"قد يعلم الله المعوقين منكم"

تم نشره في الجمعة 11 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

عجيب أمر القرآن وهو يتحدث بصراحة عن فئة من الناس لا همّ لها إلا إعاقة الخير، بأية وسيلة متاحة، ولو بالكلمة؛ لا يعجبها الخير وانتشاره، ولا المجتمع النظيف الآمن، ولا حتى الخيرية لها، لأن فكرها مشوّش وبوصلتها تائهة ومعاييرها منقلبة، جمعت الضلال والظلام معاً، فماذا نتوقع من أمثال هؤلاء إلا الوقوف عثرة في طريق الحق؟
والأعجب مما سبق، أن يظن الإنسانُ نفسه أنه على حق، في مبدئه ومنهجه، ويسارع إلى تخطئة الآخرين ونقدهم النقد اللاذع، وهو يعتقد أنه متبع رأياً سديداً. وربما يحتج بالقرآن أو السنة، ولكن بعد التدقيق فإما أنه هكذا فهم النص بصورة مغلوطة، أو اتبع مقولة أو زلة لعالم من العلماء، أو تبع حاكماً اتباعاً أعمى، وربما لسان حاله: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر، الآية 29)، ولهذا لما سمع المشركون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم اتهموه بالجنون والكهانة والسحر والكذب، وأوصى الملأ منهم عامة الناس: "وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يُراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، ءأنزل عليه الذكر من بيننا..." (ص، الآيات 6-8)؛ فقد حث بعضهم بعضا على الصبر والثبات في عبادة الآلهة، وما جاء به محمدٌ بدعة إياكم أن تتبعوه فيها.
هكذا شأن الملأ المشوّهين لصورة المصلحين وفاعلي الخير عبر التاريخ، وهكذا شأن الطغاة حين يصدون عن سبيل الله، وهكذا شأن المنافقين فهم يعوِّقون ويثبطون ويرجفون حين يُصدرون عبارات الإحباط واليأس والتخذيل، ويضعون في الطريق عقبات، ويخدعون غيرهم بأنهم معهم ثم يتخلون عنهم، هم مع المؤمنين بأجسامهم، ولكن هِمَمَهم دنيئة، وألفاظهم بذيئة، وطموحاتهم رديئة، هم هكذا يدورون مع مصالحهم الدنيوية، ولمّا يخالط الإيمان قلوبهم، ليرفعوا رؤوسهم ليكونوا أعزة، ليفطنوا إلى آخرة تنتظرهم، حين يعرضون لا تخفى منهم خافية.
لم يمر على الأمة ضرر مثل ضرر المنافقين، ولهذا هم في الدرك الأسفل من النار كما قال سبحانه. هم أخطر لأن الكافرين أعداء ظاهرون، وهؤلاء مراوغون أصحاب وجوه متقلبة يدورون مع مصالحهم، أشحة على الخير، ألسنتهم حداد على المؤمنين، يتهمون الأشراف ولا يبالون بذلك؛ فقد اتّهم سيدُهم القديم محمداً في عرضه حين قذف عائشة رضي الله عنها بالزنا، وحين تجرّأ وقال عن محمد وصحبه من المهاجرين: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ".
تسير حركة الإصلاح غير مبالية بأقوال المرجفين المعوّقين، فالأيام دُوَلٌ ولا بد من تجديد وتغيير، يزينهما أملٌ بالله عظيم، بأنه ناصرٌ عباده المؤمنين المخلصين، برغم ما يسمعونه أو يجدونه من أذى، فهي سنة الحياة أن يكون الابتلاء والتدافع. ولا يجوز أن يقف أحدنا لمجرد أن سمع خبراً ما فيحبطه أو يحزنه، هي الطريق هكذا مليئة بالأشواك والمعيقات، فقد نذر بعض الناس أنفسهم ليكونوا معيقين، لأن الإصلاح يضر بمصالحهم الدنيئة.
عندما غزا الأحزابُ المدينةَ وحفر المسلمون الخندق، وبشرهم رسول الله بفتح الشام والعراق واليمن، وعندما اشتد الخوف على المؤمنين، حينها قال المنافقون: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً" (الأحزاب، الآية 12)، وادعوا أن بيوتهم عورة، وما هي بعورة، ولكنهم يريدون الفرار من الموقف. وفي سياق آخر يبين الله شأنهم وهم منغمسون في ملذاتهم، ويرسلون إلى أهل الإيمان أن: "هلمّ إلينا" فيما نحن فيه من نعيم وراحة واستقرار، فيكشف الله شيئاً من مكنون نفوسهم: "ولا يأتون البأس إلا قليلاً"، خوفاً من الموت والشدائد.
وفي زماننا، ونعوذ بالله من أن نتهم أحداً بنفاق، فإن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم أن نأخذ من الناس علانيتهم، وندع سرائرهم إلى الله فهو أعلم بهم، ولكننا نجد من يقف حجر عثرة في طريق الإصلاح وعمل الخير بشكل عام، تارة بالتشكيك في النوايا، وأخرى بالإحباط بأن هذا مستحيل، وتارة بالمقارنة المقيتة مع دول أخرى أدنى منزلة فنحمد الله على ما نحن فيه من رخاء واستقرار، وليست عندهم همّة أن يرفعوا رؤوسهم لينظروا إلى دول أخرى أرقى ليكونوا مثلها، وتارة بالاتهام في الدين نفسه، وأنه لا يجوز أن يحكم أو يوجه الحياة (النظرة العلمانية)، وتارة بالتشكيك في الجماعات والأحزاب الإسلامية، وأن وراءها غايات وطموحات خاصة تلغي استقرار البلاد واستجلاب الأعداء، وغير هذا من أقوال.
إنها سنة الله في الرخاء أنه مصاحب لتطبيق العدالة، وهي في أرقى صورها حين يطبَّق شرع الله، وقد كان هذا؛ فقد فاض المال زمن عمر بن عبدالعزيز ولم يجدوا من يأخذه، ومن حينها أُنفِقَ في مجالات كانت سببًا فيما بعد لأوقاف ترعى مصالح الناس والحيوان والبيئة بطريقة يندر وجودها عبر التاريخ، وصدق الله القائل: "ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" (الأعراف، الآية 96). وإن تحقيق العدالة في أبسط صورها مجلبة للرخاء ولو لم يكن القوم مؤمنين، كما عند كثير من الشعوب الآن.
المعوِّقون كثر، وقد لا يشعرون أنهم يعيقون، بل ربما تزين لهم عقولهم أنهم ناصحون حكماء. ولن تكون الحكمة من الإنسان الجالس غير المحاول أو المغامر المجرِّب؛ شتان بين جالس ليس له إلا أن يلحظ أخطاء الناس، وآخر يجتهد ويسير، متوَقَّعٌ منه التعثر بل السقوط. وقد ذكر الله في كتابه حال المنافقين المبدين حكمتهم واحتياطهم، والمؤمنين المتوكلين عليه سبحانه: "إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (التوبة، الآيتان 50 و51).
 دعوة للمثبطين المعوّقين أن اصمتوا على الأقل إن لم تكونوا مع عمل الخير، وليسلم الناس من ألسنتكم وشروركم. والأصل في الحاكم نفسه أن لا يسمع للمثبطين الغاشين للراعي والرعية، فالصديق من صدَقَ لا من صدّق، الأول ناصح أمين، والثاني مجامِلٌ غاشٌ، وفي النهاية سيجيء الحق ويزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا.
*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

التعليق