هل يفرج بوتين عن السلام في سورية؟

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

ألان فراشون – (لوموند) 2012/5/30

ترجمة: مدني قصري

على الروس أن يتلذّذوا بطعم اللحظة الآنية الجيد إلى حين. ففي خلال السنوات الأخيرة، قلما كانوا يلقون من العالم الخارجي التودد والتملق والمداهنة. والآن، سوف يظلون لفترة قصيرة في موقف القوة. ويبدو أنهم وحدهم هم القادرون اليوم على التأثير في ما يحدث في سورية، أي انزلاق البلاد المحتوم نحو دوامة المذابح الطائفية.
والمعروف أن نظام بشار الأسد حليفٌ لروسيا التي لها استثمارات كبيرة تدعوها لحماية سورية. كما تمتلك موسكو فضلا عن الاستثمارات قاعدة بحرية في طرطوس. وتشكل سورية اليوم آخر نقطة دعْم للدبلوماسية الروسية في العالم العربي. والجيش السوري مجهّز من الرأس حتى القدمين بفضل روسيا. ولذلك يحرص الكرملين على حماية الرئيس بشار الأسد، ويقوم الفيتو الروسي باستمرار بتعطيل قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث لا شيء يمكن فعله من دون روسيا.
وهكذا، يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان حلوله منتظراً في باريس وواشنطن منذ اليوم الأول من حزيران (يونيو)، هو الرجل الذي يقال إنه قادر على وقف حمّام الدم الذي تغرق فيه سورية منذ خمسة عشر شهراً. ولا شك أن الحنين إلى العهد السوفياتي، وعقلية المدير السابق للجهاز الاستخباري السوفياتي (كيه جي بي) يحبذان هذا النوع من الأوضاع: أن تصبح روسيا مرة أخرى في قلب اللعبة الدبلوماسية الدولية.
وبطبيعة الحال، تعرف دمشق أنها تحت الحماية الروسية. ولذلك، ومنذ أن أجهضت موسكو في شباط (فبراير) الماضي قرار الأمم المتحدة الذي دعا السيد بشار الأسد إلى الاستقالة، صار النظام أكثر وحشية في قمع الثورة الشعبية التي ما انفكت تتحداه. وتشكل المجزرة التي وقعت يوم 25 أيار (مايو) في بلدة الحولة في شمال البلاد خير دليل على ذلك: وفيها، لقي ما يقرب من مائة شخص، من بينهم أكثر من 40 طفلاً، حتفهم بالأسلحة البيضاء، أو بالرصاص الذي أُطلق عليهم من مسافات قريبة.
وبالإضافة إلى المظلة الدبلوماسية الروسية الكاملة، وغياب الضمير لدى رجال عشيرة الأسد، ما تزال السلطة في سورية تملك بعض الأوراق القوية. فهي ما تزال تتمتع برعاية ومساندة جمهورية إيران الإسلامية. وما يزال الجيش مواليا لها بشكل عام، وكذلك النواة الصلبة في الحكومة وحزب البعث، هي التشكيلة الملتحمة بالدولة وكأنها نسخة من النموذج السوفياتي.
ويبدو أيضا أن النظام المنبثق عن طائفة أقلية، طائفة العلويين، ما يزال يحظى بدعم الأقليات الأخرى في البلاد -المسيحيين والدروز والأكراد، علما بأن غالبية المعارضة السورية الثائرة تنتمي، كما هو حال غالبية الشعب السوري، إلى الإسلام السني.
وقد يستمر الكرملين في انتهاج سياسة المماطلة لبضعة شهور على الأقل. فهو يعلم أن الحركة الثورية سوف تجد عناء كبيرا في إسقاط النظام. لكن الروس لا يجهلون في الوقت نفسه أن دمشق لن تستطيع أن تسحق تمرداً يتمتع بهذا الحجم من الشعبية.
إن الإحجام عن فعل أي شيء غالبا ما يكون هو الخيار الدبلوماسي المفضل. لكن روسيا قد تخاطر في هذه الحالة بوقوع حليفها السوري في فوضى عارمة تزداد دموية يوما بعد يوم، وبأن تخسر هذا الحليف نهائياً في نهاية المطاف، خاصة وأن سورية تبدو، خارج العاصمة دمشق، غارقة في دوامة الحرب الأهلية.
قبل أيام قليلة، وصف لنا شاهدُ عيان لا يريد الكشف عن هويته، وهو خبير في شؤون هذا البلد المعقد، كيفية انحدار البلاد البطيء نحو الجحيم. فالجيش يحاصر الأحياء التي يدّعي أنها في أيدي المتمردين، ويقصفها بالمدفعية الثقيلة. "وهو – أي الجيش- يقتل وينهب ويحرق". ويضيف الشاهد قائلا: "إن الجيش السوري يتصرف مثل جحافل المغول في البلاد الغريبة". وأكثرُ عناصر الجيش التي يخشاها السوريون اليوم هم الشبيحة، أي الميليشيات العلوية التي ذبحت عائلات بأكملها في يوم 25 أيار (مايو) في القرى الشمالية.
والناس يفرون؛ وتسجل البلاد عددا متناميا من الهجرات الداخلية والخارجية؛ ويقوم القناصة بفتح النار على هذه الطوابير البائسة؛ والدولة تتهاوى، ولم يعد ثمة فرص عمل في المحافظات؛ وقد أصبح بديلُ الحياة الاقتصادية الطبيعية هو التهريب والاتجار غير المشروع بالأسلحة التي صارت في أفضل أحوالها وأكثر ازدهاراً من أي وقت مضى.
وفي مواجهة القمعَ، يتصاعد تطرف حركة التمرد وتوسعها. وقد أصبحت مجموعات الدفاع الذاتي تهاجم الجيش وتقاتله وجهاً لوجه. وتتعرض شخصيات النظام للاغتيال، لكن النظام يعزو الهجمات إلى المتطرفين السلفيين.
ووسط كل ذلك، ما انفكت وحشية القمع تعزل السلطة يوما بعد يوم. فقبل عشرة شهور فقط، كان يمكن لهذه السلطة أن تتمكن من الفوز في الانتخابات. أما اليوم، فصارت المواجهات في سورية تكتسي لون الحرب الدينية، بل والعشائرية –وهو التطور الذي أرادته السلطة عن قصد وساعدت على حدوثه. ويتصرف النظام مثل أقلية مُحاصرة أسندت ظهرها إلى الحائط. ولا رحمة ولا هوادة؛ لأنه لا وجود لأي مخرج: إنهم يقتلون خوفا من أن يُقتلوا. ودافِعُ النظام في ذلك معروف جدا: "إذا كُتب علينا الرحيلُ، فإننا لن نرحل قبل أن نحرق كل شيء، ونعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة".
ويضيف محدثنا: "لقد بدأنا نسمع ألفاظا مثل: استئصال، وتنظيف، وتطهير، وهو الخطاب الذي يسبق المجازر الكبرى". ورداً على تساؤل الشبيحة "يجب أن نقتل كل سني؟" يأتي الجواب من بعض الثوار بسؤال مشابه: "هل يجب علينا إبادة العلويين؟" وهكذا، يشرع منطق عنيدٌ بالاستقرار في الأذهان والنفوس، وهو المنطق الذي يؤدي إلى "الكوارث الجماعية الكبرى"، كما يقول هذا الشاهد أيضا. ويبدو أن المنطقة لن تنعم بالحصانة طويلاً.
ولكن، وبينما تضاف إلى العديد من المجازر الأخرى، هل ستصبح مأساة الحولة هي "المجزرة التي تجعل الجميع يقولون: كفى!؟" المجزرة التي تؤذي ببداية النهاية لسلطة العلويين؟ هكذا تتساءل الخبيرة في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، منى يعقوبيان، التي تضيف: "قد تكون هذه المجزرة لحظة فاصلة في هذا الصراع(...)، اللحظة التي قد تدفع روسيا إلى الابتعاد عن النظام السوري".
ولن يحدث ذلك لأن المقربين من فلاديمير بوتين أصبحوا ساخطين من صورة القمع السوري الذي يشبه القمع الذي مارسه الكرملين في الشيشان، وإنما لأن هذه المجزرة باتت تُغرق سورية أكثر فأكثر في دوامة من الفوضى الدامية التي سوف تنتهي نهاية سيئة جداً بالنسبة لحلفاء روسيا المحليين. وتعتقد السيدة يعقوبيان بأن موسكو قد بدأت في الأسابيع الأخيرة بالنأي بنفسها عن دمشق. فمنذ اللحظة التي يرى فيها الكرملين أن النظام السوري قد أصبح في عداد الخاسرين، لن تجد روسيا بداً من أن تغيّر موقفها. وسوف تصبح مهيئة لأن تقبل بما سيقترحه باراك أوباما على السيد بوتين في غضون بضعة أيام مقبلة، حسب صحيفة نيويورك تايمز: رحيل عائلة الأسد، وتنصيب سلطة انتقالية تحافظ على مصالح الأقليات ومصالح روسيا، وأخيراً تنظيم انتخابات حرة.
ويبقى السؤال: هل ما يزال الوقت متاحاً لتحقيق ذلك؟

*نشر هذا المقال تحت عنوان: En Syrie, la paix avec Poutine?

[email protected]

التعليق