تحليل اقتصادي

هل تكون عملة الاحتياط العالمية هي الحل؟

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

إبراهيم شكري دبدوب*
الكويت - يبدو أن العالم لم يعد يحتمل أن يعتمد كلياً على عملتين فقط, وباتت الأصوات المطالبة ببديل عن الدولار واليورو تزداد حدة مع مرور الوقت. لكن البنوك المركزية والمستثمرين حول العالم سيدركون أن البديل لا يمكن أن يكون اليوان الصيني، ولا حتى التوجه الى تنويع سلتهم بعملات أقل وزناً في أسواق الصرف العالمية. فهل تعمل الدول العظمى على إنشاء عملة احتياط عالمية جديدة تكون هي الحل، أم تدفع باتجاه إحياء حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي.
قد تكون الصين من أكثر المطالبين بالحد من هيمنة الدولار واليورو، وقد اقترحت بالفعل في العام 2009 استبدال الدولار بحقوق السحب الخاصة. لكن الصين ليست وحدها من يدفع في اتجاه الابتعاد عن الدولار، وإنما ايضاً اللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة لإصلاح النظام المالي برئاسة الاقتصادي المعروف جوزيف ستيغليتز.
وعلى الرغم من أن الأزمة المالية العالمية الحالية وتداعياتها على الولايات المتحدة الاميركية واوروبا والعالم قد أججت هذه المطالبات وجيرت المزيد من الأصوات إلى صفوفها، إلا أن فكرة إنشاء عملة احتياط عالمية ليست بالفكرة الجديدة، بل لها امتداداتها التاريخية حتى قبل إنشاء حقوق السحب الخاصة من قبل صندوق النقد الدولي. وفي الواقع، فإن الفكرة لها جذور كينزية وتعود إلى مفاوضات بريتون وودز في العام  1944، لكن ما الذي يمنع حقوق السحب الخاصة من أن تكون هي عملة الاحتياط العالمية بدلاً من انشاء عملة جديدة؟
على ارض الواقع، لا تشكل حقوق السحب الخاصة أكثر من 3 % من الاحتياطات العالمية رغم مرور أربعة عقود على اطلاقها، والسبب في ذلك يعود الى عدم الاتفاق حول وظيفة حقوق السحب الخاصة وكيفية توزيعها بين الدول: فهل توزع بحسب وزن كل دولة في الاقتصاد العالمي وبالتالي تكون الحصة الاكبر منها للدول الغنية، ام بحسب حاجة الدول الى الموارد المالية فتذهب الى الدول الفقيرة؟ أضف إلى ذلك أن وظيفة حقوق السحب الخاصة وآلية احتساب قيمتها قد تغيرتا مع الوقت، ونتيجة لذلك لا يتوقع أن يبرز نجم حقوق السحب الخاصة اليوم كعملة احتياط عالمية بدلاً من الدولار واليورو.
كما أن الصورة عملياً تبدو أكثر تعقيداً, إذ كي تتحول حقوق السحب الخاصة إلى عملة احتياط عالمية، عليها ان تستبدل الدولار واليورو في المبادلات التجارية. وبالتالي يجب خلق سوق صرف لها بحيث يكون بمقدور الشركات صرفها بالعملات المحلية وإصدار سندات وأدوات مالية واستثمارية مقومة بها، كما يجب أن يكون بمقدور البنوك منح قروض دولية بها. وهذا قد يكون غير قابل للتحقيق.
ولذلك، لم تنجح حقوق السحب الخاصة إطلاقاً بان تكون عملة احتياط عالمية. ومع غياب البديل، وفي ظل عدم الاستقرار الذي يشهده الدولار واليورو والمحاذير التي تحوم حولهما، فإن العالم يبدو في دوامة. وإذا استمر ذلك، فقد تتجه البنوك المركزية حول العالم إلى خفض احتياطاتها الأجنبية من الدولار واليورو، وستكون هذه البنوك أقل قدرة على التدخل لحماية اقتصاداتها من تقلبات الاسواق العالمية، كما ستجد الحكومات نفسها مضطرة إلى اتخاذ سياسات حمائية بوجه التدفقات المالية الهاربة من الدولار واليورو. وبالتالي، قد نعود الى نقطة انهيار بنك ليمان براذرز من حيث جفاف السيولة وارتفاع تكلفة الدين وانخفاض التبادلات التجارية وما الى ذلك من عواقب كارثية، لكن الفرق أن ما كان يعتبر ظرفاً استثنائياً قبل اربعة اعوام، سيصبح اليوم حالة دائمة ستستمر طويلاً.
إن ما يحصل اليوم يشبه تماماً ما حصل في ثلاثينيات القرن الماضي حين لجأت البنوك المركزية إلى تسييل الاحتياطات الاجنبية (التي طغى عليها الذهب والدولار والجنيه الاسترليني حينها)، وما حصل في السبعينيات عقب انهيار معاهدة بريتون وودز. لكن عواقب أزمة الثلاثينيات كانت أكثر حدة من تداعيات أزمة السبعينيات، فماذا سيحدث اليوم؟
اعتقد ان ذلك يعتمد على وتيرة تراجع الثقة بالدولار واليورو، وبقدرتهما على أن يظلا عملتي الاحتياط الرئيسيتين عالمياً، جنباً الى جنب مع الثقة بقدرة الولايات المتحدة الاميركية ودول منطقة اليورو على تجاوز أزماتها. لكن في كلتا الحالتين، لن تكون تداعيات ما يحصل حالياً أقل مما شهدناه عقب انهيار معاهدة بريتون وودز في السبعينيات.
لكن الى أن نحسم النقاش حول إطلاق عملة احتياط عالمية جديدة، أمام الولايات المتحدة ودول اليورو مسؤوليات كبيرة تجاه العالم أجمع، ألا وهي اتخاذ كل ما هو ضروري للخروج من أزماتها. على الأولى أن تدرك أنه لن يكون باستطاعتها توفير السيولة للأسواق العالمية ما لم تعمل على تنمية اقتصادها، وفي الوقت نفسه الحد من عجوزاتها المالية الضخمة. ولا حل أمام دول اليورو الا اعتماد سياسات تقشفية، وأن تعيد جدولة ديونها السيادية - ولو بتكلفة مرتفعة - وفي الوقت نفسه، ان تعزز رسملة بنوكها لكي تكون قادرة على تحمل أية خسائر قد تنجم عن هذه الديون.
لم يحلّ العالم معضلة الاحتياطات العالمية القائمة منذ أكثر من قرن من الزمن، ولم يصمد أي حل مقترح أكثر من أربعة عقود قبل أن ينهار، منذ تبني الذهب كاحتياط عالمي، ثم التخلي عنه وإنشاء حقوق السحب الخاصة وحتى اليوم.
إن كان صحيحا أن التاريخ يعيد نفسه، فهل يجب أن يأتي دائما كمأساة؟
* الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني

التعليق