إسرائيل، فلسطين ومجلس حقوق الإنسان

تم نشره في الأحد 22 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً
  • معتقل فلسطيني يرسم شارة النصر من نافذة سيارة اعتقال إسرائيلية - (أرشيفية)

روبرت فانتينا – (ذا بالستاين كرونيكل) 14/4/2012

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مع الدعم الحاضر دائماً من طرف الولايات المتحدة المنافقة، ألقت إسرائيل مرة أخرى بنوبة غضب جديدة على خشبة المسرح العالمي.
وكانت خطوة الأمم المتحدة الأخيرة التي أثارت غضب إسرائيل الضالعة في سياسات الفصل العنصري، هي قرار المنظمة إجراء تحقيق حول وضع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في فلسطين المحتلة هي نفسها بصورة غير مشروعة، من أجل تحديد ما إذا كانت هذه المستوطنات تشكل اعتداء على الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني. وفي ردها على ذلك، قطعت إسرائيل علاقاتها مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهو ما يمنع فعلياً "أي فريق لتقصي الحقائق يرسله المجلس من دخول إسرائيل والضفة الغربية للتحقيق في بناء المستوطنات"، بحسب وكالة أنباء هآرتس.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية إيغال بالمور: "هذا يعني أننا لن نعمل معهم. إننا لن نسمح لهم بممارسة أي نشاط من نوع إرسال بعثة لمجلس حقوق الإنسان، بما في ذلك إجراء هذا التحقيق".
وعلى الفور، اصطفت الولايات المتحدة مباشرة مع هذا الخط، وقفزت إلى العلو الذي طالبت به إسرائيل. وقال السفير الأميركي في إسرائيل، دان شابيرو، خلال لقاء مع طلاب في جامعة تل أبيب، أن مجلس حقوق الإنسان "يركز بطريقة مثيرة للقلق" على إسرائيل، بينما يقوم بإهمال قضايا حقوق الإنسان الأخرى الأكثر أهمية وإلحاحاً بكثير. وأضاف أن الولايات المتحدة، ما تزال تشكل جزءاً من مجلس حقوق الإنسان، وهي تحاول أن تحول تركيزه بعيداً عن إسرائيل وباتجاه إيران وسورية.
ويتساءل المرء: لماذا يحدث هذا. إذا كان هناك اشتباه بأن حقوق الإنسان تتعرض للانتهاك في أي مكان من العالم، أفَلا ينبغي للأمم المتحدة التحقيق؟ ويتساءل المرء أيضاً: ما هو الشيء الذي لدى إسرائيل لتخشاه؟ إذا كان هذا البلد لا يقوم بانتهاك حقوق الفلسطينيين الإنسانية؛ إذا كان لا يقوم بسرقة أراضيهم وهدم منازلهم وتجريف بساتينهم؛ إذا كان لا يقوم بإنشاء وتشغيل نقاط التفتيش التي تحوّل ما ينبغي أن يكون مسيرة قصيرة من البيت إلى المدرسة أو العمل إلى ساعات من المحنة المستمرة؛ إذا كان لا يعمد إلى إطلاق النار على المزارعين الذين يعملون في حقولهم، فلماذا لا يسمح إذن لمجلس حقوق الإنسان بالتحقيق؟ إذا كانت إسرائيل لا تقوم بمنع سيارات الإسعاف القادمة من فلسطين من عبور الحواجز، مما يؤدي إلى ولادة الأطفال عند نقاط التفتيش من دون أي عناية طبية؛ إذا كانت لا تقوم بمنع المصابين بالأمراض الخطيرة والجرحى من الحصول على العلاج الطبي، فلماذا لا تسمح للأمم المتحدة بأن ترى ذلك؟ وإذا كانت إسرائيل لم تقم ببناء الطرق المخصصة لاستخدام الإسرائيليين فقط في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ إذا كانت لا تمنع الفلسطينيين من استخدام الطرق الفرعية التي يُجبرون على استخدامها في حال تقاطعت مع الطرق الجديدة المخصصة للإسرائيليين؛ وإذا كانت سيطرتها الكاملة على الحدود الفلسطينية لا تتسبب في "انعدام الأمن الغذائي" بالنسبة للملايين من الفلسطينيين، فلماذا يعارض الإسرائيليون إجراء التحقيق؟
ولكن، وإذا كانت إسرائيل تقوم في الواقع بممارسة وتكريس هذه المسلكيات وغيرها من الفظائع على أساس يومي ضد الشعب الفلسطيني، فلماذا لا تقوم الولايات المتحدة بدعم إجراء التحقيق؟ لماذا يجب أن تكون انتهاكات حقوق الإنسان في سورية وإيران محور التركيز في تحقيقات مجلس حقوق الإنسان، عندما ترتكب إسرائيل انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان بدورها؟
ليس السبب في ذلك موضعاً للكثير من الغموض في حقيقة الأمر. إن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، المعروفة باسم (آيباك) تقوم بتحويل مبالغ كبيرة من المال إلى ساسة الولايات المتحدة. وهؤلاء الساسة ليسوا معروفين بعضّ اليد التي تطعمهم بكل ذلك السخاء. وفي الفترة بين العامين 1978 و2009، تبرعت (آيباك) بمبلغ يقارب 50.000.000.00 دولار للساسة في الولايات المتحدة. وكما هو الحال مع كثير مما يحدث في الولايات المتحدة، فإن الغايات يمكن أن تعني كل شيء، حتى التمكين من ارتكاب الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان ضد سكان ضعفاء قليلي الحيلة. ولو كانت لدى إيران أو سورية أو فلسطين جماعة ضغط قوية وثرية، لكان هناك احتمال بأن لا تقف الولايات المتحدة وحدها في التصويت ضد تحقيقات الأمم المتحدة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وهو، بطبيعة الحال، شارع ماليّ في اتجاهين. ففي مقابل استثمارات (آيباك) الضخمة، فإن الولايات المتحدة لا تقوم فقط بمنع الأمم المتحدة من إلقاء اللوم على إسرائيل أو التحقيق في انتهاكاتها. وفي السنة المالية 2011، منحت الولايات المتحدة إسرائيل مبلغاً مذهلاً بلغ 2.990.000.000.00 دولار في شكل مساعدات عسكرية. ولا شك في أن ذلك يشكل عائداً جيداً جداً بالنسبة للاستثمارات الإسرائيلية.
ويتضح نفاق الولايات المتحدة وضوح الشمس في مواقف وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. ففي شهر آذار (مارس)، عندما قصفت إسرائيل قطاع غزة رداً على بعض الصواريخ غير الفعالة التي تطلق على إسرائيل، تحدثت السيدة كلينتون في الأمم المتحدة. وقالت في معرض التعبير عن دعمها للشعب السوري الذي يكافح من أجل تحرير نفسه من ظلم حكوماته: "الآن، تعتقد الولايات المتحدة اعتقاداً راسخاً بحقوق السيادة والسلامة الإقليمية لجميع الدول الأعضاء، لكننا لا نعتقد بأن مبدأ السيادة يتطلب من هذا المجلس أن يقف صامتاً عندما ترتكب الحكومات المجازر ضد شعوبها، وتهدد السلام والأمن الاقليميين في الأثناء. إننا نرفض إقامة أي مساواة بين جرائم القتل مع سبق الإصرار، والتي تقوم بارتكابها آلة الحكومة العسكرية، وبين تلك الإجراءات التي يتخذها المدنيون تحت الحصار، المدفوعون بحافز الدفاع عن النفس".
ومع ذلك، فإن تلك المشاعر النبيلة لا تنطبق عندما تنخرط "آلة الحكومة العسكرية" في إسرائيل في "عمليات القتل مع سبق الإصرار"، وعندما يكون "المدنيون تحت الحصار" مدفوعين بحافز "الدفاع عن النفس". وعلقت كلينتون أيضاً على قصف إسرائيل لغزة، فقالت: "واسمحوا لي أيضاً بأن أدين بأشد العبارات إطلاق الصواريخ من غزة على جنوب إسرائيل، الذي استمر خلال عطلة نهاية الأسبوع. إننا ندعو أولئك المسؤولين عنها إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف هذه الهجمات. ونحن ندعو كلا الجانبين -جميع الأطراف- إلى بذل كل جهد ممكن من أجل استعادة الهدوء".
وهنا، يمكن أن تسائل الأمر وبشكل منطقي: ماذا عن "السيادة ووحدة الأراضي" الخاصة بفلسطين؟ صحيح أنها ليست "دولة عضواً" في الأمم المتحدة، ولكن، هل يجعل ذلك سكانها أدنى مرتبة بطريقة أو بأخرى؟ إن الأمر كذلك على ما يبدو، في نظر الولايات المتحدة.
على الرغم من إسرائيل تقوم باستمرار بتضييق الخناق حول عنق فلسطين، فإن العالم لا يبدو وأنه يلاحظ. وعلى الرغم من أن فلسطين تحظى باعتراف ما لا يقل عن 112 بلدا، وهو ما يمثل حوالي 80 ٪ من سكان العالم، فإن هذه البلدان تملك حوالي 25 ٪ فقط من الموارد المالية في العالم. وهكذا، ومرة أخرى، يتفوق المال على العدالة في كل مرة.
في العام الماضي، تم قبول فلسطين كعضو في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، وهو ما أثار الكثير من الاستياء لدى الولايات المتحدة وإسرائيل. والآن، واعتبارا من 9 نيسان (أبريل)، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه قد يعمد إلى تجديد جهوده الرامية للحصول على عضوية الأمم المتحدة في حال أصرت إسرائيل على رفض الشروط الفلسطينية لاستمرار المفاوضات. أما السبب في أنه "قد" يقوم بتجديد الجهود من هذا القبيل، ولماذا كانت هناك اختلالات في تلك الجهود أصلاً، فهو موضوع لمقال آخر. وبغض النظر، فإنه من المستبعد جداً أن تقبل إسرائيل بهذه الشروط. لماذا يجب أن تهتم إسرائيل بالتفاوض بجدية، عندما يمكن لها أن تأخذ من الفلسطينيين ما تشاء وبكل ببساطة؟
يجب أن يكون هناك أي تأخير في جهود السيد عباس لنيل الاعتراف الكامل بفلسطين من الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن لإسرائيل سيطرة على فلسطين، فإن مثل هذا الاعتراف هو المفتاح لتحقيق العدالة للفلسطينيين. وسيكون من شأن هذا، جنباً إلى جنب مع تركيز العالم المستمر والمتزايد باطراد على إسرائيل الضالعة عميقاً في الفصل العنصري، أن يجلب العدالة للفلسطينيين في نهاية المطاف.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel, Palestine and the Human Rights Council

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق