شمولية القرآن عامل رئيس لحيوية الأمة

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

إن أوضح دليل على شمولية القرآن أننا نجد تنوع الأحكام في كل سورة منه، بل أحيانًا في الصفحة نفسها، فمن حديث عن الإيمان بالله إلى آخر عن الصلاة، ومن حديث عن الزكاة إلى آخر عن الزواج، أو الرضاع أو الجهاد أو الحكْم أو الشورى أو الطهارة، وهكذا، فالآيات نفسها في تنوع موضوعاتها هي أوضح دليل على شمولية هذا القرآن، وهو الرد الكافي على من يريد حصر القرآن والدين عمومًا في دائرة العلاقة الضيقة بين العبد وخالقه، من دون أن يكون له تأثيره في الحياة، كما تقول الفكرة العلمانية، التي هي فصل الدين عن الحياة، فهي اللادينية التي تعزل الدين عن التأثير في جوانب الحياة المختلفة، وليست اللادينية التي هي بمعنى الإلحاد، فللإلحاد فلسفته المناقضة للفطرة ابتداء، وخير دليل على فشلها هو انهيار الأنظمة الإلحادية ورجوع أتباعها إلى فكرة الدين، بغض النظر عن صحة هذا الدين أو ذاك.
إن ثوابت القرآن في ضرورة عبادة الله وحده واضحة لا مجال للنقاش فيها، وإن تحكيم الشرع مسألة لا خلاف عليها أيضًا، فإذا كان الله يخاطب نبيه بأشد العبارات في هذا الأمر، فإنها رسالة واضحة لكل من يريد الالتفاف على الشرع فيؤخّره أو يحجّمه، يقول سبحانه: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"، (المائدة/49)، ويقول: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون"، (الجاثية/18)، ويقول: "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم"، (الزخرف/43)، ويقول: "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم"، الشورى/15).
معلوم أن سبب ظهور العلمانية الرئيس هو ذلك النزاع المقيت بين الكنيسة التي لبست ثوبًا أكبر من حجمها بكثير وادعت ما ليس لها وحاربت العلم والعلماء والحياة، فأدى هذا إلى الفصام النكد بين العلم والدين وتعظيم العقل ومحاربة الوحي، ونتجت عنه الثورة الفرنسية التي حررت الإنسان الأوروبي من القيم الدينية، ثم مع ازدهار أوروبا المادي والثورة الصناعية وما تبعها من تقدم هائل في العلوم، فإن هذا كله أدى إلى ترسيخ مبدأ العلمانية بأن التقدم منوط بالتحرر من الدين، فعاد الدين مجرد شعائر يقضيها العبد فيما بينه وبين الله، لا تأثير له في الحياة في كل أبعادها، وأصبحت الحياة في غالبها مادية، والذي يهمنا هنا هو الإجابة على الأسئلة الآتية:
- هل ما انطبق على أوروبا ينطبق علينا نحن المسلمين بالضرورة؟
- هل الإسلام ضد العلم والعلماء؟
- هل كان تاريخ المسلمين رجعيًا مع تطبيقهم للإسلام أم أنه التقدم والحرية والإبداع؟
إنها أسئلة واضحة إجاباتها، بل يعرفها العدو قبل الصديق، ولكن مشكلة العلمانية أن وراءها قوىً لا تريد للدين أن يكون له تأثير في الحياة، وخاصة الدين الإسلامي الباعث على النهضة والذي يملك مقومات التغيير، الأمر الذي يكرهه أعداء الإنسانية من أن تنعم بالعيش الرغيد في ظل منهج الله. ومن هنا فقد حاولوا تشويه صورة الإسلام في تاريخه على وجه التحديد، حين صوروا الإسلام دينًا لا يجتمع فيه الحكم والاستقرار، فصوروا الجانب الدموي من الصراع على السلطة في بعض الأزمان على أنه الأمر المستقر في تاريخ المسلمين كله، وربطوا بين الفتن وبين الحكم الإسلامي، بل ربطوا بين الظلم بأصنافه كافة وبين الحكْم، ومن هنا فالحل الوحيد هو بعزل الدين عن الحياة، وتفريغ الحياة من القيم الروحية والدينية.
ومما طرحه العلمانيون على بساط البحث من أجل محاربة الإسلام موضوع الحرية وموضوع المرأة وبعض المسائل المتعلقة بها مثل تحريرها وميراثها والزواج بأكثر من امرأة، وجعلوا هذه مسائل لا تقبل المنطق السائد في العصر الحاضر، بل لقد تجرأ بعضهم للقول بأن الإسلام ما عاد صالحًا هذه الأيام، فهو لا يواكب متطلبات العصر وواقعه.
ولا نريد أن نقف عند كل شبهات القوم، ولكننا نؤكد على مراعاة أمرين اثنين هما:
1. الثقة التامة بصحة ما في ديننا، وأنه حق منزّل من عند مَن خلق الإنسان ويعلم ما يصلح له، ولو بدا في ظاهره شديدًا، فالله يقول: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، (البقرة/216)، ويكفينا شهادة على كمال هذا الدين ما ذكره ربنا عز وجل: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، (المائدة/3)، فهو الدين الكامل الذي أتم به الله علينا نعمه ورضيه لنا، فهل نبحث عن بديل له وقد ذكر الله فيه ما ذكر!؟
2. البحث عن مواطن الشبهات وأدلتها والرد عليها بالأسلوب العلمي النزيه، ومقارنة ذلك بما هو موجود عند الآخرين مما ظنوه خيرًا، وهو في واقع الأمر يعكس التشتت والضياع، فلئن كان للعلمانية وجه حسن فهناك وجوه سيئة لم تلب رغبات الإنسان الحقيقية، بل أخرجته من مستنقع لآخر.
ولا بد من أن نعرف كذلك أن كثيرًا من الشبهات التي أثيرت على الإسلام قد أسهم المسلمون أنفسهم في إلصاقها به، حين خلطوا بين العادات والدين، أو حين جمدوا عند نصوص ظنية قابلة للتنوع في الفهم، أو تعصبوا لفكرة هي أقرب للخطأ منها للصواب، وهكذا، فنكون قد أضررنا بالدين من حيث لا ندري، وأسأنا إليه من حيث نظن أننا نحسن إليه.
ونتيجة لذلك لا نريد للمسلم أن يصاب بالعنف الفكري، أو اليأس، ولا أن يعتقد أن العلم والتقدم هما من اختصاص أولئك فقط، وفي الوقت نفسه لا بد من بيان خطر أن يشرّع الناس بعضهم لبعض في الأمور الدينية، فإن التشريع منوط بالخالق وحده سبحانه، ولما سمع عديُّ بن حاتم رسولَ الله يتلو قوله تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم"، (التوبة/31)، عندها قال له عدي: يا رسول الله: ما اتخذوهم أربابًا، فأجابه النبي الكريم: "ألم يحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم؟ فقال عدي: بلى، فقال النبي: فذلك عبادتهم إياهم".


* عميد كلية الدراسات العليا بالجامعة الأردنية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بارك الله في اخونا الكاتب (محمد)

    الاثنين 23 نيسان / أبريل 2012.
    تأكيدا لما كتبه اخونا محمد المجالي انه في عناصر من العلمانيين الان عايشين بينا باسم رجال اعمال عندهم قناعات شخصية بمفهوم العلمانيه الي بيحاولو يطوروها باساليب مشفوفة من العالم الغربي الي بحتكو في على الدوام .... وانا ممن عاصر هؤلاء الاشخاص الي ربما يكونو طيبين الا انهم متجهين نحو الهاوية دون ان يعلمو والخوف منهم عندما يتعلق بهم زمرة من طلائع الشباب المستجد ... بارك الله في كاتبنا وجزاه الله عنا خيرا على مقالته والله ولي التوفيق