حرية الصحافة في أفريقيا

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

محمد كيتا* - (نيويورك تايمز) 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في الوقت الذي تسجل فيه اقتصادات أفريقيا نمواً ملحوظاً، ثمة هجوم غادر يشن فيها على حرية الصحافة. والآن، يتعرض الصحفيون الأفارقة المستقلون الذين يغطون أخبار التنمية في القارة للاضطهاد في كثير من الأحيان، بسبب التقارير المهمة التي يقومون بإعدادها حول إساءة استخدام الأموال العامة، والفساد، وأنشطة المستثمرين الأجانب.
فما الأسباب الكامنة وراء تعمق هذا الاتجاه المقلق؟ في الغرب، أدى التشاؤم السائد إزاء الديمقراطية الأفريقية بالحكومات المانحة إلى تضييق مساحات أولوياتها الإنمائية الهادفة إلى الحد من الفقر وتدعيم الاستقرار؛ وفي الطريق، جرى إسقاط مسائل الحريات الفردية -مثل حرية الصحافة- من جدول الأعمال، وهو ما سهّل على الحكام المستبدين في أفريقيا ملاحقة الصحفيين بمزيد من الشدة. وفي عقد التسعينيات من القرن الماضي، كان قادة مثل بول كاغامي في رواندا وميلس زيناوي في أثيوبيا يحظون بثناء الغرب باعتبارهم إصلاحيين سياسيين واجتماعيين. واليوم، أصبح الغرب يمجد هؤلاء الرجال فقط بسبب تحقيق النمو والحفاظ على الاستقرار، وهو ما يفعلونه إلى حد كبير باستخدام قبضة شبه مطلقة على جميع المؤسسات الوطنية والصحافة.
ثم هناك تأثير الصين التي استطاعت أن تتفوق على الغرب لتكون شريك أفريقيا التجاري الأكبر في العام 2009. ومنذ ذلك الحين فصاعداً، دأبت الصين على تعميق الروابط التقنية والإعلامية مع الحكومات الأفريقية لمواجهة هذا النوع من التغطية الصحفية النقدية الهامة، والتي يقوم الطرفان بتشويهها وتصويرها على أنها تعبير عن الكولونيالية الجديدة.
وفي سياق متصل، أصدرت بكين في كانون الثاني (يناير) ورقة بيضاء تدعو إلى توسع متسارع لوسائل الإعلام الصينية في الخارج، وإلى نشر 100.000 مؤسسة صحفية في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في المناطق ذات الأولوية مثل أفريقيا. وخلال الأشهر القليلة الماضية وحدها، أنشأت الصين أول محطة تلفزة إخبارية لها في كينيا، وأول منشوراتها المطبوعة في جنوب أفريقيا. وتقوم وكالة الأنباء الصينية المملوكة للدولة "شينخوا" بالفعل بتشغيل أكثر من 20 مكتباً تابعا لها في أفريقيا. كما تلقى أكثر من 200 صحفي حكومي أفريقي تدريباً صينياً بين عامي 2004 و2011 على كيفية إنتاج ما سماه رئيس قسم الدعاية في الحزب الشيوعي، لي تشانغ تشون، تغطية "صادقة" للتنمية التي تغذيها الأنشطة التجارية الصينية.
وتميل الصين والحكومات الأفريقية إلى الاتفاق على أن الصحافة يجب أن تركز على الإنجازات الجماعية، وأن تقوم بحشد تأييد الرأي العام للدولة، بدلاً من إعداد ونشر التقارير عن القضايا المثيرة للانقسام، أو ما يوصف بالأخبار السلبية.
ولا يتجلى هذا المنوذج بشكل أكثر وضوحاً مما هو عليه في إثيوبيا التي تبقى واحدة من أهم المتلقين للمساعدة الإنمائية الغربية، والتي تشكل الصين لها مع ذلك أكبر شريك تجاري والمصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي. والآن، تمتلئ السجون في إثيوبيا، كما هو حال نظيرتها في الصين، بالصحفيين والمعارضين، ويجري فيها حظر المواقع الإلكترونية الناقدة.
ولا شكل أن هذا أمر مثير للقلق، خاصة في إثيوبيا، وهي بلد كانت الصحافة الاستقصائية فيه قد أنقذت أرواحاً لا تحصى. وفي الثمانينيات، كان الرئيس المستبد منجستو هايلي مريم قد نفى أن هناك مجاعة تحدث في إثيوبيا، حتى في الوقت الذي كانت فيه تلك المأساة تتعمق. ولذلك، لم يتحرك العالم لمساعدة الملايين من الإثيوبيين الجوعى حتى تمكن الصحفيون الدوليون من إرخاء قبضة الدكتاتور القوية عن المعلومات.
وبعد انقضاء ما يقرب من ثلاثة عقود على ذلك، ما تزال إثيوبيا متورطة في دوامة من الأزمات الإنسانية والنزاعات. لكن الصحفيين المستقلين ممنوعون اليوم من الوصول إلى المناطق الحساسة، وتصل كلفة المخاطرة بدخولهم تلك الأماكن إلى مواجهة عقوبة السجن لمدة 20 عاماً، في حال كتبوا تقارير عن جماعات المعارضة التي تصنفها الحكومة على أنها إرهابية. وكان مراسل صحفي يعمل في إثيوبيا قد قال لي مؤخراً: "ليس من المفترض فينا أن نلتقط صوراً لأطفال يعانون من سوء التغذية بشكل واضح. كما يجري منعنا عملياً من الذهاب إلى المناطق والمرافق الصحية حيث يتواجد الأطفال المصابون بسوء التغذية الحاد، أو حيث تجري معالجتهم".
ويؤدي هذا الإسكات وكتم الصوت بدوره إلى إحباط قدرة جماعات الإغاثة على التعبئة وجمع الأموال بسرعة عندما تكون ثمة حاجة إلى المساعدة. ومع الإبقاء على منظمات المجتمع المدني والمعارضة السياسية والصحافة مقيدة بشدة، فإنها لا تكاد تكون هناك أي رقابة محلية على الطريقة التي تستخدم بها الحكومة مليارات الدولارات من المساعدات الدولية القادمة من الحكومات الغربية.
وتعرض راواندا هي الأخرى حالة مثيرة للقلق. وقد تضاعف حجم التبادل التجاري بين رواندا والصين أكثر من خمس مرات بين العامي 2005 و2009. وخلال نفس الفترة، قامت الحكومة تقريباً باجتثاث جميع منافد الصحافة الناقدة والمعارضة، كما شرعت بمراقبة وتصفية محتوى كل مواقع الإنترنت الإخبارية الرواندية، ومواقع المعارضة الموجودة في الخارج.
وهكذا، وبينما تسعى المصالح السياسية والاقتصادية القوية المرتبطة بالاستثمارات الصينية للقضاء على الصحافة المستقلة، فإن الحاجة إلى وجود صحافة أفريقية حرة أصبحت حاجة ملحة وضرورية أكثر من أي وقت مضى، بوصفها مؤسسة رئيسية لتعزيز التنمية، ووسيلة مراقبة للمستهلك، وطريقة تتيح للجمهور تأطير واختبار صحة الإحصاءات الرسمية عن معدلات البطالة والتضخم وغيرها من الاهتمامات ومواطن القلق الاجتماعية والاقتصادية. ولكن، وحتى يكون الدعم المقدم للصحافة فعالاً، فإن ذلك سوف يعني أكثر من مجرد دعم التدريب في مجال الصحافة وتعزيز القدرة على النشر. وإذا كان يراد لمثل هذه الجهود أن تحقق النجاح، فإنه ينبغي دمجها ضمن استراتيجية أوسع إطاراً من الإصلاحات السياسية والإعلامية.

*منسق القارة الأفريقية للدفاع في "لجنة حماية الصحفيين".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Africa’s Free Press Problem

التعليق