مطلوب "مخطط مارشال" أوروبي من أجل المتوسط

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً
  • قمة الاتحاد من أجل المتوسط في فرنسا في العام 2008 - (أرشيفية)

وولف ليبينيس* - (لوموند) 2012/3/8

ترجمة: مدني قصري

لا يمكننا أن نفهم مصدر قلق الاتحاد الأوروبي الحالي من دون أن نتذكر العام 1989، ذلك العام السعيد لأوروبا ما بعد الحرب. فعندما سقط جدار برلين، صار الألمان أسعد الناس في العالم –كان ذلك على الأقل ما قاله وأكده رئيس بلدية برلين في ذلك الوقت. ولكن، لم يتقاسم الجميع سعادةَ الألمان بهذا الحدث، إذ تنبأ أحد الأميركيين، وكان رجلاً يتحدث الإنجليزية بلكنة ألمانية، بأن الضحية الرئيسية لسقوط حائط برلين ستكون فرنسا بالتأكيد.
وقد أدركتُ إلى أي حد كان هنري كيسنجر على حق عندما توجهتُ في يوم 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، أي بعد يوم واحد من سقوط حائط برلين، إلى باريس لحضور أحد المؤتمرات. وكانت جميع الصحف الفرنسية يومئذ متفقة في تعليقاتها على نقطة واحدة، وهي أن الزعامة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي ستنتقل من فرنسا إلى ألمانيا. لقد انقضى زمن التحفظ، وصارت لهجة السياسيين والدبلوماسيين الألمان لهجة حاسمة وواثقة.
وقد فكر أكثر من فرنسي في قصة ذلك المغرور الذي قال لابنه ذات يوم: "أنت غني، فتحدّثْ بصوت عال!". وفي فرنسا، تنبّأ أحد رجال الدولة من أصحاب البصيرة القوية، في وقت مبكر، بوصول هذه اللحظة. وكان هذا الرجل هو الجنرال ديغول. ففي مقدمة مذكراته كتب قائلا إن ما كان يوجه قناعاته وأعماله السياسية هو تلك الفكرة التي كان يحملها عن فرنسا. وكان ديغول على قناعة بأن فرنسا لا يمكن أن تكون خليقة بقدرها ومصيرها التاريخي إلا إذا أثبتت عظمتها. لكنّ تعريف عظمة فرنسا هذا لا يتضح إلا بمقارنتها مع ألمانيا -وكانت هذه العظمة تتعرض دوما للتحدي من ألمانيا تحديدا. وقد ظل ديغول متمسكا بهذه الرؤية في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا قد أنهت انضمامها إلى "الغرب"، أي بعد أن صارت عضوا في المجموعة الأوروبية.
وفي لقاءاته مع المستشار الألماني كونراد أديناور، كان ديغول يرى أن التباين السياسي ما بين فرنسا وألمانيا سوف يظل قائما حتى في المستقبل. فألمانيا التي تكبدت الهزيمة في الحرب العالمية الثانية لم تعد قوة عالمية، ولن تكون قوة عالمية أبدا. أما فرنسا، في المقابل، فقد كانت قوة عالمية وسوف تظل كذلك –ولو على الأقل لأنها تمتلك أسلحة نووية، وهو ما كان محظورا على ألمانيا. وكان مذهب عدم التماثل السياسي هذا هو الذي جعل ديغول يشعر بوجوب رفض فكرة وجود مجموعة أوروبية دفاعية –المجموعة التي وضعت فرنسا المنتصرة وألمانيا المهزومة على نفس المستوى.
عندما تأسست المجموعة الأوروبية للفحم والصلب، رأى فيها الجنرال ديغول انتصارا لألمانيا وهزيمة لفرنسا. وعلى عكس ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، صار متاحا لألمانيا المهزومة أن تنضم إلى المجموعة الاقتصادية من دون أن تدفع أي تعويض. لكن فرنسا في المقابل -"فرنسا المنتصرة السخية"- سرعان ما اضطرت إلى أن تعيد إقليم "السار" الحدودي إلى ألمانيا. وساعتها تساءل ديغول إلى متى سيرضى الألمان بأنهم مهزومون ومتحفظون، ومرهونون بإرادة المنتصرين الطيبة؟ ولم يكن يراود الجنرال ديغول أي وَهْم من الأوهام. ولم يكن يخفي منذ العام 1951 أسفه من أن الألمان أصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر إصرارا في علاقاتهم مع جيرانهم. وكان يخشى من أن تفرض ألمانيا هزيمة جديدة على فرنسا -في مجال الاقتصاد على الأقل.
قبل إعادة توحيد الألمانيتين بوقت طويل، أصبحت ألمانيا المدعومة بالمارك القوي أهم قوة اقتصادية أوروبية. وللتعويض عن ذلك، صارت فرنسا تطالب بالزعامة السياسية على القارة. وكان غالبية السياسيين الألمان من الحكمة بما يكفي لعدم التشكيك في هذا الشرط الذي طالب به الفرنسيون -ليس علنا على الأقل. وقد كتب هيلموت شميدت، المستشار الألماني السابق، هذه الجملة التي تقول الكثير: "كنت دائما حريصا على إعطاء الأسبقية لزميلي الفرنسي عندما يضع قدمه على السجادة الحمراء". هذا التوازن الهش بين الزعامة الاقتصادية والسياسية ما بين الدولتين كان هو الشرط الأساسي لتعاون فعال وموثوق به بين فرنسا وألمانيا. وكان هو العامل الحاسم الذي جعل ظهور الاتحاد الأوروبي أمراً ممكناً.
ولكن، بعد إعادة توحيد ألمانيا ونهاية النظام الشيوعي في أوروبا الوسطى والشرقية، ما لبث هذا التوازن أن اختفى. وقد انتقل مركز ثقل أوروبا نحو الشرق، وكانت ألمانيا هي التي تولت بعد ذلك الزعامة السياسية في القارة. ومنذ العام 1989، اعتبرت فرنسا أنها هي الخاسر الأكبر، على المستوى السياسي، في عملية توسيع الاتحاد الأوروبي.
واليوم، صرنا ندرك أكثر فأكثر أن خيوط الصراع القديمة في أوروبا، ما بين الشمال والجنوب، وأيضا ما بين فرنسا وألمانيا، قد ظلت واضحة. وأن لغة الدبلوماسية لم تعد قادرة على إخفائها. والصراع القائم حول الاتحاد من أجل المتوسط هو مثال مُحزن على ذلك.
وفكرة الاتحاد المتوسطي هي فكرة جاء بها هنري غوينو، وهو من أمّ أسبانية. وقد وُلد هو نفسه في مدينة "آرل"، ولا تفوته فرصة لكي يعلن كم هو فخور بأن يكون رجلاً من الجنوب. وفي رأي غوينو، ينبغي أن يحيي هذا الاتحاد المتوسطي من جديد فكرة تشكيل تحالف بين الثقافات اللاتينية، والذي يكون كفيلاً بتحقيق موازنة بين هذا التحالف في المستويات السياسية والثقافية، وبين الفضاء الأنجلو-فوني. وكان هذا المخطط مصمما في الوقت نفسه "ضد الألمان" (لوموند 16 شباط -فبراير2012)، وهو عنصر استراتيجي لمرحلة ما بعد الديغولية، وكان موجها لتأكيد "عظمة" فرنسا ضد ألمانيا. لذلك يتعين على الاتحاد المتوسطي أن يدعم فرنسا في هذا الموقف. وكان نيكولاس ساركوزي على خطأ عندما اعتقد بأنه يمكن تحقيق تلك الخطة على طريقة بونابرت، بالسير وحده في هذا المشروع .
لكن استعراض القوة هذا ما لبث أن نبّه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي اعترضت في الحال على الاقتراح، قائلة إن الدول المطلة على "بحيرة نوستروم" هي الوحيدة التي يحق لها أن تصبح أعضاء في الاتحاد المتوسطي. وتحْتَ ضغوط الألمان، تم تعديل المشروع، وأصبح الاتحاد المتوسطي قضية جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الوقت، اختفى مصطلح الاتحاد المتوسطي، وحلّ محله مصطلح الاتحاد من أجل المتوسط. وقد ظل هذا الاتحاد في شكل مشروع، ولم يسهم بأي شيء في النقاشات حول المرحلة الدقيقة التي تجتازها أوروبا حاليا، وكذلك حول مستقبل المشروع الذي ما يزال غامضا. وحتى وإن تبين أن تصرفاتهما تكشف عن عناد فرنسي خالص، فإن نيكولا ساركوزي وهنري غيونو كانا قد وجدا الصيغة الملائمة للتعبير عن مشروعهما، وهي: اتحاد متوسطي. وسواء فعلا ذلك عن قصد أم عن غير قصد، فإن هذه التسمية تحمل وعدا كبيرا بالمساواة والنزاهة، لأن التسمية تظل ديمقراطية لا جدال فيها.
وفي المقابل، نجد في تسمية الاتحاد من أجل المتوسط قسطاً من الغطرسة والتعالي: أوروبا بروكسل تفضل أن تكون سخية بما فيه الكفاية حتى تساعد الآخرين. وكانت الرؤية الأولى للاتحاد المتوسطي تهدف إلى إنشاء فضاء مشترك للتعاون بين بلدان الشمال والجنوب، الواقعة على تلك الحدود التي أطلق عليها فرناند بروديل ذات يوم اسم "البحر المتميز". وكانت هذه الرؤية الفرنسية في الأصل مثالاً لما سُمّي بـ "الهندسة المتغيرة" التي وضعها الساسة الألمان المحافظون، أعضاء حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الألماني، أمثال فولفغانغ شويبله، وكارل لامرز -وليس من قبيل المفارقة أن يأتي تعطيل هذه التسمية في الأخير من قبل مستشارة تنتمي إلى الحزب نفسه.
كان مفهوم "الهندسة المتغيرة" هذا يهدف إلى تقسيم العمل داخل الاتحاد الأوروبي: كان لا يجب بالضرورة أن تؤخذ جميع البرامج وجميع المشاريع بعين الاعتبار من قبل جميع أعضاء الاتحاد، وفي جميع الأوقات. كانت الدول الأعضاء تستند إلى الحقيقة التي مفادها أن أعضاء آخرين قد ينخرطون في أي وقت من أجل مصلحة أوروبا المشتركة. وحتى تصبح فعالة، تفترض "الهندسة المتغيرة" وجود "ثقة إقليمية". وذلك هو ما لم يتوفر إلى اليوم. وقد تعرض التضامن الداخلي للاتحاد الأوروبي للوهن بشكل كبير. وليست مشكلة أوروبا الرئيسية هي أزمة يورو، ولا أزمة ديون، وإنما أزمة ثقة أوّلاً وأخيراً.
ولو كان الاتحاد المتوسطي قد اشتغل بحق من قبل، لكان ساعد الأوروبيين في فهم التحولات الثورية الجارية في الفضاء العربي فهْمًا أفضل على الأقل، إن لم يكن قد ساعدهم على التنبؤ بهذه التحولات. وقد ظل الاتحاد المتوسطي صامتا بلا حراك خلال الربيع العربي، فلم ينظر أحد إلى الربيع العربي بصفته فاعلا سياسيا قادرا على التأثير على التقلبات الدراماتيكية والسياسية والثقافية في المنطقة. والتحدي الحقيقي الذي يواجه الاتحاد من أجل المتوسط هو أن يصبح هو بمثابة هذا العنصر الفاعل في المستقبل. وليس مستبعدا أن يصبح هذا الاتحاد حول المتوسط مؤسسة قادرة على أن تسهم في نهاية المطاف في تحقيق تسوية الصراع في الشرق الأوسط بين إسرائيل وفلسطين.
يواجه الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي ثلاثة تحديات رئيسية. عليه أوّلا أن يحل مشكلة التمويل والديون التي يقع مركز ثقلها في بلدان جنوب أوروبا. وعليه ثانيا أن يضع استراتيجية بهدف تحقيق الاستقرار في حركة الحريات الديمقراطية في العالم العربي وتقويتها إذا أمكن. وعليه ثالثا أن يجد حلا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والذي يمثل بالنسبة إلينا، على خلاف ما يمثله هذا الصراع بالنسبة للأميركيين، بؤرة نار تشتعل في جوارنا المباشر. وهذه التحديات الثلاثة مترابطة فيما بينها، وهي تتطلب حلا شاملا. ويمكن أن تتحقق الخطوة الحاسمة نحو الحل، من خلال إنشاء "مخطط مارشال" من أجل المتوسط.
ولم تأت فعالية مخطط مارشال بعد العام 1945 من كون أوروبا استفادت من هبات مالية هائلة. ولم يكن الأمر يتعلق بمساعدة لفائدة التنمية على أسس خيرية. إن ما أضحى أكثر فعالية وفائدة حاسمة ومفيدة، هو قرار ربط الإعانات الممنوحة من قبل الأميركيين بالتعاون الفعال ما بين البلدان المستفيدة. وقد تعيّن على دول غرب أوروبا، المنتصرة منها والمغلوبة، أن تتفق فيما بينها إن هي أرادت حقا أن تستفيد من المساعدة المالية الأميركية. وعلى هذا النحو أنشئت المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي التي أعدت التنمية الاقتصادية أوّلا، ثم سياسة أوروبا بعد ذلك.
فلماذا لا يكون مثل هذا الأمر ممكنا في منطقة الشرق الأوسط وفي فضاء البحر الأبيض المتوسط؟ حتى هذه الساعة ظل الاتحاد من أجل المتوسط أملا بعيد المنال. وقد حان الوقت لإعطائه المضمون السياسي الذي يستحقه. إنه التعاون المستدام على المستوى السياسي والاقتصادي لكافة الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط –مع إدماج إسرائيل بطبيعة الحال. فهل ذلك حلم طوباوي؟ ربما، لكن السياسة المتعثرة والجبانة هي التي قادت الاتحاد الأوروبي إلى الأزمة التي يتخبط فيها الآن.
لقد انشغل الاتحاد الأوروبي على مدى وقت طويل بأعمال الترميم التي تهدف إلى تصحيح أخطاء الماضي. ولذلك، فإن مشروعا جريئا في شكل "مخطط مارشال" من أجل المتوسط، كفيل بأن يعطي دفعة قوية جديدة للاتحاد الأوروبي، وبأن يعزز تماسكه. لقد ولى زمن السياسة الخجولة، ولذلك يتعين على أوروبا أن تمنح لنفسها أهدافا كبرى. ولتبدأ من الجنوب!
*عالم اجتماع ومدير سابق لمعهد برلين للدراسات المتقدمة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Les Européens doivent accepter un plan Marshall pour la Méditerranée

[email protected]

التعليق