الأمر الذي لم يفهمه أوباما

تم نشره في السبت 26 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

يديعوت أحرونوت

ناحوم برنياع  25/5/2012

ليست هناك جراح أشد وطأة من جراح العاشق: جرحهم دقيق، وألمهم لاذع. في هذا الشهر نشر في الولايات المتحدة وفي ذروة المعركة الانتخابية، كتاب شامل حول إنجازات وإخفاقات السياسة الخارجية للإدارة الاميركية ("لثني التاريخ: سياسة باراك أوباما الخارجية"). مارتن اينديك، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في اسرائيل وكان من كبار المسؤولين في طاقم السلام، هو الذي كتب الفصول الشرق اوسطية. قبل اربع سنوات أيد اينديك هيلاري كلينتون وبعد ان خسرت في الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي انضم لمعسكر اوباما. هو أثنى عليه بحرارة أمام يهود اميركا وأمام الاسرائيليين.
ولكن ليس هذا هو الحال في هذه المرة. الفصل الذي كتبه يورد سلسلة طويلة من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها رئيس الولايات المتحدة، بعضها نابع من عدم الخبرة، ولكن اغلبيتها حدثت لعدم فهمه الساحة الاسرائيلية – العربية والمزاج غير الملائم والنظرية غير الصحيحة. اوباما لم يُبد اهتماما خاصا بتغيير الأنظمة وبالديمقراطية في العالم العربي. ولشدة السخرية كان هذا هو المجال الوحيد الذي تغير في عهده.
اينديك (61 عاما) يشغل اليوم منصب نائب رئيس معهد بروكينغز من مراكز الابحاث السياسية المهمة في الولايات المتحدة. خصومه سيقولون انه غاضب على اوباما لأنه لم يعينه في منصب في ادارته. يبدو لي انه أكثر غضبا بسبب الفرصة التي ضاعت. اوباما حصل على جائزة نوبل للسلام، ولكنه لم يجلب هذا السلام.
الاستخلاص الذي أتوصل اليه من قراءة كلماتك، قلت له، هو أن على الناس ان تسارع الى التصويت لميت روماني، المرشح الجمهوري. "هذا الامر يحتاج الى محادثة"، قال لي. اينديك زار البلاد هذا الاسبوع وأمس جلسنا على شرفة مطلة على مشهد جميل في فندق الملك داود في القدس وبحثنا معا عن المذنبين.
"اوباما كان رئيسا ذا أبعاد تاريخية من اليوم الاول لولايته"، استهل اينديك الحديث. "ليس من الممكن ان نتوقع من الرئيس الأفرو – اميركي الاول أقل من ذلك. هو كان قد وضع الشرق الأوسط على رأس جدول اعماله السياسي من يومه الأول في البيت الابيض. ولكن لسوء الحظ أدى تدخله الشخصي الى زيادة الامور سوءا فقط.
"الرؤية التي طرحها لتغيير الوضع كانت هائلة والوعود التي أطلقها كبيرة. ولكن توجهه ونهجه المنفر والتحليلي والبارد لم يلائم المناخ الشرق اوسطي. القادة في الشرق الاوسط، اسرائيليين وعربا على حد سواء، يرتكزون على العلاقات الشخصية التي ينشئونها مع الرئيس. اوباما لم يطور علاقات شخصية، فهذا هو طبعه".
ليس هناك جدل حول انتهاء ولاية اوباما الاولى بالفشل الذريع في كل ما يتعلق بالصراع الاسرائيلي العربي، قلت لمارتن اينديك. هو وعد بجلب السلام ولكنه لم ينجح في استئناف المفاوضات التي كانت قد جرت بصورة منتظمة في فترة بوش. العالم العربي لم يصدقه، والاسرائيليون لم يثقوا به. والسؤال هو كيف تتوزع المسؤولية بين الأطراف، ما هو نصيب اوباما منها وما هو نصيب كل من نتنياهو وأبو مازن، هذا بالاضافة الى إسهام التغييرات الجارية في العالم العربي.
"تجربتي"، قال، "تشير الى ان رقصة التانغو في الشرق الاوسط تحتاج الى ثلاثة – قائد اسرائيلي وقائد عربي مستعدان للإقدام على المخاطرات ورئيس اميركي مستعد لتكريس وقته ومكانته الاعتبارية لإقناعهما بأن عليهما الإقدام على المخاطرات. لم يكن هناك استعداد كهذا، لا عند نتنياهو ولا عند أبو مازن. هناك ما يكفي من الذنوب لتوزيعها على الجميع".
ما هو الفرق بين نهج اوباما وبين نهج كل من كلينتون وبوش، سألت اينديك.
"كلينتون سعى لإقناع الاسرائيليين بأنه واحد منهم، وانه يتفهمهم ويشعر مثلهم. وفي المقابل حاول اقناع العرب بأنه جدي في الاصرار على حل مشاكلهم.
"اوباما تبنى نهجا عكسيا. هو لن يكون كلينتون، ولن يكون بوش. اوباما قال ان بوش كان قريبا من اسرائيل. هذا الامر لم يساعد اميركا ولم يساعد اسرائيل: اسرائيل لم تحظ بالسلام الذي تحتاجه جدا وعلاقات اميركا مع العالم العربي تحطمت. أنا سأسير في طريق مغاير.
"هو لم يفهم العرب. في كل ما يتعلق بالصراع، العرب لا يؤمنون بأن الولايات المتحدة موجودة الى جانبهم. تحالفها موجود مع اسرائيل، وهم يتوقعون من الرئيس الاميركي ان ينتزع التنازلات من اسرائيل بحكم قربه منها.
"كما انه لم يفهم الاسرائيليين. هو أعطى اسرائيل مساعدة وتعاونا أمنيا بأحجام وعمق لم تشهده الإدارات السابقة. هذا أمر يعترف به نتنياهو وايهود باراك، هو لم يفهم بأن الاسرائيليين يحتاجون الى التعاطف والعناق. ومنذ اللحظة التي تسبب فيها بشعورهم بأنه غير مكترث وان قلبه ليس معهم، فقد قدرته على التأثير على الرأي العام. ومن اللحظة التي فقد فيها الرأي العام فقد الحكومة. نتنياهو أدرك ذلك: عندما تصادم مع الرئيس كلينتون في ولايته الاولى هبطت شعبيته في الاستطلاعات، بينما ارتفع الى الأعلى عندما تصادم مع اوباما".
النقطة الانعطافية كانت خطاب اوباما في جامعة القاهرة في حزيران (يونيو) 2009. كنت هناك. بعد انتهاء الخطاب تحادثت مع مستشارين مقربين من اوباما وهما رام عمانوئيل وديفيد اكسلرود. قلت لهما بأن وقع الخطاب على الاسرائيليين كان شديدا. المقارنة بين الكارثة والمعاناة الفلسطينية تثير الغليان في دمائهم. حقيقة ان اوباما اختار القاهرة مكانا لإلقاء خطابه بدون زيارة القدس مست بكرامتهم.
الاثنان نظرا لبعضهما بعضا بصمت، وكأنهما يقولان لقد عرفنا ان هذا ما سيحدث وحذرناه ولكنه رفض الإصغاء. بعد فترة من ذلك الخطاب عُلم ان اوباما كتب الكلمات بنفسه خلافا لنصيحة كل مستشاريه.
"الرياض كانت محطته قبل القاهرة"، قال اينديك. "اوباما طالب نتنياهو بتجميد البناء في المستوطنات. نتنياهو قال ردا على ذلك انه اذا قامت السعودية بإعطاء شيء ما فإن ذلك سيساعده. اوباما قرر النزول في الرياض في طريق توجهه للقاهرة. السعوديون يوافقون على استلام عدد من السجناء اليمنيين المعتقلين في غوانتنامو ويقومون بلفتة ايجابية علنية تجاه اسرائيل. هذا اللقاء لم يُعد كما يجب ولشدة ذهول اوباما رد الملك عبدالله سلبا على الطلبين.
"مطلب تجميد المستوطنات لم يكن جديدا: رؤساء سابقون كانوا قد طرحوا هذا المطلب، وفي فترات معينة حصلوا على الاستجابة. اوباما طالب بدون ان يأخذ في الحسبان النمو الطبيعي في المستوطنات. هذا كان مطلبا جديدا. بعد ذلك فوض ميتشيل بالتفاوض حول التسوية. وبذلك أدخل أبو مازن في وضع مستحيل: لم يكن بإمكانه ان يوافق على ما هو أقل مما طالب به اوباما. أبو مازن اشتكى من ان اوباما قد رفعه على شجرة عالية وأنه لا يملك وسيلة للنزول من هناك.
"هكذا يتصرف اوباما. في البداية يطرح هدفا بعيد المدى، بعد ذلك يأخذ في البحث عن التسوية. وفي نهاية المطاف لا يكون هناك أي طرف راض عن ذلك".
نفس الديناميكية فعلت فعلها عندما طلب الفلسطينيون العضوية الكاملة في الامم المتحدة. خطاب اوباما أثار الانطباع لديهم بأن اميركا ستؤيد هذه الخطوة، ولكن عندما ذهب أبو مازن الى الامم المتحدة استخدمت واشنطن الفيتو.
حكومات في الشرق الاوسط، قلت لاينديك، تلقت خيانة اوباما لمبارك بصورة شديدة الوقع.
"هذا نبع من برودة اوباما"، قال اينديك، "الامر يعود لتنكره للعلاقات. عندما حدثت الثورة في تونس أدرك ان هذا تطورا مهما وان من المهم ان تكون الولايات المتحدة في الطرف الصحيح من التاريخ. أنا أعتقد ان حكمه على الامور كان صحيحا – لم تكن أمام مبارك فرصة للبقاء. ولكن الطريقة التي فعل بها ذلك أهانت حليفه. هو أشار لكل حاكم في الشرق الاوسط بأنه سيكون وحيدا اذا تورط في المشاكل.
"في البحرين تصرف بصورة مغايرة. استخلص العبرة مما حدث. بالاضافة الى ان ولي العهد السعودي قال له انه اذا تصرف في البحرين كما فعل مع مبارك فإن السعودية ستقطع العلاقات". قلت بأن اوباما فضل التصرف من الوراء في ليبيا.
"قراره كان صحيحا"، قال اينديك. "الانعكاس والتعبير كان بائسا. أضف الى ذلك ان الروس والصينيين ادعوا بأن اميركا قد خدعتهم في مجلس الأمن. هم رفضوا التعاون مع اميركا في سورية".
هل تنوي التصويت لروماني، سألت اينديك.
اينديك ضحك. "أنت تشوه الرسالة"، قال. "أنا سأصوت لأوباما. لماذا؟ لأن هناك قضايا اخرى غير الشرق الاوسط، ولأن قلبه في المكان الصحيح ولأني آمل انه اذا سنحت له فرصة اخرى لدفع السلام فسيفعل ذلك بطريقة مغايرة". أكثر مما توقعتم.
هل سيهاجم اوباما ايران؟ سألت اينديك.
"ليس الامر مستبعدا"، قال اينديك. "حسب رأيي احتمالية اصدار اوباما لأمر بالهجوم العسكري أكبر من احتمالية قيام روماني بذلك. اوباما يعتقد بأنه صاحب رسالة: عليه ان يبلور نظاما عالميا تقوده الولايات المتحدة. وروماني لا يملك مثل هذه الطموحات".
ولكنك أقنعتني بأن لدى اوباما فجوة عميقة بين الخطاب البياني وبين الافعال، قلت لاينديك. أنت أقنعتني بأن الرأي العام الاميركي ليس مستعدا بعد عشر سنوات وحربين لأن يفتح جبهة جديدة في الشرق الاوسط.
"أنت تعقد مقارنة غير عادلة"، قال. "في المسألة الايرانية الامر لا يتعلق برؤية مجردة وانما بالسياسات. اوباما على قناعة بأن القنبلة الايرانية ستتسبب بسباق تسلح في الشرق الاوسط يؤدي الى انهيار معاهدة عدم نشر السلاح النووي. صحيح ان الرأي العام في اميركا لن يحب العملية العسكرية. لذلك سيوجه اوباما أوامره بشنها – اذا فعل – بعد الانتخابات".

التعليق