريع المتوقفة عن العمل الذي بلغت كلفته 250 ألف دينار أردني ضمن مبادرات وبرامج الحكومة التي أطلقتها العام 1998 من خلال وزارة التخطيط والتعاون الدولي الذي نفذته جمعية مراكز الإنماء الاجتماعي بهدف تنمية المنطقة وخلق فرص عمل لأبنائها وسد احتياجات المزارعين من مادة الملش المستخدم بالعملية الزراعية حيث ما زال المصنع متوقفا عن العمل ولم يستفد منه المواطنون.
وفي شاهد آخر على تعثر مشاريع التنمية في اللواء، لم تكتب الاستدامة لمشروع مشتل السمار الذي تجاوزت كلفته 60 ألف دينار ونفذ من قبل وزارة التخطيط والتعاون الدولي بإشراف أحد المراكز التنموية بالمملكة لخدمة القطاع الزراعي.  
وفي تجربة أخرى أنشئت في العام 2008 محطة تنقية  للمياه العادمة في ظل عدم وجود شبكة للصرف الصحي في غور الصافي بدعم من الاتحاد الأوروبي وبكلفة 250 ألف دينار، فيما ترفض بلدية الأغوار الجنوبية وسلطة المياه حتى الآن، استلام المحطة لعدم مطابقتها للمواصفات والشروط وعدم قدرتها على تشغيلها.
وأمام الوضع الراهن، يؤكد المتحدث باسم وزارة التخطيط والتعاون الدولي عصام المجالي أن الوزارة تعمل حاليا ضمن خطتها على إعادة تشغيل عدد من المشاريع المتعثرة التي أقيمت لصالح المجتمعات المحلية في عدد من مناطق المملكة ومنها مشروع مصنع الملش في غور الصافي.
كما أكد المجالي عزم الوزارة وبالتعاون مع وزارة البلديات ايجاد الحلول لإعادة تشغيل مشروع مشتل السمار، إضافة إلى عزم الوزارة تنفيذ مشاريع أخرى في منطقة الأغوار الجنوبية. 
وعلى ما يبدوا فإن سياسة التجربة ما تزال قائمة في تحقيق حلم النهوض بواقع المناطق الأقل حظا، إذ أن الجهات التنموية وفي خطوة نحو تصويب الأوضاع، تعتزم تنفيذ المزيد من المشاريع التنموية مع رفع سقف التمويل ليتجاوز حاجز المليون.
ووفق تقرير صدر عن وزارة التخطيط في الربع الأول من العام الحالي قدر كلفة المشاريع والأنشطة التي سيتم تنفيذها في منطقتي غور الصافي وغور المزرعة بلواء الأغوار الجنوبية خلال 2011 و2013  بـ1.4 مليون دينار على أن يتم تخصيص 700 ألف دينار لكل منطقة.
وتطبق هذه المشاريع وفق التقرير، تحت برنامج تمكين مناطق جيوب الفقر الذي تنفذه الوزارة منذ منتصف العام الماضي على 32 جيب فقر بكلفة تصل إلى 25 مليون دينار.
وتقدر نسبة الفقر في كل من قضاء غور الصافي بـ42.1 % وفي قضاء غور المزرعة بـ38.1 % حسب إحصائيات الفقر للعام 2008 حيث يصل عدد الفقراء في غور الصافي إلى 9.5 ألف فرد وفي غور المزرعة حوالي 6.9 ألف فرد فقير.
وأشار التقرير إلى أن تنفيذ المشاريع سيتم في منطقة غور الصافي من خلال الصندوق الأردني الهاشمي وفي منطقة غور المزرعة من خلال مؤسسة نهر الأردن. وذكر أنه يجري العمل حاليا على دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع الإنتاجية المقترح تنفيذها في غور المزرعة وغور الصافي.
وذكرت المعلومات أنّه تم إعطاء 5 محافظ إقراضية لغاية تاريخه في منطقة غور المزرعة وعقد عدة ورش تدريبية وتوعوية للأسر الفقيرة في منطقة غور المزرعة وغور الصافي.
وكانت وزارة التخطيط والتعاون الدولي قد باشرت في 2011 بتنفيذ برنامج التمكين الشامل لمناطق جيوب الفقر والذي يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية في 32 منطقة جيوب فقر والتي من ضمنها منطقتا غور الصافي وغور المزرعة في لواء الأغوار الجنوبية وذلك من خلال تنفيذ حزمة متكاملة من التدخلات والأنشطة في كل منطقة من المناطق التي تم شمولها بالبرنامج، استنادا إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة ولاحتياجات وأولويات المواطنين فيها وبالتنسيق مع كافة الجهات ذات العلاقة. وقال التقرير إن "برنامج التنمية المحلية" والذي كان قد طبق قبل "برنامج تمكين مناطق جيوب الفقر كان قد أسهم في تنفيذ مشاريع في المنطقتين قدرت بحوالي مليون دينار".
على أن رئيسة جمعية سيدات غور الصافي نوفه النواصرة تؤكد فشل المشاريع التنموية التي نفذتها مؤسسات تنموية خاصة أوكلت لها وزارة التخطيط دراسة تنمية منطقة الأغوار الجنوبية التي تعتبر واحدة من جيوب الفقر العشرين بالمملكة نتيجة عدم معرفتها احتياجات سكان المنطقة والتحديات التي تواجههم، مشيرة إلى أن تلك المؤسسات اقتصرت على عدد محدود من الأشخاص ليس لديهم الخبرة والكفاءة على  خلق أفكار مشاريع ومبادرات تنموية للمنطقة.
وأوضحت النواصرة أن الحكومات المتعاقبة فشلت في إيجاد فرص عمل للشباب الذين يشكلون ما نسبته 60 % من عدد سكان اللواء.
 ويرى رئيس جمعية غور الصافي للتنمية الاجتماعية سليمان المرادات أن المحافظ الاقراضية التي منحتها وزارة التخطيط للجمعيات التعاونية والخيرية في المنطقة لإقراض المواطنين حققت نجاحا في الحد من ظاهرتي الفقر والبطالة في اللواء على الرغم من قلة المبالغ المخصصة لها، غير أنه استدرك أن حجم الدعم الذي يقدم للجمعيات في المنطقة لا يلبي طموحات المواطنين في ظل وجود عدد من الشركات التي يجب أن تلعب دورا أساسيا وتنمويا بالنهوض بمستوى معيشة المواطنين.
من جهته، قال رئيس لجنة بلدية الأغوار الجنوبية المهندس ماهر العكشة إن المشاريع التنموية التي تم تنفيذها في لواء الأغوار الجنوبية خلال السنوات الماضية لم تنجح نتيجة تولي أشخاص غير مؤهلين ومختصين لإدارتها، محملا الجهات المانحة مسؤولية عدم نجاح المشاريع التي أنفق عليها آلاف الدنانير لعدم وجود تنسيق مع الجهات المعنية في المنطقة ومنها بلدية الأغوار الجنوبية علما بأن هناك وحدة تنمية تستطيع المساهمة في خلق مشاريع ومبادرات ريادية للتخفيف من ظاهرتي الفقر والبطالة.

التعليق