لماذا لن تخفض الولايات المتحدة مساعداتها العسكرية لمصر؟

تم نشره في الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • دبابة أبرامز "إيه-1 إم-1" التي يتم تجميع نسخ منها في مصانع الجيش المصري -(أرشيفية)

شانا مارشال* - (فورين بوليسي) 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
أشعلت الحملة الأخيرة على المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً فتيل جولة جديدة من الصراع ولي الأذرع الدبلوماسي حول برنامج المساعدات العسكرية طويل المدى الذي تقدمه واشنطن لمصر.
وعلى الرغم من تهديدات فاترة صدرت من البيت الأبيض والكونغرس، فإن من غير المرجح أن تكون الولايات المتحدة قد عقدت العزم على وقف المساعدات العسكرية الرسمية لمصر -ليس بسبب مخاوف تتعلق بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، أو بسبب رغبة واشنطن في المحافظة على نفوذها في مصر- وإنما لأن المساعدات تفيد زمرة صغيرة ونافذة من النخب في كلتا العاصمتين. ففي الولايات المتحدة، يوفر برنامج المساعدات مصدراً ضخماً وقابلاً للتعقب من الإقبال من جانب مصدري الأسلحة، بينما في القاهرة يساعد الانتاج العسكري التعاوني مع الشركات الأميركية في تقديم الدعم المالي للمشاريع التجارية التابعة للجيش.
وعلى الرغم من أن مجموعات المصلحة المحلية نادراً ما تنخرط في النقاش حول المساعدات العسكرية لمصر، فإن مبلغ الـ 1.3 بليون دولار على شكل مساعدات سنوية يمثل دعماً مادياً كبيراً لمصنعي الأسلحة الأميركيين. وعلى سبيل المثال، فإن مرافق التصنيع لشركة "جنرال دايناميكس" General Dynamics في ليما بولاية أوهايو، حيث تصنع دبابة "أبرامز إم-1، إيه-ا" لن تتلقى المزيد من طلبات العمل من الجيش الأميركي حتى العام 2017، حين تتم تنحية أسطول دبابات "إم-1، إيه1" الحالي، من أجل التجديد. وسيحافظ أحدث طلب لمصر لشراء 125 دبابة من هذا الطراز نفسه (الطلب رقم 11 للقاهرة منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، على خطوط الإنتاج تلك مفتوحة حتى العام 2014، حين تشحن صناديق الفك والتركيب التي يجري تجميعها في مصر. وعلى الرغم من أن شحن الدبابات المجمعة بالكامل إلى مصر سيوظف المزيد من العمال الأميركيين، فمن دون العقد سوف يقفل مصنع ليما بواباته (في ولاية تؤثر في موازين الانتخابات الأميركية بشكل حاسم)، وبحيث تتلقى النقطة الأساسية في شركة جنرال دايناميكس ضربة خطيرة. وقد جعلت عمليات الخفض التي تلوح في أفق موازنة الدفاع الأميركية، شركة جنرال دايناميكس وغيرها من منتجي الدفاع أكثر قلقاً حيال الحفاظ على قنوات التمويل هذه مفتوحة.
من جهته، يفتخر وزير الإنتاج العسكري المصري الحالي علي صبري الآن، بأن أكثر من 95 % من تجميع الدبابة المذكورة يتم في المصانع العسكرية المصرية. صحيح أنه بينما يتم معظم التجميع الفعلي في القاهرة (بدلاً من ليما في ولاية أوهايو)، فإن التصدير لموقع الإنتاج إلى الخارج في هذه المرحلة بالذات يصبح غير مهم نسبياً من منظور الشركات الدفاعية. وقد ينطوي ارتفاع معدل الإنتاج المحلي في مصر على فقدان وظائف أميركية (في قيمة أصحاب الحصص وليس في قيمة ساعات العمل للعمال الأميركيين، والتي تحدد كيفية التخطيط الموحد لشركة جنرال دايناميكس. وبالمثل، فإن تحويل المزيد من العمل إلى القاهرة يضمن أن يستمر الجيش المصري في الاستثمار بشكل كبير في المشروع، وفي تخصيص دولارات المساعدات الأميركية لشراء المزيد من صناديق الدبابات. وفي الحقيقة، يفضل صانعو الأسلحة العقود التي تشتمل على مكونات التصدير إلى الخارج هذه لأنها تزيد سعر وحدة المعدات، وتبعاً لذلك تزيد من عوائد الشركة.
وتشكل جنرال دايناميكس واحدة وحسب من المقاولين العديدين في الصف الأول الذين سيتلقون تعزيزاً من المبيعات الأخيرة لدبابات (إم 1-إيه 1) لمصر. ويضم الآخرون شركة هوني ويل Honeywell (من أريزونا)، وأليسون ترانسميشن Allison Transmission من إنديانا). وتبين برقية من السفارة الأميركية في القاهرة، والتي نشرها موقع ويكيليكس، مصلحة الحكومة الأميركية في استخدام المساعدات لمصر في تعزيز مصالح منتجي الأسلحة المحليين. وذكر في البرقية أن المخططين العسكريين الأميركيين يبدون "قلقاً بشكل خاص" من أنه من دون بيع الدبابة لمصر، فإن شركة أليسون لن تكون قادرة على "الحفاظ على ربحية خطها الإنتاجي". ولكن، ونظراً لأن ربط تشكيل السياسة الدفاعية بمخاوف تتعلق بالأرباح الموحدة يعد جهداً مبتذلاً، فإن البرقية تضع قائمة بطائفة (مزدوجة) من النسب الجيو-استراتيجية لدعم عمليات تحويل الدبابة في مصر، والممولة من المساعدات الأميركية. وتتضمن المخاوف المفصح عنها رفع قدرة مصر على ردع الجيران العدائيين. لكن مصر تمتلك أصلاً دبابات أكثر مما تمتلك أميركا اللاتينية ودول جنوب الصحراء الإفريقية مجتمعة -وواحداً من أضخم أساطيل دبابات (إم-1) في العالم. وعلى ضوء أن ضباط الجيش المصريين الذين يديرون مصر حالياً أقروا أمام مسؤولي الحكومة الأميركية بأنهم لا ينظرون إلى إسرائيل على أنها تشكل تهديداً عسكرياً، وأن وفوداً عسكرية مصرية تزور ليبيا راهناً لتفحص سبل إبرام عقود "إعادة تعمير" محتملة مع الحكومة الجديدة في طرابلس -فإن من غير الواضح مكان وجود هؤلاء "الجيران العدائيين".
وتستشهد برقية السفارة أيضاً بـ"توظيف مستمر" و"تدريب تقني" للعمال المصريين المنخرطين في تجميع الدبابة (إم-1)، والتي يشخصها كاتب البرقية بأنها "مهمة في ضوء ارتفاع معدل البطالة في مصر، والذي يقدر بين 15-25 %". وعلى الرغم من أن القوات المصرية تدعي توظيف نحو 40000 شخص في شبكة مصانعها، فإن مصادر أخرى تعرض أرقاماً أكثر من ضعف ذلك الرقم. وفي الأثناء، تدعي المنظمة العربية للتصنيع، وهي واحدة من التجمعات الصناعية العسكرية، بأنها توظف أكثر من 17000 مصري -وهو رقم يستثني الدزينة أو نحو ذلك من المصانع العاملة تحت إدارة وزارة الإنتاج العسكري، بالإضافة إلى عمليات خدمة المستهلك الكيميائية والزراعية والاستهلاكية الضخمة التابعة لمنظمة مشروعات الخدمة الوطنية (الخاضعة أيضاً للسيطرة العسكرية). أما الرقم الذي تعرضه الحكومة الأميركية للتوظيف في برنامج تجميع الدبابة (إم-1) فهو 2200 (وقد ذُكر أن برنامج "كيه-8" التدريبي للطائرة النفاثة التي يتم إنتاجها بشكل مشترك مع الصين يوظف نحو 1000 جندي مصري). وإذا كان هذان المشروعان التعاونيان الضخمان نسبياً يوظفان 3200 مصري فقط، فإنهما لا يعتبران شيئاً كبيراً لبرنامج تحسين التوظيف على المستوى الوطني. ومن شأن الموارد المستخدمة في إنتاج هذه الأنظمة من الأسلحة في البلد أن تفرز عدداً أكبر بكثير من الوظائف إذا ما تم استخدامها لتحفيز التصنيع المدني.
لكن مشاريع الانتاج العسكري المشترك مثل (إم-1) و(كيه-8) توفر أكثر من مجرد وظائف ومعدات ثقيلة خيالية للقوات المسلحة المصرية. وقد لعبت المشتركات الدفاعية دوراً حيوياً في نمو الشركات التجارية للقوات العسكرية المصرية -بشكل خاص في صناعة المركبات المدنية- والتي تعرض حالة دراسة لفهم القيمة التي يضعها المجلس الأعلى للقوات المسلحة على استمرارية المساعدات الأميركية. وتمتلك الشركة الأميركية، كرايزلر، التي كانت المنتج الأصلي لدبابة (إم-1) قبل بيع القسم لشركة جنرال دايناميكس في العام 1982، حصة تبلغ 49 % في شركة المركبات العربية-الأميركية، حيث لا ينتج الجيش المصري نسخاً مدرعة من مركبات الجيب وحسب، وإنما ينتج أيضاً نسخاً مدنية لغاية البيع التجاري، بما في ذلك السيارات المدنية من طراز "جيب ليبرتي"، و"جيب رانغلر". وكانت الشركة قد انتجت ما معدله 2700 مركبة بين العامين 1979 و2009، لكنها أنفقت منذئذٍ 27 مليون دولار لتحديث خطوط التجميع لديها، وهي تدعي بأنها تنتج الآن مركبات بمعدل يصل إلى17500 مركبة في العام الواحد. وإذا قارنا هذا بأرقام وطنية مقدمة من رابطة المركبات المصرية، فسيتبين أن الشركة العربية الأميركية تنتج حوالي ربع سيارات الركاب المحلية المجمعة في مصر. وكانت الشركة قد وقعت في العام 2010 عقداً جديداً مع شركة كرايزلر (مستخدمة المساعدات العسكرية الأميركية) بقيمة 33 مليون دولار لمركبات "جيب" وأدوات وقطع غيار غير مجمعة. وتجعل مرافق ومعدات الشركة ومهندسوها المدربون -والممولة من جانب عقود الشراء العسكري السابقة- من الشركة أيضاً شريكا جذاباً لشركات سيارات كونية أخرى، التي ستأمل الدخول إلى السوق المصرية. وتنتج الشركة الأميركية العربية راهناً مركبات بموجب ترخيص من شركات "بيجو" و"كيا" و"سيتروين" و"هيونداي" والمصنع الصيني للمركبات زونغزينغ (ZX Auto). وكانت سيارات الشحن الصغيرة (بك أب) وسيارات الدفع الرباعي التي تنتجها الشركة الصينية مشهداً مألوفاً خلال الانتفاضة الأخيرة في ليبيا -على الرغم من أنه يبقى من غير الواضح ما إذا كانت أي من هذه المركبات هي من إنتاج الشركة الأميركية العربية للمركبات). وكانت كل هذه الصفات التعاونية قد بدأت (أو مددت) في أعوام العقد الماضي.
وتقف مرافق تجميع الدبابة (إم-1) في مصر لتكون مثالاً آخر. وهنا -في نفس المصنع الذي أنشأته شركة جنرال دايناميكس، تبني القوات المصرية عربات إنشاءات عسكرية تباع في السوق المحلية. ويحص الجيش المصري أرباحاً كبيرة جراء الإنتاج التجاري لهذه المشروعات المشتركة. ومثل عمليات التصنيع الأخرى للجيش المصري، يذهب العائد من هذه المبيعات مباشرة إلى صناديق القوات المسلحة -نظراً لأن المؤسسة معفاة من الضرائب. ولك أن تضيف العمالة الرخيصة والمساعدات المادية الضخمة التي تقدمها الدولة (مثل الأسعار المخفضة لمصادر الطاقة)، لتجد أن هذه المشروعات التجارية تشكل جزءاً مهماً من الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية المصرية.
وإذا ما تم إغلاق صنبور المساعدات الأميركية، فقد تتوقف العديد من الشركات التي تحول التكنولوجيا للمنتجين العسكريين المصريين (مثل شركة كرايزلر) عن فعل ذلك. ومن شأن إنهاء تقديم المساعدات أن يخل باحتمال استمرار عقود المتابعة التي تضمن أن التكنولوجيات والمرافق التي تقدمها هذه الشركات تستخدم لتجميع وتعديل منتجاتها الخاصة. وفي الحقيقة، فقد أحيا مشروع تجميع سيارات الجيب العسكرية في المصانع المصرية القسم العسكري للماركة، والذي كان قد انتكس بسبب التبني الواسع الانتشار لمركبات (هامفي) التي تنتجها شركة (أم جنرال). ومنذ خروج سيارات الجيب من خطوط التجميع في شركة المركبات الأميركية العربية، فإنها بدأت في الظهور في مصانع في إسرائيل أيضاً، وثمة عدد محدود متوفر في الولايات المتحدة من خلال شركة تدعى "أميركان إكبيديشن فيهكلز" American Expedition Vehicles. وينطوي إلغاء تقديم المساعدات الأميركية للجيش المصري على احتمال جعل جنرالات مصر أكثر اقتصاداً، وبالتالي أقل رغبة في دفع أسعار أعلى نظير الانتاج التعاوني (أو في مقابل المادة الأميركية المسعرة أعلى نسبياً).
من الطبيعي أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تقوم شركاتها المحلية بتزويد المعدات والموارد للمصانع العسكرية المصرية. ففي العام 2000، شرعت مصر في تجميع المقاتلات النفاثة من طراز (كيه-8) المصممة في الصين، والتي اشتملت على مرحلة ثانية من تجميع النفاثات في العام 2005، وتأسيس مرافق بحث للطيران في القاهرة. (من المفارقات أن طائرات "كيه-8" المجمعة في مصر مجهزة بمحركات من شركة هونيويل الأميركية، وهي نفس الشركة التي تزود قطع الغيار لدبابة "إم-1" المصممة في الولايات المتحدة الأميركية. وفي احتفال في العام 2010، قال رئيس منظمة التصنيع العربية إن اتفاقية تعاونية جديدة بين البلدين ستطرح خلال وقت قريب إنتاجاً مشتركاً لمعدات قتالية جديدة (ربما التجميع المحلي لطائرات "جيه إف-17" JF-17 النفاثة ذات التصميم الصيني الباكستاني المشترك) . وتشهد هذه التعاونيات في إنتاج الأسلحة شركات متوازية في المصانع المصرية العسكرية التجارية، بما فيها المصنع 360 -شركة التجهيزات المعدنية في حلوان- والتي لديها مرفق إنتاج جديد يقوم بإنتاج وحدات تكييف هواء تصنع بموجب ترخيص من الشركة الصينية "هاسين" Hisense المملوكة للدولة. كما أن المصالح الصينية النفطية دشنت أيضاً مشروعين على الأقل مع "ثروة للنفط" –وهي شركة للقطاع العام المصري تمتلك فيها وزارة الإنتاج العسكري حصة صغيرة.
 وفي الأثناء، يحظى الاستثمار الصيني بأهمية متزايدة بالنسبة للموازنة العسكرية المصرية العمومية -لكن من الممكن أن تتقوض هذه الميزانية من خلال الخفض في المساعدات الأميركية. وكانت المصانع العسكرية المصرية تتعرض للتوبيخ من حين لآخر لانتهاكها للأحكام الدولية للاتجار بالأسلحة -بما في ذلك ما حدث أكثر من مرة بسبب السماح لمسؤولين صينيين بالتجوال في المرافق المصرية حيث يتم تجميع الأسلحة الأميركية. ويشتهر منتجو الأسلحة الدفاعية الصينيون (أو إنهم يذمون بسوء السمعة) بسبب "سرقة" التكنولوجيات الأجنبية بغية انتاج بدائل أرخص ثمناً من أنظمة الأسلحة الشعبية. وإذا تم إلغاء برامج التصنيع المشتركة، مثل مشروع إنتاج الدبابة (إم-1) بسبب خفض المساعدات، فقد لا يبدي الصينيون اهتماماً كبيراً بالاستمرار في مسارهم التعاوني الراهن مع مصر. ولعل ما يبعث على الدهشة أن برقية السفارة الأميركية المشار إليها آنفاً أبرزت أيضاً شراكة الدفاع الصينية المصرية المتبرعمة، باعتبارها ورطة جيو-استراتيجية لجانب فرع آخر لتجميع دبابة ممولة من المساعدات... مع أن الانتاج الصيني المصري المشترك للطائرات النفاثة من طراز "كيه-8" كان قد بدأ بعد أن كان مشروع تجميع دبابة "أم-1" قد وصل إلى عامه الثاني عشر.
إنها هذه التفصيلات الاقتصادية التافهة هي ما سيشكل خطوط العقدة الرئيسية للمواجهة العامة الدراماتيكية الخاصة بموضوع المساعدات العسكرية الأميركية لمصر. ومن المؤكد أن السياسات العليا تهم: فإسرائيل تعاني من أرق المضاجع إزاء مستقبل سلامها مع القاهرة، ومن الممكن أن تفلت المعركة حول المنظمات الأميركية غير الحكومية من عقال السيطرة، ما يعقد العلاقات بين واشنطن وشريك إقليمي نافذ. لكن، وطالما ظلت المصالح القوية تقدر تحقق فائدة كبيرة من استمرار برنامج المساعدات، وطالما ظل أصحاب الحملات في الكابيتول هيل يعولون على تحويل الأموال إلى مصر لغاية خلق وظائف ودعم الحلفاء الإقليميين، فإن من غير المرجح توقف تدفق الدولارات والأسلحة إلى مصر.

*زميلة أبحاث في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديس.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
Why the U.S won't cut military aid to Egypt

التعليق