السي آيه إيه تجاوزت خطا أحمر للعثور على بن لادن

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • الدكتور شاكيل أفريدي المتهم بالإرشاد عن مكان إقامة ابن لادن قبيل اغتياله - (أرشيفية)

ديفيد إغناتيوس
 (ذا ديلي ستار) 11/6/2012
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كعملية استخباراتية، لا بد وأنها بدت ضرباً عبقرياً صرفاً: تجنيد طبيب باكستاني لجمع عينات دم تستطيع تعريف عائلة أسامة بن لادن، بموجب برنامج لقاح مستمر. لكنها كانت، كمسالة أخلاقية، شأناً مختلفاً.
فقد وضعت مقامرة اللقاح التي أقدمت عليها وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية (سي أي إيه) شيئا نفيساً قيد المخاطرة -كرامة البرامج الصحية العامة في الباكستان وحول الكرة الأرضية جميعاً. كما أنها أضافت إلى المخاطر التي تواجه المنظمات غير الحكومية في عالم يكن العداء المتزايد لمنظمات المساعدات الأميركية.
ولعل ما استرعى الانتباه في أميركا ورطة الدكتور شاكيل أفريدي، الطبيب الباكستاني الذي ساعد السي آي إيه من خلال حملته للتلقيح في المناطق القبلية وفي المقاطعة المجاورة حيث كان يختبئ بن لادن. فقد حكم على الطبيب المذكور في الأسبوع الماضي بالسجن 33 عاماً بعد تجريمه بتهمة الخيانة العظمى، ما أفضي إلى احتجاجات ساخطة من وزير الدفاع الأميركي ليونيل بانيتا ومن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.
لكنه لا ينبغي أن يعامل المسؤولون الأميركيون قضية أفريدي ببساطة، على سلوك غاضب من جانب باكستان. إنهم محقون في القول بأن ممارسات الطبيب لم تكن خيانية: فقد كان يسعى للحصول على معلومات عن قادة إرهابيين كانوا أعداء للباكستان نفسها. وأنا آمل أن يتم إطلاق سراحه، لكنه يترتب على أفريدي ومديريه أن يتعاملوا على أي حال مع التبعات الأخلاقية لما فعلوه.
وها هي الحقيقة المؤلمة: قد يموت بعض الناس لأنهم لا يتلقون التلقيح، بسبب الشك في أن الوقاية هي جزء من مؤامرة تحيكها السي أي إيه. والآن، تتصاعد معدلات عدوى شلل الأطفال في الباكستان وأفغانستان ونيجيريا، فيما يعود في جزء منه إلى اعتقاد الناس بنظريات المؤامرة من وراء اللقاح. ويحذر تقرير لمنظمة الصحة العالمية من أنه إذا لم يجر تغيير مسار انتشار المرض في هذه البلدان الثلاثة، "سيفشل القضاء على مرض شلل الأطفال".
ومن بين المنظمات المعنية، منظمة "أنقذوا الأطفال" التي تعد أكبر وكالة إغاثة في الباكستان. ووفق صحيفة النيويورك تايمز، فإن أفريدي كان قد أبلغ السلطات الباكستانية بأنه تلقى اتصالاً أول الأمر من جانب السي آي إيه عبر منظمة "أنقذوا الأطفال" وهو ادعاء تنفيه المنظمة. وأوردت التايمز بأنه تم، بعد اعتقال أفريدي في تموز (يوليو) الماضي، وضع موظفي المنظمة غير الحكومية قيد المراقبة من جانب الاستخبارات الباكستانية، فيما تم التحفظ على شحنة من إرساليات المواد الطبية لها على الحدود. وقال ناطق باسم الحكومة إن المجموعة لم تواجه أي مشاكل في الشهور الأخيرة.
وكان الخطر المتوقع على العاملين في الصحة قد أوضِح في رسالة بتاريخ 21 شباط (فبراير)، كان قد وجهها صموئيل وورثينغتون، رئيس تحالف 200 منظمة غير حكومية تعمل في الخارج، إلى مدير السي آي إيه ديفيد بتريوس، وفيها حذر من أنه "منذ أن طفت على السطح أول الأمر تقارير عن حملة السي آي إيه، فإننا ما نزال نشهد تآكلاً مستمراً في قدرة المنظمات الأميركية غير الحكومية على تقديم البرامج الإنسانية الحساسة في الباكستان، بالإضافة إلى تصاعد وتيرة العنف المستهدف ضد عمال الإغاثة الإنسانية. وأنا أخشى من أن تكون نشاطات السي آي إيه في الباكستان، والشعور بأن المنظمات الأميركية غير الحكومية لها صلات بالجهود الاستخباراتية، قد ساهمت في هذه التطورات التي تنطوي على نذر سيئ"".
ولدى سؤالي الناطق بلسان السي أي إيه، بريستون غولسون، من أجل الحصول على معلومات لكتابة هذا المقال، قال إنه لا يستطيع التعليق على "أي نشاط عملياتي محتمل". لكنه لاحظ أن "الوكالة تستمع إلى وجهات نظر مجموعة المنظمات غير الحكومية، وقد اجتمعت مع ممثلي هذه المجموعة من أجل نقاش كامل وصريح حول مواطن قلقهم".
وتمثل قضية أفريدي مثالاً لما تصفه السي آي إيه بأنه "التغطية من أجل العمل". وكان الدكتور يدير برنامجاً حقيقياً للتلقيح، وهو ما أعطاه المسوغ لزيارة المناطق التي كان نشطاء القاعدة يختبئون فيها. ويشرح مسؤول أميركي رفيع ذلك بالقول: "لقد طلب إلى الدكتور أفريدي الاستمرار في برنامجه فقط.. وكانت اللقاحات حقيقية، ولم يلحق ضرراً بأي روح في مسار حملته".
وعلى الرغم من أن أفريدي لم يحصل أبداً على عينة الحمض الريبي النووي "دي. أن. إيه" لأسامة بن لادن، فإنه أكد، عن غير قصد، على أن الساعي الذي كان يسكن في مجمع أبوت أباد، كان يمارس أمناً عملياتياً غير طبيعي، وهو ما شكل معلومات استخباراتية بالغة الأهمية. وبعد مقتل أسامة بن لادن، عُرضت على الطبيب خيارات لمغادرة الباكستان مع عائلته، لكنه قرر المكوث، وفق ما أفاد به مسؤولون أميركيون.
وكتب هيدي لارسون، البحاثة في مجال الصحة العامة في جامعة لندن للصحة والطب الاستوائي، في تعليق أرسله يوم الأحد إلى الموقع الإكتروني لصحيفة "الغارديان" البريطانية: "لا بد وأنها كانت هناك طريقة أفضل وأكثر أخلاقية. إن خيار العمل هذا قد قوض ثقة الناس في برامج اللقاحات".
وتجدر الإشارة إلى أن عمليات الاستخبارات تعمل، بالتعريف، في مناطق رمادية حيث تتسم القواعد القانونية والأخلاقية بالغموض. لكن هذه الحالة تجعلني أتساءل عما إذا كانت بعض التكتيكات الاستخبارية، مثل استخدام عمال الصحة في الخارج، يجب أن تكون بلا ضوابط ولا حدود: وإذا نُسفت هذه العمليات وفشلت، فإن التداعيات ستكون ضارة جداً، بطرق غير مقصودة، للناس الأبرياء.

*كاتب ينشر مرتين أسبوعياً في الديلي ستار.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The CIA crossed a red line to find Osama bin Laden.

[email protected]

التعليق