مَن يدفع كلفة التعليم العالي.. حالة من كندا

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 30 أيار / مايو 2012. 01:04 مـساءً

فرانسيسكو تورو – (الواشنطن بوست) 24/5/2012
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
مونتريال - هل يجب أن نتحمل تكاليف الدراسة الجامعية؟ وهل يتحمل كلفتها الناس الذين يحصلون عليها أم الجميع؟ هذه الأسئلة أثارت الغضب في كيبيك طوال الربيع.
وكان اقتراح بمضاعفة الرسوم على التعليم الجامعي قد أفضى إلى قيام حركة احتجاج طلابية صاخبة. وتضمنت الحركة إضراباً للطلاب وسلسلة متصاعدة من الاحتجاجات -"انتفاضة"، وفقاً لأحد المراقبين.
وهو قدر كبير من الاحتجاج في الحقيقة، على اعتبار أن الاقتراح يقضي برفع تكاليف التعليم إلى 4700 دولار سنويا بحلول العام 2016 –وهو أقرب إلى الوضع السائد في كندا (حوالي 5300 دولار)، وأقل مع ذلك من الرسوم الدراسية في داخل الولاية للجامعات الحكومية في الولايات المتحدة.
لكن هذه، بالطبع، هي النقطة. إن هذه الاحتجاجات تتعلق بأكثر من مجرد كيفية تمويل التعليم العالي: ثمة رؤية للمجتمع كله هي التي على المحك. هل ستصبح كيبيك أكثر شبهاً ببقية كندا والولايات المتحدة، وتطلب من الطلاب دفع حصة أكبر من كلفة تعليمهم؟ أم أنها ستذهب أقرب إلى النموذج الأوروبي الديمقراطي الاجتماعي للتعليم العالي المجاني (أو شبه المجاني) الممول من الضرائب العامة؟
لقد أصبحت حقيقة خروج الاحتجاجات من نطاق السيطرة والتحكم شيئاً لن يجادل فيه أحد تقريباً، باستثناء النواة الصلبة داخل الحركة. فخلال الأسابيع الثلاثة عشرة الماضية، تصاعدت المظاهرات إلى أعمال شغب مصغرة مراراً وتكراراً. وتحول إضراب الطلاب -الذي تصر الحكومة على وصفه بـ"المقاطعة"- إلى حملة ترهيب ضد الطلاب المعارضين. وفي أوقات مختلفة، تجرد الطلاب من ملابسهم وساروا عراة في مسيرات ضد ارتفاع الرسوم. وفي إحدى المرات، حاصروا مركز مونتريال الرئيسي لتوزيع النبيذ والمشروبات الكحولية. وفي يوم 10 أيار (مايو)، قام أربعة من الطلاب المتظاهرين بتفجير قنابل دخانية في ثلاث محطات مترو في مونتريال، موقفين النظام بأكمله تماماً لبضع ساعات، وخلق حالة من الفوضى لآلاف المسافرين. وهم يواجهون الآن اتهامات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
وقد شكلت هجمات المترو نقطة تحول بشكل ما – اللحظة التي تحول فيها الرأي العام بشكل حاسم ضد المحتجين. وفي أعقابها، قدم رئيس وزراء كيبيك جان شارست، قانون طوارئ والذي يحظر التظاهرات قرب مراكز التعليم العالي، ويحصر الاحتجاجات في تلك التي تكون قد سبقت الموافقة على زمانها ومكانها.
وأنا أجد هذا الجدل كله محيراً: كيف يمكن لحركة يسارية ظاهرياً أن تريد إجبار الناس الذين لا يذهبون إلى الجامعات على المساعدة في الدفع (عن طريق ضرائبهم) في تعليم الذين يذهبون إليها؟ كيف يكون ذلك تقدمياً؟
يشكو الطلاب من الديون التي من المتوقع أن يتحملوها لتغطية رسومهم الدراسية. لكن ليست هناك وجبة غداء مجانية، فمن خلال المطالبة برسوم أقل للبعض الآن، فإنهم يطلبون فعلياً بزيادة الضرائب على الجميع في وقت لاحق. ويظهر البحث أن خريجي الجامعات يدفعون حصة غير متناسبة من الضرائب على الدخل. ومع ذلك، وبطريقة أو بأخرى، لا يبدو احتمال الاضطرار إلى دفع ضرائب أعلى في المستقبل أمراً مُقلقاً للمحتجين بقدر احتمال الاضطرار لسداد القروض الطلابية. وبالنسبة لقادة الاحتجاج، فإن تمويل التعليم العالي من خلال الضرائب هو أكثر عدالة لأنه يربط المدفوعات بشكل وثيق بقدرة كل شخص على الدفع.
لقد كان من المثبط أن تشهد هذه الحركة محاولة إملاء شروط من هذا القبيل على حكومة منتخبة ديمقراطياً. ومع استحقاق انتخابات مجالس المحافظات في وقت لاحق من هذا العام، قد يعتقد المرء بأن الطلاب المكرسين جهودهم لهزيمة زيادة مصاريف الرسوم الدراسية سيعملون بكامل الطاقة لانتخاب حكومة مخصصة لمعارضة الزيادة المقترحة. وبدلاً من ذلك، بالغت حركة الاحتجاج بجعل نفسها مصدر إزعاج وخلق ردة فعل عنيفة جداً. وتُظهر بعض استطلاعات الرأي أن ثلثي الناخبين في كيبيك يوافقون على قانون الطوارئ الذي قدمته حكومة المقاطعة للحد من الاحتجاجات، على الرغم من القلق العميق إزاء الآثار التي ربما يرتبها على الحقوق المدنية.
والمفارقة الأساسية في كل ذلك هي أن رئيس وزراء كيبيك شارست، الذي بدت إدارته الملطخة بالفساد منورة حتماً لخسارة تلك الانتخابات قبل بدء احتجاجات الطلبة، أصبحت تبلي حسناً وعلى نحو أفضل بشكل ملحوظ في استطلاعات الرأي الأخيرة، نظرا لأنه يصور نفسه على انه الضامن للاستقرار في مقابل كل غوغائية الأولاد هذه. وكلما خرجت الاحتجاجات الطلابية عن السيطرة أكثر، حصل شارست على شعبية أكبر. وهذا ما يعطيه سبباً وجيهاً لتقديم تنازلات، بما أن آفاق إعادة انتخابه تعتمد الآن إلى حد كبير على براعة المحتجين في شنق أنفسهم بالحبل الذي يمده لهم.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: May’12

التعليق