الانتخابات الرئاسية الروسية.. مناسبة للبكاء

تم نشره في الأربعاء 7 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - (أرشيفية)

تقرير خاص
(الايكونوميست) 5/2/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يبدو الأمر كما لو أن فلاديمير بوتين كان مسكوناً بهاجس قيام ثورة ملونة على غرار تلك التي عمت جورجيا وأوكرانيا قبل عقد تقريباً. لكن مثل هذا التطور غير مرجح في روسيا، على الرغم من أن عملية تحشيد منفصلة بدأت تتخذ شكلا مسبقاً في البلاد.
في السباق نحو الانتخابات، كان السيد بوتين قد دعا مؤيديه إلى التوحد للمعركة الأخيرة في مواجهة الأعداء المحليين والخارجيين على حد سواء. وعنت "استفزازات" السيد بوتين افتراضياً أن مسيرات الاحتجاج الضخمة في موسكو، والتي تفجرت بعد انتخابات كانون الأول (ديسمبر) الماضي البرلمانية والتي وصفت بأنها كانت انتخابات مزورة، حيث طالبت حشود ضخمة بإجراء "انتخابات نزيهة" وبإنهاء نظام الحكم الفاسد والشخصاني للسيد بوتين.
 وكانت الاحتجاجات قد تركت تأثيراً كبيراً على الكرملين كما وعلى الطبقات الوسطى الحضرية في روسيا، فأجبرت الكرملين على الشروع بمشروع إصلاح سياسي (على الرغم من أنه كان يجري بطريقة مترددة) من أجل تبسيط القواعد التي تحكم تسجيل المرشحين للانتخابات والأحزاب السياسية واستعادة انتخابات حكام الأقاليم والتي كانت قد ألغيت في العام 2004.
لكنها جيشت أيضاً مئات الآلاف من المواطنين العاديين. وكانت أعداد المتطوعين للعمل كمراقبين للاقتراع في انتخابات الأحد أكبر بأربعة أضعاف من نظيرتها في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وافضى ذلك إلى جعل تلاعب الكرملين بالانتخابات أكثر صعوبة بكثير.
وكان العديد من منظمي الاحتجاجات قد اجتمعوا سوية مع بعض الصحفيين ليلة الأحد في قاعة اجتماعات مليئة بدخان السجائر في موسكو، والتي تحولت إلى مقر متنقل بديل لعد الأصوات. وكانت القاعة قد أعدت من جانب ألكسي نافالني، المدون النافذ والناشط في معاداة الفساد الذي ينطوي على تطلعات لأنظمة سياسية كبيرة.
وعلى مدار طيلة ليلة الأحد، بث المركز الأخبار والتعليقات الخاصة بالانتخابات إلى الشبكة العنكبوتية من الاستوديو التلفزيوني التابع له. وتحدث ضيوف، بمن فيهم كتاب أعمدة بارزون وساسة معارضون وحتى شخصيات مرموقة -مثل كسينيا سوبتشاك، المضيف السابق للمرادف الروسي لبرنامج "الأخ الكبير" –عن قصص التزوير الانتخابي.
 ويقول السيد نافالني أن طرق التلاعب في الانتخابات الأخيرة اختلفت عن انتخابات كانون الأول (ديسمبر). ووراء عندها، قامت مفوضية الانتخابات بطرد مراقبي الانتخابات وزيفت العدد، وخاصة في موسكو، التي صوتت بالأغلبية ضد حزب روسيا الموحدة التابع للكرملين. ولعل وقاحة هذه الممارسات كانت السبب وراء إغضاب الموسكويين ودفعهم بالتالي للنزول إلى الشوارع.
وهذه المرة، كما يقول السيد نافالني استخدم الكرملين طرقاً تعتمد على كثافة عمالية أكثر. وعلى الرغم من أن العد نفسه كان أكثر شفافية، لكن عدد المقترعين الذين صوتوا لصالح بوتين زيد في المقام الأول على نحو مصطنع. إذ نقل المقترعون إلى مراكز الاقتراع بواسطة باصات خاصة. وأضيفت، في الأثناء، ملاحق تشتمل على قوائم أشخاص من المنظمات الحكومية إلى السجلات الانتخابية، مزورين وحقيقيين على حد سواء، ما سمح بتصويت مضاعف.
وطبق ما ذكرته منظمة غولوز، منظمة تراقب الانتخابات، فقد كانت نتيجة بوتين الحقيقية فوق الـ 50 % بقليل من مجموع الأصوات (العتبة اللازمة لتفادي جولة انتخابات ثانية) حل وراءه غينادي زيوغانوف، الزعيم الشيوعي المخضرم، الذي جمع نسبة 19 %؟ من الأصوات ثم السيد بروخوروف الذي غلب مرشحين آخرين في النتيجة الرسمية بحصوله على ما يقترب من 17 %. لكن الأرقام تتراجع وقد تغطس إلى ما هو أدنى من عتبة الـ 50 %.
لكن ضخ أعداد المقترعين لصالح بوتين لم يكن الهدف منه هو ضمان الفوز في الجولة الأولى من الانتخابات بقدر ما هو استعراض للبيروقراطية، وخاصة الأجهزة الأمنية التي ما يزال السيد بوتين مسؤولا عنها، والتي ما تزال قادرة على تجييش ما تحتاج إليه من موارد ضرورية للاستمرار في السلطة.
ويقول السيد الأكسندر باينوف كاتب العامود الروسي، في الأثناء، أن المشكلة بالنسبة للسيد بوتين هي أن شرعيته لا تحظى بالاعتراف من لدن أقلية ضخمة ونشطة من الشعب الروسي كما ومن غالبية في العاصمة نفسها. ويستطيع الكرملين ضخ تصنيفات  بوتين وتجييش ملايين موظفي الدولة في يوم الانتخابات. لكنه لا يستطيع توفير تلك الشرعية. وثمة العديد ممن صوت لصالح بوتين أمس لا يثقون فيه. ويقول متخصصون مجتمعيون أن اغلبية بوتين سلبية وآخذة في التغضن.
وفي إيماءة تصالحية ولكنها أيضاً استباقية موجهة للمحتجين طالب الرئيس الروسي المنصرف، دمتري مدفيديف، من المدعي العام في البلاد إعادة النظر في تجريم الثري المسجون، ميخائيل خضروفوسكي مع حلول الأول من شهر نيسان (أبريل) المقبل. وعلى ضوء الموقف الصعب للسيد بوتين والضعيف للسيد مدفيديف من غير المرجح أن تفضي إعادة النظر إلى الإفراج عن السيد خضروفوسكي الذي يرجح أن يبقى سحابة دخان.
 ومع ذلك، فإن عدم الأمانة الرئيسية كانت في أن قوانين انتخاب الأمس قد حرفت منذ االبداية. وكان الكرملين يتوافر على احتكار لتغطية الانتخابات تلفازياً لا سيما وأن التلفاز يظل المصدر الرئيس للاخبار بالنسبة للكثير من البلاد (ولم يعد الحال يسري على موسكو)، كما أن المعارضين غير المؤهلين والذين يستحقون الإطراء منذ البداية مما خلق انطباعاً بأنه لم يكن ثمة بديل. وأضيف لهذا أنه كانت هناك اثارات للذعر بسبب بث إشاعات تحدثت عن تهديد بوجود ثورة في الأفق.
والخطر أن الكرملين قد يحس راهنا بالحاجة إلى تبرير تجييشه. وقد يتوافر على مسوغ. وكان قد تقرر أن تنطلق مظاهرة ضخمة ليلة الاثنين في وسط موسكو. لكن، وعلى الرغم من أن مكتب عمدة المدينة أعطى الإذن بتنظيمها، فإن الخوف يبقى حاضرا من احتمال استفزاز قد يتفجر لدى كلا الجانبين: وقد يجنح بعض المحتجين نحو الذهاب إلى ما وراء الحدود التي سمح للمسيرة بالوصول إليها، ونقل الاحتجاج من ثم باتجاه الكرملين.
وما ينطوي على نذر، أن السيد بوتين كان قد اتهم المحتجين، في خطوة استباقية، بالإعداد للقتال، وقد يقدم حتى على "قتل أحد ما" بحيث يوجه اللوم إلى الكرملين. لكن بالنسبة لآلاف الموسكويين الذين نزلوا إلى الشوارع مساء الاثنين، فإن النقطة الرئيسية هي التأكيد على أن المدينة تعود لهم.


*ظهرت هذه التغطية تحت عنوان:Russia's presidential election: It brings a tear to the eye

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق