العنوسة مفهوم ظالم

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

محمود أبو فروة الرجبي*

هل من الحقيقي أن الفتاة في عالمنا الإسلامي ظلمت في قضية تأخر الزواج من الناس، والمجتمع، بل واللغة نفسها؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه هنا، مع الإشارة إلى دور الخطاب الإسلامي في ترسيخ هذا الظلم، أو محاربته.
ربما كان في تأخر سن الزواج بالنسبة للرجل والمرأة مشكلة حقيقية، وأضرارا كبيرة على الأفراد والمجتمع. ومع تطور المجتمعات، وزيادة الإقبال على التعليم، أصبح هذا الأمر حتمياً، خاصة مع تطورات الحياة، وسيادة النظام الرأسمالي في غالبية الدول، وزيادة الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
الضحية الأولى لتأخر الزواج في عالمنا الإسلامي هي الفتاة، والسبب أن النظام الاجتماعي -في غالبية الدول الإسلامية- يحرم على المرأة طلب يد الرجل، أو المبادرة إلى تأسيس مشروع الزواج. ورغم أن الإسلام يحلل ذلك، إلا أن الواقع يقف في وجهه بعنف، بل ويعاكسه تماماً.
الظلم الواقع على المرأة في مجتمعاتنا يصل إلى اللغة؛ فالرجل الذي لا يتزوج لا ينال نصيبه من الألفاظ اللغوية التي قد تكون مسيئة، أو مشحونة بمعان سلبية. ولكن المجتمع يطلق لفظة "العانس" على الفتاة التي تتأخر في الزواج. ولا ينطبق الأمر على الرجل، فالأمر دائماً بيده، فهو إن قرر الزواج وكان يمتلك المال الكافي فإنه يستطيع خلال أيام قليلة أن يكون في القفص الذهبي، ولكن هذا غير متاح للفتاة إلا في حالات نادرة شاذة.
لن نقول هنا إن الخطاب الإسلامي مسؤول بالكامل عن هذا الأمر، ولكننا نؤكد أنه يستطيع أن يقود المجتمع إلى حل هذه المشكلة، أو التقليل منها، ولكن ما هو مطلوب من هذا الخطاب؟
في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن مجتمع المتدينين بشكل عام يميل إلى الزواج من الفتيات الصغيرات. والخطاب الإسلامي الفردي يشجع على ذلك. وإذا سألت عن هذا الأمر يتم الإشارة إلى الحديث النبوي الذي جاء في عدة ألفاظ، ومنها حديث أنس، رضي الله عنه: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة" (أخرجه ابن حبان). وفهم هذا الحديث أدى إلى تفضيل المجتمع للزواج من صغيرات السن. لكن يمكن القول إن كثيرين يستندون إليه في دعوة الشباب إلى الزواج من مثل تلك الفتيات، والوقوف في وجه من يفكر بالزواج من أكبر منه مثلاً، أو من فتاة تقاربه في السن، وهذا فيه ظلم كبير للفتاة أيضاً، فهي في النهاية ليست سلعة تقاس بالعمر، والشكل، وغيرها من الأمور، مع اعترافنا الشديد أن مجتمعنا -المتدين وغير المتدين- يسلع المرأة بطريقة بشعة في أحوال كثيرة.  
قبل الدخول في تفسير هذا الحديث، لا بد من الإشارة إلى أن المعنى الوارد فيه لا يعني إجبار المسلم على القيام به، فهو أمر مباح، يمكن عمله أو تركه، لكن العقل الجمعي المسلم لا يفرق بين المباح، والواجب، والسنة، وخاصة فيما يتعلق بالزواج، والأمور التي تشكل امتيازات للرجل. وفي الوقت نفسه، ومن خلال النظر إلى هذا الحديث، فإنه تجب الإشارة إلى أن له ظروفا لها علاقة بحال المسلمين الأوائل حينما كانوا مستضعفين، والأمر الآن تغير، فنحن -أي الأمة الإسلامية- وصلنا إلى مليار وخمسمائة مليون إنسان حسب أحد الإحصاءات، وإذا نظرنا إلى واقعنا ثم عدنا إلى الحديث، فهل حالنا يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم، يباهي بنا الأمم؟
وشيء آخر، ألا تلاحظون معي أن فعالية الدول الإسلامية ضعيفة، وهناك دول لا تتجاوز الملايين العشرة تمتلك من النفوذ والقوة ما لا يمتلكه المسلمون كلهم؟ بمعنى أننا لسنا بحاجة إلى زيادة المخزون البشري من الناس؛ على العكس من ذلك، فإن معظم الدول الإسلامية تعاني من انفجار سكاني لا يقابله نمو اقتصادي مكافئ، وهذا بحد ذاته يدفع إلى تعديل طريقة التعامل مع الموضوع بما يتلاءم مع الظرف الحالي. 
مشكلة بعض المسلمين أنهم يتعاملون مع النصوص على أساس انها كتلة صلبة جامدة، بعيداً عن الواقع ومعطياته، مع أننا إذا عدنا إلى الفقه الإسلامي، وما قام به كبار العلماء على مر العصور، بل وما فعله بعض الخلفاء من تعطيل لبعض الأحكام التي لا تقبل اجتهادا، في ظروف معينة، أو طريقة التعامل مع بعض النصوص في أوضاع خاصة، يتضح لنا أن الأمر مختلف. ويجب ألا يقف مفهوم هذا الحديث في التعامل مع موضوع الزواج من الفتيات مهما كانت أعمارهن.  ثم إذا أردنا ان نكون منصفين، لماذا يتم التعامل بحماس شديد مع بعض النصوص الدينية، وشبه إهمال لأخرى؟! فهل نحن -الرجال- نتحمس لحديث مثل هذا ولا نتحمس لأحاديث أخرى لها علاقة بالزكاة، والتبرع، والتطوع، أم أن الموضوع له علاقة بما تهواه أنفسنا وتشتهيه أبداننا؟
ونعود مرة أخرى إلى السؤال: هل وقف الخطاب الإسلامي في وجه الإساءة للمرأة من خلال وصفها بالعانس؟
في الواقع، إن الخطاب الإسلامي لا يقف في وجه هذا الأمر، بل يشجع في كثير من جوانبه على التعامل مع المرأة على أنها أنثى وليس إنساناً؛ بمعنى أن وظيفتها في الحياة تنحصر في عملها كربة بيت أو زوجة. ورغم أن هناك خطابا إسلامياً جديداً بدأ يكبر وينتشر بين الناس، وهو لا يقف في وجه أن تأخذ المرأة دورها في المجتمع كإنسان يعمل، وينتج، ويطور؛ ولكن هذا الخطاب محصور في فئة ضيقة، وللآن لم يصل إلى الفئات الشعبية، وطبقات المجتمع الفقيرة بشكل كافٍ، وهو يواجه مقاومة شديدة من أصحاب الفكر القديم، وخاصة المذاهب والمدارس الإسلامية التقليدية التي تحاول استنساخ الماضي دون تبديل أو تعديل. 
ومن خلال تتبع الخطاب الفردي، وما يقوم به بعض خطباء وأئمة المساجد من حديث، فإنهم يحثون الشباب على الزواج من صغيرات السن، ويقدمون حلا غير واقعي لتأخر سن الزواج لدى الفتيات، وهو تكرار الزواج (التعدد). ويبدو أنهم لم يدركوا إلى الآن أنهم يعالجون مشكلة بمشكلة أكبر؛ فمن خلال تتبع ما يحصل لدى العائلات المتعددة الزوجات في الأردن، يمكن أن نلحظ ان الغالبية العظمى منها تعاني من مشكلات عائلية خطيرة ربما تصل إلى حد القطيعة بين الأخوة لمجرد ان أمهاتهم مختلفات، إضافة إلى البعد الاقتصادي المتعب، والإشكاليات التي ترافقه.
ومع كل ذلك، فإنه يمكننا تقديم بعض الاقتراحات لصناع الخطاب الإسلامي لتطوير التعامل مع هذه المسألة: 
أولاً: التأكيد على أن من حق الفتاة المبادرة إلى تكوين أسرة، وأن لها حق خطبة الشاب، وفي الوقت نفسه محاربة القيم الاجتماعية السلبية التي تحقر المرأة، وتجعلها سلعة، وتتعامل معها بمفهوم الجسم، والشكل، والأنثوية، بعيداً عن كونها إنساناً منتجاً. 
ثانياً: ضرورة تقبل تأخر سن الزواج، لأنه أصبح أمراً واقعاً، مع البحث عن وسائل لتغيير طريقة تعامل المجتمع مع حفلات الزواج وتكاليفه ليصبح أبسط، وأكثر سهولة، بحيث يتمكن الشباب والفتيات من الزواج بتكاليف بسيطة، والسكن في بداية حياتهم في شقق صغيرة مثلاً، حتى لو كانت غرفة واحدة، بعيداً عن المباهاة، والعيش في دوامة "ماذا سيقول الناس عني؟".
ثالثاً: محاربة مفاهيم الذكورية في العقل الجمعي المسلم، والانتقال من مرحلة ثنائية "الذكر-الأنثى" إلى مفهوم الإنسان. وكي نوضح أكثر، فإننا حينما ننظر إلى الناس من خلال أعمالهم وإنجازاتهم، فإن احترامنا لهم يكون أكثر نضجاً، أما إذا قسنا المرأة، على سبيل المثال، بشكلها وسنها، فإن هذا سيظلمها، ويظلمنا، ويجعلنا نعيش في دوامة تخلف لا تنتهي.
رابعاً: على عكس ما يروج له بعض صناع الخطاب الإسلامي من ضرورة عودة المرأة إلى البيت من أجل توفير فرص عمل للرجال، فإننا ندعو إلى أن يتوسع عمل المرأة، وأن تشارك في الحياة الاقتصادية بشكل أكبر، وهذا يساهم في تسهيل الزواج من خلال مشاركة الشاب والفتاة في تكاليفه، الأمر الذي لا يخالف الشرع أبداً. ومشكلة البطالة لا تحل بعودة المرأة إلى البيت، بل بإحداث تنمية حقيقية، وزيادة الإنتاج؛ فالواقع والإحصاءات لا تقول لنا أن المجتمع الذي لا تشارك المرأة فيه بالعمل أقل بطالة من غيره، بل على العكس من ذلك؛ فالدول المتطورة التي تزيد نسبة مشاركة النساء في العمل تقل فيها البطالة، والعكس صحيح.
المرأة إنسان مثلها مثل الرجل، والنظرة إليها بدونية لمجرد أنها لم تتزوج فيها ظلم كبير. وكثير من تعاملاتنا معها نابعة من أنانية ذكورية، وفهم ذكوري لقوانين المجتمع ولأحكام الدين، ولن يتطور المجتمع ما دام يتعامل مع المرأة على أنها سلعة.
* كاتب أردني

التعليق