ثلاثون سنة على الحرب التي كان يجب منعها

تم نشره في السبت 2 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

إسرائيل هيوم

يوسي بيلين

1/6/2012

يصعب جدا حينما يريد وزير الأمن جدا الحرب وحينما لا يفهم رئيس الوزراء كثيرا بالأمن ويُجل الجنرالات، يصعب جدا منع الحرب. غير عيزر وايزمن، وزير الأمن الذي استقال، ذوقه السياسي، وأصبح مؤمنا بالسلام في الشرق الأوسط وأراد ان يمد اتفاق السلام مع مصر إلى سلام مع الفلسطينيين في الاطار الذي تم رسمه في اتفاقات كامب ديفيد في 1978.
واعتقد اريئيل شارون، ملك عمليات الرد في خمسينيات القرن الماضي والذي جاء لينقذ شعبه حينما تولى قيادة منطقة الجنوب في حرب يوم الغفران والتقطت له صورة مع ضماد على جبينه، اعتقد انه يستطيع القضاء على م.ت.ف في لبنان وان يحل بذلك المشكلة الفلسطينية دفعة واحدة وإلى الأبد، وحينما عينه بيغن وزيرا للأمن كان ذلك هدفه.
جاءت م.ت.ف إلى لبنان في 1970. وأصبح لبنان أو جنوب لبنان في الأساس دولة مقسمة بين عصابات مسلحة مختلفة بين المسيحيين والمسلمين والسنيين والشيعة، واللبنانيين والسوريين، واختصت م.ت.ف بالاندماج بالدول التي كانت السلطة فيها ضعيفة. ودُبرت من هناك خطط ارهاب على إسرائيل وأُطلقت من هناك قذائف صاروخية على شمال إسرائيل كانت كريات شمونه هي هدفها الرئيس. وأصبحت الحرب في الشمال على الابواب وآنذاك جاء إلى المنطقة فيليب حبيب، وهو دبلوماسي أميركي من اصل لبناني حادث الاطراف وجاء بهدنة بين مناحيم بيغن وياسر عرفات في تموز 1981.
تم الحفاظ جيدا على هذه الهدنة وكان هدوء في الجليل مدة 11 شهرا، كان هدوء مطلق. وأعد شارون خطة "أورانيم هغدول" (السروة الكبيرة) لحال تغيير استراتيجي في المنطقة و"السروة الصغيرة" لاحتلال دولة فتح – أي الاربعين كيلومترا تلك التي ثبتت م.ت.ف نفسها فيها وقامت بعملياتها منها. لكن الهدوء منعه من العمل.
كنت آنذاك متحدث حزب العمل. وشارك في مكتب الحزب السياسي ناس مثل شمعون بيرس وإسحق رابين وآبا ايبان ومردخاي غور وحاييم بارليف وإسرائيل غليلي وغيرهم. وكان رأي الجميع ان الحرب في لبنان ستكون خطأ شديدا وانه يجب على حزب العمل ان يعارضها. وتناول الجدل الداخلي فقط مسألة إعلان النقاش. فكان من اعتقدوا أنه لا يجوز لحزب العمل ان يحول هذا الموضوع إلى جدل معلن، وكان من قالوا انه الطريقة الوحيدة لمنع حرب غير مرغوب فيها.
كان من الآسر ان نستمع لهؤلاء الاشخاص الذين اعتادوا طوال حياتهم ان يكونوا في مراكز سلطة امنية أو سياسية ولم يعتادوا حتى ذلك الحين على حال المعارضة التي دُفعوا اليها. ورأوا أنهم يحمون حاجات إسرائيل الامنية في حين يوجد ناس غير ذوي مسؤولية في الحكم قد يجلبون كارثة على إسرائيل.
صدرت بين الفينة والاخرى اعلانات إلى الصحف بعد نهاية النقاشات الداخلية تلك وأومأت إلى أن المعارضة الرئيسة غير مستريحة لمحاولة شارون البحث عن سبب للحرب ما بقيت الهدنة محفوظة، وكان ذلك مبالغا فيه بالنسبة لذلك الجيل الذي شعر بأن مستقبل الدولة ما يزال ملقى على كاهله.
كان يحتاج إلى خيال كثير وتعويج متعمد للواقع لجعل محاولة قتل سفير إسرائيل في بريطانيا، شلومو ارغوف، على أيدي رجال أبو نضال – عدو عرفات الأكبر – ذريعة لحرب شارون لـ م.ت.ف.
لكن شارون نجح في مواجهة معارضة كثيرين من قادة جهاز الامن، في ان يقنع بيغن بأنه ينبغي عدم التسليم باستمرار الوضع القائم، ووافقت الحكومة على عملية محدودة
لـ 48 ساعة لا تتجاوز عمق 40كم من حدود لبنان و"تطهر" المنطقة من مخربي م.ت.ف. ووجد حزب العمل نفسه ايضا يؤيد ما عارضه من سويداء قلبه. وكان يوسي سريد عضو الكنيست الوحيد من حزب "العمل" الذي لم ينضم إلى القطيع. وكان الشعور بأنه حينما يكون ابناؤنا في الدبابات فلا نستطيع ان ننتقد القرار. ففي هذه اللحظات يريد الجمهور ان يعلم ان قادته موحدون، وجعل هذا الشعور قيادة حزب العمل تكذب على نفسها وتؤيد الحكومة في التصويت على حجب الثقة.
كنت قد أصبحت أخدم الخدمة الاحتياطية حينما تم التصويت في الكنيست، وقلت في مقالة كتبتها من هناك إلى صحيفة "هآرتس": "اذا كانت حكومة إسرائيل تنوي حقا أن تغادر المنطقة المحتلة فهذا جيد. لكن في قلبي خوفا شديدا من أنه كما لم تكن أية صلة بين جوهر العملية وبين سلامة الجليل وكما لم تف الحكومة بوعدها في مسألة الاربعين كيلومترا وكما كان الكلام على الامتناع عن مواجهة السوريين بلا غطاء – لا توجد نية جدية كذلك وراء التصريحات التي تتحدث عن عدم البقاء في المنطقة".
بعد ذلك بثلاثة أشهر فقط وبإزاء المذبحة التي نفذها المسيحيون في المسلمين في مخيمي اللاجئين صبرا وشاتيلا من غير ان يمنع الجيش الإسرائيلي ذلك، صحا الجمهور في دولة إسرائيل ليفهم ما الذي دفعنا شارون اليه. وأفضت لجنة التحقيق الرسمية فقط إلى تنحيته عن منصب وزير الأمن.
برهنت الحرب التي لا حاجة اليها في لبنان على أن التخطيط الأنجح لا يمكن ان يجعل الناس جنود شطرنج وان افكار مثل تغيير الحكم في دول جارة متبجحة لا أساس لها. وأدت بنا إلى "الشريط الامني" الذي علقنا فيه 16 سنة اخرى ونحن نحاول ان نقنع أنفسنا والجنود الشباب بأن بذلهم مهجاتهم في جنوب لبنان يُمكّن من الحياة الوادعة في الجليل. ولم تكن أكذوبة أكبر من تلك، وحينما انسحبنا فقط من لبنان في ايار 2000 بدأ هدوء حقيقي في الشمال من غير ان يقتل في كل اسبوع جنود وراء حدودنا.
من السهل جدا استقرار الرأي على حرب ومن السهل جدا اقناع رئيس وزراء ووزراء مدنيين بأن الحديث عن عملية ضرورية لن تسبب وقوع ضحايا كثيرين جدا. ومن الصعب جدا انهاء هذه العمليات ومن الصعب جدا الخروج، فقد قتل أكثر من ألف جندي في سنوات حرب لبنان الثماني عشرة.
ان تأليفا خاصا فقط بين السذاجة والسخرية يمكن ان يُمكّن شخصا ما من النظر في عيون عائلاتهم وان يقول انهم لم يقتلوا عبثا. وتأليفا مشابها فقط يمكن ان يسمي تلك الحرب التي لا حاجة اليها "سلامة الجليل". وقد كانت سلامة الجليل موجودة فقط في الـ 11 شهرا من شهور الهدنة التي سبقت الحرب في الفترة التي تلت الانسحاب من طرف واحد (اذا استثنينا حوادث مفرقة سوغت واحدة منها حربا اخرى لا داعي اليها في لبنان في نظر حكومة اولمرت في 2006).
ان الحرب ودخول بيروت والسنين الطويلة في الوحل اللبناني، واقناع الذات بحيوية الوجود المتواصل هناك – كل ذلك يجب ان يُدرس جيدا كي نفهم أنه يمكن الامتناع عن مغامرات كهذه. وطريقة الامتناع عن ذلك هي الوقوف في وجه الجهة المتحمسة المتأكدة من أهمية العملية العسكرية لنفهم منها ما الذي تريده بالضبط ولماذا تظن أن الأمر حيوي جدا وكيف تنوي انهاء العملية وأن نقول لها: "لا"، حتى لو بدا واضحا ان "نعم" أكثر شعبية بكثير.

التعليق