الخوف من رجال الأسد

تم نشره في السبت 28 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

هآرتس

 

بيترا رمزوار 27/4/2012

 

في ساعات النهار يسود الصمت في الحي القديم من درعا. الشوارع مهجورة. الدكاكين مغلقة. في ساحات المدينة تنتشر اطارات السيارات المشتعلة، الحجارة، حطام الزجاج وطوب الاسمنت – بقايا المعارك التي عربدت في المساء الماضي. جنود مسلحون يملأون شبكة مكتظة من الحواجز على الطرقات. وهم يتمترسون خلف أكياس الرمال قرب الدبابات ويوجهون سلاحهم نحو المواطنين القلائل الذين يتجرأون على التجول في الشوارع.
في المسجد العمري الذي كان في حينه بؤرة الانتفاضة واستخدم بعد ذلك كمستشفى ميداني، يتمترس الآن جيش الرئيس الاسد. في المسجد وفي كل أرجاء المدينة. "انصرفوا بسرعة، يوجد قناصة في كل زاوية"، يهتف نحونا رجل يعمل وحده في المقبرة في المدينة. فهو يحفر عميقا في الارض، وذلك لان جنازتين أخريين ستصلان اليوم. وفي محيطه صفوف طويلة من القبور حديثة العهد مغطاة بالتراب الاحمر، كالجروح المفتوحة في اللحم البشري. فالعشب لم يتمكن بعد من أن ينمو على القبور.
الموت، الاعتقال، الدمار: يبدو ان درعا، مدينة المائة ألف نسمة التي تقع على بعد كيلومترات معدودة من الحدود الأردنية، تخرب في الحرب الاهلية. هنا اندلعت الانتفاضة ضد الرئيس الاسد في منتصف آذار 2011. المظاهرات تحول الى معارك شوارع ورد الحكم باعمال القمع العنيف. والنهاية لا تبدو في الافق، مثلما في ساحات اخرى من الكفاح المدني السوري – في مدن حمص، إدلب وحماة.
وتبلغ المعارضة السورية عن 11 ألف قتيل منذ بدأت الاضطرابات. 1.385 شخصا قتلوا هنا، في درعا، والقتل مستمر. القناصة يطلقون النار على المتظاهرين في الليالي، السلاح الثقيل يضربهم في النهار، بعضهم يذوي تحت التعذيب في السجون. لا ذكر لتطبيق خطة المراحل الست لمبعوث الامم المتحدة كوفي انان والتي زعم ان النظام السوري تبناها.
فقط في هوامش المدينة يمكن ان نرى سكانا يديرون نوعا من الحياة العادية. يوجد بعض الدكاكين المفتوحة التي يمكن ان يشترى منها بضائع اساسية قليلة. اما المؤسسات العامة كالمدارس، فلا تعمل.
مرتان فقط حظيت درعا بزيارة من بعثة مراقبي الامم المتحدة، "وعندما وصلوا كان يرافقهم 600 شرطي. هذه مزحة، لم يتغير شيء هنا. العالم لا يهمه، العكس هو الصحيح. هذه الخطة تمنح الاسد مهلة اخرى وفوق كل شيء مكان آخر للمناورة يسمح له بقتلنا جميعا"، تقول عائشة الحريري، ابنة الاربعين. وهي تجلس في غرفة الانتظار في المستشفى البلدي، وابنتها الصغيرة تنام في حضنها. "عندها حرارة عالية. أحاول أن اجد طبيبا يساعدني، ولكني أجلس هنا عبثا. الناس مثلي، ممن يتجرأون على التظاهر ضد النظام، لن ينالوا هنا العناية. ولا حتى الاطفال. أنا قلقة جدا عليهم – لا مدارس، لا أدوية، لا طعام كافيا. نحن نربي أطفالنا على اليأس والخوف".
المستشفى تحت الحصار. الجنود، الشرطة والاسلحة تملأ المركز الطبي، في ظل الخرق الفظ لاتفاق وقف النار. ولكن من يهمه؟. صمت أليم يسود فجأة في الوقت الذي يصل فيه رئيس قوات الأمن المحلية، محمد أسعد، الى المكان. عائشة، والى جانبها نساء أخريات ينتظرن بيأس العناية الطبية، يوجهان نحوه نظرات مريرة، ويهمسن: "هو مجرم، مثل الجميع، مثل بشار، كلهم مجرمون".
أسعد يلبس بزة فاخرة. وقد سار نحو غرف الموتى في المستشفى، وهناك سيعرض على الصحفيين الجثمان المنكل به لغالب غساس، شرطي ابن 45. ويروي أسعد، "انه اصيب بالنار في بيته هذه الليلة، امام ناظر زوجته. 15 مسلحا هاجموا بيته".
"امور كهذه تحصل كل الوقت"، يضيف أسعد ويقدم رواية خاصة به للمعركة المتواصلة في درعا: "نحن نقاتل ضد العصابات المسلحة، وضد الذين يستغلون الانتفاضة والمظاهرات لاغراضهم. هذه الجماعات تهرب الى سورية من دول اخرى. هم  لا يريدون الحرية، هم مجرمون".
ولكن القليل من سكان درعا سيؤيدون روايته. مالك، عامل بناء في الثلاثين من عمره يتوجه الى الحاضرين في الغرفة فيقول: "صوتوا رجاء. من يتلقى المال من الخارج؟ من اسلامي؟ من يصلي على الاطلاق؟ لمن يوجد سلاح؟ من يخدم في الجيش السوري؟".
في الغرفة يعقد لقاء سري للنشطاء، لتنظيم المظاهرة المخطط لها هذا المساء. بعضهم يصوتون عندما يسأل مالك عن الصلاة. أحد منهم لا يعرف نفسه كاسلامي، ولا واحد سمع عن الجيش السوري الحر. لا احد مهم يحصل على الاموال. "نحن عالقون بين القوات التي تتصارع على الحكم في الدولة"، يقول مالك، "ما هذه الاقوال عن النقل الهادئ للحكم؟ من يسألنا على الاطلاق. لن نوافق ابدا على قبول الاسد كرئيس. المعارضة نشطة في الخارج. الجيش السوري الحر يختبئ أينما كان ويظهر فقط ويهاجم بين الحين والآخر. الاسرة الدولية خانتنا. عندما بدأنا اعمال الاحتجاج، رأينا صورا من بنغازي، رأينا كيف دعم الناتو الانتفاضة الليبية. فكرنا بيننا وبين أنفسنا، بان من يكافح في سبيل حقوقه وحريته سيحظى بالحماية. ولكن هذه كانت كذبة. نحن وحدنا تماما. يتركوننا في طريق لا مخرج له".
هذه هي المرة الأولى التي توفرت فيها لهؤلاء الاشخاص الامكانية للحديث بحرية مع صحفي أجنبي، وقد قفزوا فورا على الفرصة، رغم الخطر الشديد الذي تنطوي عليه. هذا الحديث كفيل بان يجب لهم حكما بالموت أو على الاقل بالاعتقال. "عندما وصل مراقبو الجامعة العربية الى درعا في الشتاء الماضي، كل من تحدث معهم اعتقل. حتى اليوم لا يعرف احد ماذا حصل لمصيرهم. اليوم نحن نخشى بان يحصل ذات الشيء لمن يتحدث مع مراقبي الامم المتحدة. هذا يمكن ايضا ان يحصل لي، لاني تحدثت معك".

التعليق