ثورة مصر لن تنتهي بالانتخابات الرئاسية

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • محتجون مصريون على فوز أحمد شفيق في جولة الانتخابات الرئاسية الأولى - (أرشيفية)

جاك شنكر  — (الغارديان) 23/5/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

استوعبت منطقة المباني السكنية في الشارع الذي أقطنه وسط مدينة القاهرة العديد من دورات الفوضى السياسية في مصر على مدار الشهور الثمانية عشرة الماضية. وقد شهدت وهي التي تقع على بعد مرمى حجر من ميدان التحرير، التطويق بالغاز المسيل للدموع، وعلامات الحروق التي تتركها كوكتيلات قنابل المولوتوف، وجرى استخدامها قسراً كمتاريس من جانب الثوريين والمليشيات المؤيدة لمبارك على حد سواء، ووفرت الستارة الخلفية لبعض أعنف الهجمات التي شنها الجنرالات العسكريون المؤيدون لمبارك على المواطنين الذين كانوا قد تعهدوا بتوفير الحماية لهم. وترى الجنود يحدقون من فوق أسوار حدائق المتحف المصري —المكان الاعتيادي لواحد من مراكز التعذيب الشديد والاحتجاز التابعة للجيش، حيث يجري تعريف أولئك الذين ما يزالون يجرؤون على الاحتشاد من أجل إحداث تغيير ذي معنى، بوحشية، على حقائق "التحوّل" الذي ترعاه الطغمة العسكرية إلى الحكم الديمقراطي.
وهذا الشهر، تكشف آخر تكرار ثوري في البناية التي أقطنها؛ لوحتا إعلان ضخمتان تعرضان صورتين مبتهجتين مشعتين لأحمد شفيق: آخر رئيس وزراء في حقبة مبارك، والمرشح الرئاسي الحالي من فلول النظام السابق، والشخصية البارزة بامتياز. وقد أظهرت آخر حزمة من استطلاعات الرأي أن من الممكن أن يخرج شفيق منتصراً، ما يشير إلى ما يصفه العديدون في وسائل الإعلام بأنه إعلان الوفاة الأخير "للثوريين الليبراليين" في ميدان التحرير، الذين ما فتئوا يتعرضون للهجوم بعنف وعلى نحو ثابت -بالأسلحة على أيدي القوات الأمنية، وبنزع الشرعية العامة عنهم على يد وسائل الإعلام الرسمية- منذ غزو الصور العنيفة للاحتجاجات الجماعية شاشات التلفاز الكونية قبل 18 شهراً.
إن الوجود الفعلي لعملية انتخابية ديمقراطية يفسر في حد ذاته، وبصوت عالٍ، على أنه نجاح حاسم للثورة.
إن المعركة على الرئاسة هي مجرد الرأس المؤسساتي لجبل الجليد الثوري الأعمق بكثير، والذي يشكل موقع منافسة واستياء واحد وحسب من بين متغيرات عدة- والتي لبعضها دور كبير لتلعبه في تحديد المستقبل السياسي والاقتصادي الاجتماعي للبلد؟
هناك حالتان من سوء فهم توجهان الكثير من النقاش الدائر. الأولى، هي أن مقياس النجاح الثوري يكمن فقط في الحلبة الرسمية للسياسات المؤسساتية وتطوير الآليات الديمقراطية في داخلها. والثانية، هي أن ميدان التحرير، إلى جانب العنوان المثير للضحك "شباب الفيسبوك" الذين ملأوا الميدان في شهري كانون الثاني (يناير) وشباط ( فبراير) من العام الماضي، هما الفضاء الوحيد البديل الذي يمكن فيه تنفيس الاحتقان الموجود في الحلبة الرسمية.
ومن شأن عدسات الملاحظة المنحرفة هذه، أن تفرز سرداً يواتي العديد من النخب -محلياً ودولياً على حد سواء- لأنه يشتمل على إبقاء طاقة الثورة في حدود آمنة نسبياً. إذا كان الهدف النهائي للثورة هو تأسيس مؤسسات "تمثيلية" مع إمكانية قياس النجاح الثوري بمدى خطيّ يتقاطع مع النزعة السلطوية للأوتوقراطية العربية في إحدى النهايات، والكأس المقدسة للديمقراطية الغربية الليبرالية في النهاية الأخرى، فعندها يمكن لمحيط التغير السياسي الذي أنتجته الانتفاضات العربية أن يُحشر بأناقة في داخل ديناميكيات السلطة الكونية الموجودة، بحيث يقوم بتعزيزها في واقع الأمر.
أما على أرض الواقع، فإن مدى فهم وإدراك كنه الثورة المصرية هو أوسع بكثير، والذي يعرض احتمالات لتحد وجودي وأكثر قوة لأنظمة السيطرة الاقتصادية والسياسية القائمة حالياً.
تلك هي الطاقة التي يخشاها حقاً أولئك المستفيدون من الوضع الراهن، بدءاً من الحكومات الغربية، وانتهاء بالشركات متعددة الجنسيات. ولذلك، لا غرابة في أن تهرع الكيانات الأكثر قوة في العالم -من هيلاري كلينتون وديفيد كاميرون إلى مورغان تشيز وجنرال إليكتريك- إلى تبجيل ميدان التحرير بالتزامن (طالما أن المطالب التي نودي بها فيه لم تتجاوز العلامة الحمراء)، وتردد تلك الكيانات أصداء دعوات الجنرالات من أجل "الاستقرار" (قاطعة الطريق على الخطابات السياسية الأوسع للسخط في الأثناء)، ومشكلة صلات مع جماعة الإخوان المسلمين التي تنتهج خط الليبرالية الجديدة في جزئها الأكبر (والتي تشكل سياساتها، على الرغم من المقالات الرئيسية المتألمة في الصحف الفكرية في واشنطن، تهديداً ضئيلاً للمصالح الأميركية، فيما تعرض العديد من الفرص في الوقت نفسه).
ما من شك في أن الانقسام والشق الإسلامي/ العلماني يستقطب جل الاهتمام، وهو مهم -لكنه يعد أيضاً نقيصة من بين عدة، وواحدة مناسبة للتركيز عليها لأنها تتجاوز بذكاء تلك الدمدمات الأعمق لمشاعر السخط والمستمرة في الأنين من تحت جلد مصر. وطالما بقيت المعطيات الأساسية للأرثوذوكسية الاقتصادية في جامعة شيكاغو المصرية مستقرة، فإن الرجال الملتحين في مقابل النساء غير المنقبات يشكلون انقساما وشقاً سياسيين، يسعد لهما صانعو السياسة الغربيون، شأنهم شأن النخب المصرية نفسها.
أما الأمر الذي يبدون أقل حرصاً على الإقرار به -لأنه ينقل الثورة إلى خارج حدودها المحمية- فهو الخنادق الأخرى التي يجري حفرها بشكل متزايد عند هوامش المجتمع المصري، مقسمة بين أولئك الذين جنوا ثروات فرعونية نتيجة لعشرين عاما ويزيد من "التعديل البنيوي،" ويبين أولئك الذين تم تركهم في الوراء في مناطق عزل أقصتها الليبرالية الجديدة.
ولا يتطلب الأمر الانتقال بعيداً عن ميدان التحرير ليعثر المرء على هذه التصدعات الاجتماعية. وهي ليست مرتبة بحيث تفصح عن ذروتها،  لكنها تظل عميقة تنمو وتغذيها حالات المعاناة التي لا يعرف أي من المرشحين الرئاسيين كيفية حلها في إطار الجهاز السياسي والاقتصادي الموجود. وثمة، في الأثناء، جزر من المستوطنات غير الرسمية، المنتشرة على طول حوض النيل، والتي يقاتل قاطنوها قوات الأمن التي تريد إجلاءهم –في جهد تنسقه الحكومة لإفساح المجال أمام إنشاء منتجعات عطلات تضارب بالأموال.
وارحل في اتجاه الشمال الشرقي، إلى أعلى النهر، إلى دمياط، وستجد المصريين الذين ما يزالون يغلقون الموانئ ويتصدون للدبابات احتجاجاً على التلوث الناجم عن المصنع الكيميائي المجاور، والذي تمتلكه جهة أجنبية. وباستطاعتك الذهاب جنوباً إلى محافظة قِنا حيث احتل المواطنون المحليون خطوط السكك الحديدية، وهددوا بقطع إمدادات التيار الكهربائي القادم من السد العالي في أسوان نحو الشمال. ومن بين أولئك الذين تستخدمهم الدولة مباشرة -مثل مجندي قوات الأمن المركزي الذين تمردوا قبل اسبوعين- إلى أولئك الذين أبقي عليهم خارج الدولة بالقوة مثل بدو ضبعة على خط ساحل البحر الأبيض المتوسط الذين دهموا مؤخراً مصنعاً نووياً حكومياً ونسفوا مفاعلاً قيد الإنشاء للتظاهر احتجاجاً على تخصيص قسري لأراضيهم، سترى أن المصريين يؤكدون سيطرتهم على مجتمعاتهم وطرق حياتهم ومستقبلهم.
انسَ اللوحات الإعلانية لحملة شفيق: إن الثورة موجودة في كل مكان، وهي فعالة وقادرة. وهي تشمل الطبقات الوسطى المتعلمة، بالإضافة إلى سكان المدن والفقراء الريفيين. وبينما قد تعمد الأطراف الثانوية إلى عقد تحالفات طارئة واستراتيجية مع طائفة عريضة من القوى السياسية -من الإسلاميين السياسيين إلى مؤيدي مبارك السابقين- فإن عدم قدرة تلك القوى حتى على النطق بلغة إحداث تغيير أصيل، ناهيك عن تحقيقه، سوف تعني على المدى البعيد أن التجييش السريع للاحتجاجات في الشارع سيبقى دائماً على بعد لحظة متفجرة واحدة.
وعلى العكس من الفهم الشائع، فقد ظلت مصر نواة للسخط الراديكالي والانشقاق على مر التاريخ، وبالتأكيد قبل وقت طويل من تفجر الانتفاضة المعادية لمبارك. وما عليك سوى سؤال سكان كفر الدوار، موقع التمرد الذي غطته الأخبار بالكاد في العام 1984؛ أو مزارعي ساراندو الذين حاربوا في العام 2005 أشراراً مسلحين وشرطة مكافحة الشغب التي حاولت الاستيلاء على أراضيهم تطبيقاً لقانون جديد سنه مبارك في حينه من أجل "تحرير" أراضٍ. والفارق الآن هو أن أولئك الذي يحرضون من أجل التحول يعرفون أن رياح الثورة أصبحت خلفهم، محولة ما كان يمكن أن يكون بغير ذلك مواطن قلق "محلية" أو "ضيقة" صرفة إلى هجوم مستدام وجمعي على الحالة الراهنة.
وكما قال عالم الاجتماع آصف بيات، فإن الممارسات التي تبدو وأنها استراتيجيات فردانية من أجل البقاء، وليس محاولات سياسية صريحة لإسقاط النخب، سوف تصبح في الظروف المواتية عصية الإيقاف، كما تصبح قنوات متصلة ببعضها البعض للرفض الجماهيري، وكفاحاً من أجل تخويل حقيقي في حقبة الشركات الكونية المعولمة التي تناضل لحرمان الكثيرين جداً من هذا التخويل. هذه هي ثورة مصر، الثورة التي تتقاطع مع نضالات الجذور الشعبية من أثينا إلى مدريد، ومن صنعاء إلى سانتياغو، وهي الثورة التي تخشى منها النخب القائمة أكثر ما يكون.
وقد سئل الثوري المصري علاء عبد الفتاح ذات مرة عما إذا كان يحب رؤية الثورة المصرية وقد أسست نظاماً بريطانياً (برلمانياً) أو أميركياً (رئاسياً) من الديمقراطية الليبرالية. فأجاب: "لا هذا ولا ذاك. إننا نريد شيئاً أفضل من الاثنين".
وعلى ضوء ذلك، هل تهم حقاً الانتخابات الرئاسية -ولوحات أحمد شفيق الإعلانية التي تومض حتى وقت متأخر من الليل؟ قطعاً، لأن الفائز فيها سيضطلع بدور حاسم، إما في توسيع أو تضييق الفضاء الذي تتحرك فيه تلك النضالات الأوسع نطاقاً بكثير.
ولكن، هل سيكون التصويت الذي جرى الشهر الماضي هو المنتج النهائي والمطلق الذي سيُفرز عند نهاية خط إنتاج المصنع الثوري الذي لا يكف عن الصرير، في هذا الوقت الذي يفترض فيه أن صوت "شباب التحرير" قد أُسكت؟ ذلك ما يأمله أعداء الثورة. لكن من المرجح أنهم ليسوا على صواب.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Egypt's revolution won't end with the presidential election

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق