اليسار اليوناني وأوروبا الديمقراطية

تم نشره في الثلاثاء 12 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • محتجون يشتبكون مع الشرطة في العاصمة اليونانية أثينا - (أرشيفية)

مجموعة من المثقفين الأوروبيين (لبيراسيون) 

ترجمة: مدني قصري
في سياق الأحداث التي ألقت باليونان إلى الهاوية، يعلم الجميعُ أن مسؤوليات الأطراف التي ما تزال في السلطة منذ العام 1974 هي مسؤوليات جسيمة. ولم يستفد المسؤولون هناك من الفساد والامتيازات وحسب، لكنهم أفادوا أيضا مُورّدي ودائني اليونان إلى حد كبير. وقد نستغرب، في ظل هذه الظروف، سَعْيَ القادة الأوروبيين وصندوق النقد الدولي، بعد أن تحوّلوا إلى نموذج للفضيلة والصرامة، لإعادة هذه الأحزاب إلى السلطة بعد أن أثبتت فشلها وفقدت مصداقيتها، مندّدة بـ "الخطر الأحمر" الذي يجسده سيريزا، ومتوعدة بقطع التموين في حال أكدت انتخابات 17 حزيران (يونيو) رفض "المذكرة". ولا يتعارض مثل هذا التدخل مع القواعد الديمقراطية وحسب، بل إن عواقبه ستكون وخيمة على مستقبلنا المشترك أيضا.
ثمة ذريعة كافية لكي نرفض ذلك. لكن هناك ما هو أخطر. فمنذ عامين وقادة الاتحاد الأوروبي يعملون على تجريد الشعب اليوناني من سيادته. وتحت ذريعة ضبط الأوضاع المالية العامة، وتحديث الاقتصاد، فرض هؤلاء القادة تقشفا بات يخنق النشاط، ويفرض على غالبية السكان البؤس والشقاء، ويفكك قانون العمل. وكانت نتيجة برنامج "التقويم" الليبرالي هذا تصفية جهاز الإنتاج ونشر البطالة الشاملة. ولتمرير هذا التقشف، كان لا بد من فرض حالة الطوارئ التي لم تعرفها أوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: إذ صارت موازنة الدولة تمليها الثلاثية، وتحول البرلمان اليوناني إلى غرفة تسجيل، ناهيك عن التحايل على الدستور. وقد صارت مصادرة السيادة الشعبية تسير مع إذلال بلد بأكمله.
وقد عبر اليونانيون عن معارضتهم في مناسبات عدة. وكانت المظاهرات الحاشدة التي لا تعد ولا تحصى، و17 يوما من الإضراب العام في غضون عامين، وأعمال الشغب والعصيان المدني وحركة الساخطين في سينتاجما، بمثابة علامات لا لبس فيها لرفضهم للمصير الذي يُخطَّط لهم من دون استشارتهم. وكان الرد الوحيد الذي تلقّوه هو مضاعفة الجرعة المميتة والقمع البوليسي! وعندئذ فقط، وفي سياق نزع الشرعية الكاملة عن الحكّام، أضحت العودة إلى صناديق الاقتراع هي السبيل الوحيد من أجل تجنب الانفجار الاجتماعي.
لكن القضية باتت واضحة الآن: إذ لا تترك نتائج 6 أيار (مايو) مجالا لأي شك حول الرفض الواسع للسياسة التي تفرضها الثلاثية. وتحسبا لفوز سيريزا في انتخابات يوم 17 حزيران (يونيو)، فقد انطلقت حملة تضليل وتخويف على الصعيدين المحلي والأوروبي معا. وتهدف هذه الحملة إلى اعتبار سيريزا وسيطا سياسيا بلا أهلية. وأصبحت الوسائل كافة مسخرة لهذا الغرض، بدءا من وصف سيريزا بالرجل "المتطرف،" وانتهاءً بشبيهيه بالنازيين الجدد، ناهيك عن كل العيوب التي تنسب إليه، من احتيال وخطاب مزدوج، وتطفل سياسي.
لو صدقنا، جدلاً، الدعاية المشحونة بالكراهية التي تكمّل حملة التنديد بعنصرية الشعب اليوناني، لقلنا مع القائلين إن سيريزا يُعرّض الحريات للخطر، وكذلك الاقتصاد العالمي والتكامل الأوروبي. ولذلك ففي رأيهم أن مسؤولية الناخبين اليونانيين ومسؤولية قادتنا أيضا هي السعي إلى سدّ الطريق أمام سيريزا. إن اللجوء إلى التهديد بالإقصاء من اليورو والابتزازات الأخرى، ومحاولة التلاعب بالتصويت الشعبي، هي ما يجري الآن في اليونان. ومن خلال "استراتيجية الصدمة" هذه تسعى الجماعات المسيطرة إلى تحويل الانتخابات المقبلة وفقا لمصالحها التي تدّعي بأنها مصالحنا نحن أيضا.
نحن، مواطنو أوروبا، لا يسعنا أن نسكت أمام محاولة تجريد شعوب الاتحاد من سيادتها، والتي تشكل الانتخابات ملاذها الأخير. ولا بد من أن تنتهي حملة التنديد بسيريزا، والتهديد بالإقصاء من منطقة اليورو. فاليونانيون وحدهم هم الذين يقررون مصيرهم، بعيدا عن أي إملاءات، ومع إبعاد السموم الاقتصادية التي يديرها "منقذوهم"، وبانخراطهم بحرية كاملة في أشكال التعاون الضرورية، من أجل تغلبهم على الأزمة مع باقي الأوروبيين.
إننا نؤكد ما يلي: إن الوقت قد حان لكي تشعر أوروبا بالإشارة التي أرسلتها إليها أثينا يوم 6 أيار (مايو)، وهي التخلي عن سياسة تدمير المجتمعات ووضع الشعوب تحت الوصاية من أجل إنقاذ البنوك. ثمة حاجة ملحة لوقف انحراف البناء السياسي الذي يؤسس للسلطة المطلقة للمؤسسات المالية. ونحن في حاجة إلى أوروبا تعمل لفائدة مواطنيها، وتخدم مصالحهم.
إن أوروبا الجديدة التي تطفو الآن كما تطفو القوى الديمقراطية الناشئة في اليونان، هي التي ننشدها ونطالب بها بكل ما نملك من آمال، لأنها أوروبا التي تعود إلى جميع شعوبها. وهناك في كل بلد أوروباتان تتصارعان اليوم: أوروبا التي سُلب فيها البشر حقوقهم، وأوروبا التي تؤكد حقّ الجميع في حياة كريمة، وتمنح للجميع الوسائل الجماعية كافة.
لذلك السبب نكافح مع ناخبي ومناضلي سيريزا ضد اختفاء أوروبا، ومن أجل إعادة بنائها. لأن التطرف الليبرالي هو الذي يثير صعود القوميات واليمين المتطرف. المنقذون الحقيقيون لفكرة أوروبا هم المدافعون عن أوروبا التي لا تنقرض فيها السيادة الشعبية بل تمتد وتتوسع وتتقاسم..
أجل، ففي أثينا تحديدا يتعرض مستقبل الديمقراطية وأوروبا نفسها للخطر. وبحكم مفارقة من مفارقات التاريخ يجد اليونانيون أنفسهم في الخط الأول من معركتنا المشتركة. فلنستمع إليهم، ونقدم لهم الدعم، ولندافع عنهم!

نشر هذا المقال تحت عنوان: Gauche grecque et Europe démocratique

التعليق