الجنود الأطفال: علامة على الحرب والفقر والامبريالية

تم نشره في السبت 31 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً
  • فتيان صوماليون على حاجز تفتيش في مقديشو -(أرشيفية)

دانيال كوفاليك*—( كاونتر بنتش)23-25 /3/2012

 ترجمة عبد الرحمن الحسيني


ما أزال أشاهد عدداً من المقالات التي كتبت مؤخراً حول مشكلة الأطفال الجنود في نزاعات مختلفة في الخارج- وعلى وجه الخصوص في إفريقيا وكولومبيا.  وما صدمني بخصوص هذه  القطع كما والخطاب السياسي حول هذه الظاهرة عموماً هي أنها تتعامل مع ظاهرة الجنود الأطفال كالمرض الذي  سيشفى بدلا من التعامل معها كما هي في الحقيقة- علامة على  امراض الحروب والفقر والإمبريالية الأكثر إماتة بكثير.  وعلى ضوء إن هذا يمثل سوء تشخيص معمق للمشكلة فإن الحلول المقدمة تكون في أفضل الأحوال غير مواتية بشكل مغث مع إنها تنطوي على مزية أنها تكون مريحة بالنسبة للغربيين الذين يضعون هذه الحلول.
 ولعل أحد المقالات النمطية هو ذلك الذي كتبته ييفات سوسكايند المدير التنفيذي  لمؤسسة Madre بعنوان " من الكونغو إلى كولومبيا: إصدار الحكم الخاص بالجنود الأطفال من جانب محكمة الجنايات الدولية" والذي ظهر على نشرة Znet.
واليوم، أصدرت محكمة الجنايات الدولية أول حكم لها على الإطلاق.  وهو يبعث برسالة إلى المجموعات المسلحة في كل مكان مؤداها أنها لا تستطيع  شمول الجنود الأطفال بالحصانة. وفي الحقيقة، فإن المشكلة لا تقتصر على إفريقيا. إذ يجري تجنيد  الأطفال من جانب المجموعات المسلحة في مكان أقرب كثيراً من الوطن- ويمولون من جانب  دولاراتك الضريبية.  وفي كولومبيا، يستعر صراع طال لأجيال وتتم جرجرة الأطفال إلى القتال.
 وبينما أصبحت كولومبيا أشد حليف للولايات المتحدة في نصف الكرة، فقد سكبت الولايات المتحدة بلايين الدولارات على شكل مساعدات عسكرية مزودة الوقود لحرب تستغل فيها كل الأطراف الأطفال كجنود. وبعضهم  أولاد وفتيات لا تتجاوز أعمارهم السنوات الثماني..... وهؤلاء الأطفال هم عبيد فعليون: وتساء معاملتهم جنسيا ًلأعوام.
 وتمضي السيدة سوسكايند إلى  سرد حكاية فتاة، جوليا، التي كانت قد جندت من قبل  مجموعات برلمانية يمينية. وهي، كما تقر وزارة الخارجية الأميركية، تتعاون بشكل وثيق مع القوات المسلحة  التي منحتها الولايات المتحدة بلايين الدولارات على شكل مساعدات عسكرية. وفي الحقيقة، فإن السيدة سوسكايند تقر بهذا، مبينة، بأن القوات شبه العسكرية متحالفة مع الحكومة في جهد يستهدف محو رجال حرب العصابات اليساريين وحماية مصالح رجال الأعمال الأقوياء.
ثم تنتقل  لاختتام مقالها( بعد أن تحدد المشكلة على نحو بارع جداً) بإسداء نصيحة حول الذي يترتب فعله لمعالجة الموضوع- "تأكدوا من أن حكم محكمة  الجنايات الدولية تتردد أصداؤه بعيداً وراء إفريقيا  وإلى كل مجتمع حيث يغوى الأطفال ،الذين يفتقرون إلى الخيارات والفرص، بالانضمام إلى الحرب".
وبعبارات أخرى، كما تستطرد الحجة، ستحل مشكلة الجنود الأطفال إذا تمت محاكمة اولئك الذين يجندون الأطفال في الحرب وتجريمهم، أو على الأقل تصحيح طرقهم خشية أن يحاكموا فيدانوا.
ومن الطبيعي، كما قد تكون الحالة إن ثمة قلة من الكونغوليين والكولومبيين سيحاكمون أمام محكمة الجنايات الدولية لتجنيدهم أطفالاً كجنود ولن يحاكم أي أحد من الولايات المتحدة - التي تمول وتزود بالوقود الحروب في الكونغو وكولومبيا.  وهذا لأن الولايات المتحدة وخشية من أن تعد مسؤولة عن جرائمها الحربية العديدة لم توقع على الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية.
ولذلك، وبالإضافة إلى حقيقة أن محكمة الجنايات الدولية بطيئة وغير فعالة على نحو مرعب بحيث لم تصدر إلا حكماً واحداً على مدار وجودها منذ 10 سنوات، ولن تتوصل إلى معرفة كبار المخططين للعديد من الجرائم التي ما  فتأت تحقق فيها.
أي إن محكمة الجنايات الدولية لن تستطيع الوصول أبداً للقادة الأميركيين( مثل هنري كيسنجر وعائلة كلينتون وجورج دبليو بوش أو باراك اوباما) بسبب هذه الجرائم ولا تستطيع حتى الوصول إلى "المصالح التجارية القوية" " مثل "تشيكيتا بنانا" التي اعترفت بإيصال أسلحة وأموال  إلى فرق الإعدام شبه العسكرية في كولومبيا، أو شركات الهاتف الخلوي التي تعتمد بشكل كبير على القصدير والتنتالوم  والتنغستين( عنصر فلزي يتميز بأعلى نقطة أنصهار بين الفلزات جميعا) والذي يجري التنقيب عنه في الكونغو بالإضافة إلى تزويد الصراع بالوقود. ولذلك ستستمر هذه الجرائم بدون انقطاع.
وستستمر هذه الجرائم بدون انقطاع بغض النظر عن عدد قليل من إدانات صدرت عن محكمة الجنايات الدولية ضد عدد من قادة العالم الثالث، لأن موضوع الفقر الذي يتسبب في هذه النزاعات أيضاً بالاضافة إلى سوق عدد من الأطفال نحو الانضمام إلى المجموعات المسلحة لن يتغير أيضاً.
وعليه، وبدلاً من الدعوة من أجل حكم آخر يصدر عن محكمة الجنايات الدولية خلال العشرة أعوام المقبلة، فإننا كأميركيين يجب أن نتحرك احتجاجاً على الحروب التي تشنها الولايات المتحدة كما والتدخل  والاستغلال التجاري الذي يفضي حتماً إلى جرائم الحرب كتجنيد الأطفال كجنود.
 وأخيراً وفيما نحن نبحث موضوع الأطفال الجنود ونركز على إزالة الغشاوة عن عيننا بدلاً من إزالة التلطيخ عن عين أخينا يجب علينا التحدث عن جنودنا الأطفال في الولايات المتحدة.  ومثل الأطفال في الكونغو وكولومبيا الذين يساقون في مرات عديدة بسبب الفقر للانضمام إلى المجموعات المسلحة، ثمة العديد من الأطفال في هذا البلد( في سن 17 وتبعاً لذلك  ممنوعون قانونياً من الشرب والتصويت وتوقيع العقود) ينضمون إلى القوات المسلحة الأميركية هرباً من الفقر والبطالة.
وبالنسبة للفتيات اللواتي يبلغن من العمر 17 عاماً ويسافرن إلى الخارج من أجل القتال، تتعرض واحدة من أصل ثلاث منهن إلى الاغتصاب، مثل العديد من الجنود الأطفال في البلدان الأخرى على أيدي رفاقهن في السلاح.  ولك أن تشاهد مقال الجزيرة يوم 20 تشرين الأول (اكتوبر)2011 بعنوان " الهجوم العسكري الجنسي والاغتصاب، مستفحل." ويعامل هؤلاء القصر أيضاً كعبيد فعليين غير قادرين على  مغادرة الصفوف العسكرية ما لم ينهوا مدة خدمتهم.
وما يبعث على الحزن إن ثمة القليلين جدا في هذا البلد يدعون من أجل البت في مشكلة الجنود الأطفال أو مشكلتنا المتمثلة في نسائنا اللواتي يخدمن في القوات المسلحة الأميركية ويعاملن من جانب رفاقهن باعتبارهن للراحة والترفيه.  وبالطبع فإن السبب وراء هذا بالإضافة إلى السبب وراء الاستقامة الذاتية التي يشعر بها العديد من الغربيين عند سماع مثول إفريقي أمام المحكمة بسبب خرقه للحقوق الإنسانية هي أنها لا تبعث على الراحة فيما يخص التصدي لجرائمنا وخطايانا الخاصة بينما نركز على تلك الخاصة بالآخرين.  لكن من الطبيعي، وتماماً مثلما يُعلم أي دين مبجل، وكما طرح نعوم تشومسكي لسنوات، من وجهة نظر علمانية، فإن التصدي لأعمالنا الشريرة بحد ذاته هو ما يجعل منا مخلوقات تتمتع بالأخلاق وهي التي يكون لها في النهاية القيمة الفعلية العملياتية.



*محام عمالي وفي حقوق الإنسان يعيش في بتسبيرغ.
نشر هذا المقال تحت عنوان Child Soldiers: a Symptom of War ,Poverty &Imperialism

[email protected]

التعليق