"اليوم التالي".. ما الذي سيحدث بعد قيام إسرائيل بمهاجمة إيران؟

تم نشره في الأحد 4 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً
  • اللوبي الإسرائيلي يقود أوباما إلى الحرب ضد إيران حسب رؤية الفنان "لطوف" - (أرشيفية)

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة
المنطقة كلها تمور وتتقلب على صفيح ساخن. فمن جهة، هناك ثورات الربيع العربي التي لم تفضِ بنا بعد إلى حالة مستقرة، وبعضها ما تزال تعالج أطواراً عنيفة مفتوحة على الاحتمالات. ومن جهة أخرى، هناك التنافس المستعر على الأدوار الإقليمية والهيمنة بين عدة أطراف، والتي تلتقي مصالحها وتتفارق بطريقة مربكة. وفي هذه المنافسة، يحاول الجميع استثمار الفوران والواقع المتحرك الذي تتغيّر معطياته كل لحظة، ويكاد يستحيل القبض على لحظاته الهاربة.
وفي هذا المناخ، لعل أحد أهم العناوين الكبيرة التي تحتل صدارة مشكلات المنطقة، مسألة تقزيم دور إيران وحصتها المحتملة إيران من الكعكة الإقليمية. وبشكل لافت، يبدو العنوان الإيراني الآن وأنّه يتجاوز الملفات العربية جميعاً في الأهميّة. ويكتسب هذا العنوان أهميته البالغة، أولاً بسبب دخول العنصر النووي في الحسبة، كعامل حاسم وقادر على تغيير التوازنات، وثانياً بسبب كثرة الأطراف التي تتعقب العنوان الإيراني وتعتقد بأن لها مصلحة في كتابته بالطريقة التي تناسبها.
هناك أولاً، دولة الكيان التي ترى في إيران الثيوقراطية منافساً خطيراً على الهيمنة الإقليمية التي تعتبرها ضرورة وجودية ومن حقّها وحدها، خصوصاً إذا امتلك النظام الإيراني العنيد القدرة النووية، وأصبح يتساوى معها في قوة الردع. وهناك ثانياً، الدول العربية السنيّة التي ترى في صعود إيران الشيعيّة وتعزيز قدراتها العسكريّة تهديداً أيديولوجياً، وربّما احتمالات لخطف أدوارها التقليدية والتأثير على حريتها في اختيار التحالفات والولاءات، إضافة إلى استقواء مواطنيها من الأقليات الشيعية المحيدين غالباً، بدولة شيعية قوية. وهناك ثالثاً، الولايات المتحدة الأميركية، التي علمت بدأب في المرحلة الأخيرة على تصفية نقاط المعارضة الأضعف لهيمنتها العالميّة والتفرغ لمقارعة القوى الكبرى من جهة، والتي ترتهن قرارات إداراتها في السياسة الخارجية بآليات اللوبي الصهيوني الناجعة في شراء وابتزاز الرأي السياسي الأميركي، لمصلحة إدامة كيان الاحتلال في فلسطين.
ومع ذلك، يبقى حسم المسألة الإيرانية أبعد شيء عن السهولة فيما يبدو. ولم يسبق أنْ شاهدنا كثيراً تردد الولايات المتحدة نفسها في الذهاب كلّ الشوط وعلى الفور مع رغبات قادة الكيان الاحتلالي في فلسطين. ولدى مراقبة الجدال الدائر على كل المستويات تقريباً في مصانع القرار الأميركي ولدى دولة الكيان، نلاحظ أطروحتين يطورهما بالأسانيد المدافعون عنهما حول جدوى وضرورة الاشتباك في صراع عسكري مع إيران. ففي حين يعتقد معسكر الحرب بأنّ هذه اللحظة مناسبة أفضل ما يكون لحسم مسألة الطموح الإيراني النووي، وبالتالي طموحات إيران الإقليمية قبل إنجاز القنبلة والتلويح بها، يرى آخرون أن تداعيات فتح الصراع ليست مضمونة على الإطلاق، وربّما تفتح أبواباً سيصعب غلقها. بل ويعتقد البعض بأن إيرانَ نووية ستكون أكثر تعقلاً ولن تشكل أيّ تهديد حقيقي، مثلها مثل كل القوى الأخرى التي امتلكت قدرات نووية ولا تستعملها حُكماً.
في الحالَين، وسواء انتصر معسكر الحرب أو معسكر الدبلوماسية، فإننا لسنا بعيدين أبداً عن التأثر بالتداعيات. فنحنُ بلدٌ صغير واقع في قلب منطقة الصراع ومنخرط بالضرورة في شداته وتجاذباته. ولا شك أنّ إبقاء العين مفتوحة بكامل اتساعها على مكاننا في أيّ معادلات وترتيبات قد تحدُث، لا يقل عن مرتبة الضرورة الاستراتيجية، وأنّ سلوكنا السياسي الاستباقي سيحدد إلى حدّ كبير درجة استرخائنا أو عنائنا مع نوع الترتيب الذي ستسفر عنه الأحداث. وفي هذا الإطار، تكتسب مراقبة الوجهات في دولة الكيان المجاورة باتجاه فتح صراع أو عدمه أهميّة لا مفرّ منها لمساعدتنا في تحديد الكيفيّات التي نستعد بها للاحتمالات المقبلة. ويمكن أن نقرأ من وجهات الحوار الدائر هناك حول هذه المسألة أينَ نضع استعداداتنا الوطنية لمواجهة صراع إقليمي محتمل سيطالنا بشكل ما في قائمة اهتماماتنا ومواطن قلقنا الحاسمة.
ولذلك، وفي سياق مساعدة هذا التعقب الضروري لمآلات الحوار حول إيران، ننشر كلما أمكن أصواتاً من المعسكرين اللذين يقتتلان على خطف القرار المتعلق بكيفيات معالجة هذا الملف. وفي الفترة الأخيرة، تشتغل مجلة "فورين أفيرز" البارزة التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي على مشروع تشكيل حزمة من الاجتهادات التي ينتجها مفكرون ومتابعون مختلفون حول ملف إيران، تحت عنوان: "جدال إيران – نضرب أم لا نضرب؟". ومن ذلك، هذه المداخلة التي نشرتها المجلة على موقعها هذه وننشر ترجمتها أدناه، والتي يميل كاتبها فيما يبدو إلى تثبيط اندفاع قادة الكيان إلى الحرب. ولا يعنينا أن نتفق معه أو نختلف، بقدر ما تهمنا قراءة المرتكزات النظرية والطرق التي تدير بها مؤسسة دولة الاحتلال هذا الملف، وربما تعلّم شيئا عن الطريقة التي ينخرط فيها الأكاديميون هناك في الحوارات الهامية، وسويّة المداخلات التي يقدمونها عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات من مستويات يعتبرونها قوميّة. وتوخياً لأمانة الترجمة، لم نتدخل في التسميات والفرضيات التي استخدمها الكاتب، ومنها مثلاً اعتباره القدس المحتلة عاصمة لدولة الكيان، وإطلاق صفات "الإرهاب" على أعمال المقاومة.
نشر هذا الإيجاز على موقع مجلة "فورين أفيرز" -كما ذكر، بتاريخ 23 شباط (فبراير) 2012، تحت عنوان:
,What Happens After Israel Attacks Iran وهي من وضع أيهود إيران Ehud Eiran- الزميل الرفيع في إدارة العلاقات الدولية في جامعة حيفا في فلسطين المحتلة، وملحق هيئة التدريس في مبادرة التفاوض في الشرق الأوسط في برنامج التفاوض لكلية هارفارد للقانون. وهو مسؤول سابق في حكومة الكيان، والباحث السابق في مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد.

إيهود إيران
منذ ولادتها في العام 1948، نفذت إسرائيل عدة ضربات عسكرية وقائية ضد خصومها. وفي العام 1981 والعام 2007، دمرت المفاعلات النووية في كل من العراق وسورية، في عمليات لم تؤد إلى نشوب حرب. أما الآن، فيناقش الإسرائيليون إمكانية شن هجوم وقائي آخر -ضد إيران- والذي قد يؤدي إلى نشوب صراع أوسع.
والنقاش العام في إسرائيل حول ما إذا كان ينبغي أن تأمر القدس بتوجيه ضربة إلى البرنامج النووي الإيراني أم لا، هو نقاش صريح ومفتوح بشكل مدهش. ففي كثير من الأحيان، يناقش الساسة وصناع القرار الأسس الموضوعية لشن الهجوم في العلن. وعلى مدى السنة الماضية، على سبيل المثال، خاض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع أيهود باراك بانتظام وبصورة علنية مناظرات مع رئيس جهاز الموساد السابق مئير داغان، المعارض الأبرز لشن عملية إسرائيلية. لكن معظم النقاش تركز حول ما إذا كان يتعين على إسرائيل أن توجه الضربة، وليس على ما يمكن أن يحدث إذا فعلت –وبعبارة أخرى، النتيجة التي ستسفر عنها مثل هذه الضربة في "اليوم التالي".
وفي واقع الأمر، يقتصر التحليل الجاري في إسرائيل حول الآثار المحتملة لحملة قصف ضد إيران على نخبة صغيرة ومهنية، ومعظمها في الحكومة ووراء الأبواب المغلقة. وهذه الدائرة الحميمة التي لا تنظر في سيناريوهات "اليوم التالي"، تركز بشكل حصري تقريباً على ما يمكن أن يبدو عليه رد الفعل الإيراني المباشر، سواء صدر عن إيران نفسها أو من خلال وكلاء. وليس هذا مفاجئاً، بالنظر إلى أن إسرائيل يجب أن تقلق في المقام الأول وقبل كل شيء بشأن التداعيات العسكرية الفورية لهجوم إيراني مضاد مُحتمل. لكن واضعي السياسات الإسرائيلية، يتجاهلون بفعلهم ذلك العديد من الجوانب المحتملة الأبعد مدى للضربة: مدى استعداد الجبهة الداخلية في إسرائيل للتعامل مع الردّ؛ الخطوط العريضة لاستراتيجية خروج إسرائيلية؛ الأثر على العلاقات الأميركية-الإسرائيلية؛ التداعيات الدبلوماسية العالمية؛ استقرار أسواق الطاقة العالمية، والنتائج التي ستحدث في داخل إيران نفسها. وفي حال فشلت إسرائيل في مناقشة هذه العوامل علناً وأخذها في الاعتبار مُسبقاً قبل تنفيذ هجوم، فإن الأمر قد ينتهي بها إلى هزيمة استراتيجية، حتى لو استطاعت تحقيق أهدافها العسكرية الضيقة.
لقد فكّر المسؤولون الإسرائيليون بعناية وكثافة فيما يتعلق بالكيفيات التي تكون عليها التحركات الأولى من الصراع العسكري بين القدس وطهران. وقد عكس أفرايم كام، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ونائب رئيس معهد إسرائيل لدراسات الأمن الوطني، نوع التوافق العام في المؤسسة الأمنية، عندما كتب في التقييم الاستراتيجي للمعهد في العام 2010 أن إيران قد تستجيب باثنتين من الطرق الممكنة لعملية إسرائيلية: شن هجمات صاروخية على إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو من خلال المنظمات المتحالفة معها مثل حزب الله أو حماس؛ أو من خلال إطلاق هجمات إرهابية، تتجه إلى أهداف إسرائيلية في الخارج على الأرجح، والتي يشنها إيرانيون أو أفراد من تلك الجماعات الوكيلة.
وقد تشتمل استجابة إيرانية مباشرة على إطلاق وابل من الصواريخ من إيران على الأراضي الإسرائيلية، على غرار الصواريخ التي أطلقها العراق على إسرائيل خلال حرب الخليج الأولى. وقد مات مواطن إسرائيلي واحد حينذاك، ويبدو أن المسؤولين الإسرائيليين يقدرون أن الضرر الذي ستلحقه بإسرائيل ضربة إيرانية مماثلة سيكون أكبر، لكنه سيظل محدوداً. وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، قال أيهود باراك، في إشارة إلى انتقام إيراني مباشر تنفذه إيران نفسها أو وكلاؤها: "ليس هناك سيناريو لمصرع 50.000 شخص، أو مقتل 5000 مواطن- وإذا بقي الجميع في منازلهم، فإنه ربما لن يموت حتى 500 شخص". ويعكس هدوء باراك أيضاً تجربة إسرائيل السابقة في قطع الطريق أمام التهديدات النووية. فالعراق لم يرد على إسرائيل عندما دمرت منشآته النووية في العام 1981، مبدداً توقعات قيام القيامة التي تصوّرها عدة خبراء إسرائيليين قبل الضربة، كما التزمت سورية الصمت بدورها عندما قصفت إسرائيل مفاعلها الوليد في العام 2007.
لا يبدو صناع السياسة في إسرائيل أيضاً قلقين بشكل خاص إزاء احتمال رد فعل يقوم به حلفاء إيران بالوكالة. وهم يدركون أن حزب الله يستطيع أن يستهدف إسرائيل بعدد كبير من الصواريخ، كما فعل في العام 2006. ومع ذلك، وفي مقابلة أجراها بيرغمان رونين ونشرت في صحيفة "نيويورك تايمز" أواخر الشهر الماضي، قال عدة خبراء إسرائيليون أن احتمالات نشوب نزاع موسع مع حزب الله كانت مرتفعة مُسبقاً، بغض النظر عن خوض معركة محتملة مع إيران. ووفقاً لهذا المنطق، فإن الهجوم على إيران لن يفعل سوى تعجيل ما لا مفر منه، والذي ربما يكون خوضه في الواقع أسهل قبل، وليس بعد، حصول إيران على أسلحة نووية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن القيود والمحدّدات الجديدة التي تعمل الآن ضد حزب الله -والتي تشكل الثورة الجارية في سورية واحدة من أهمها- ربما تحد حتى من قدرة المنظمة على إلحاق أذى بإسرائيل في نزاع مستقبلي. وفي واقع الأمر، وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، أكد الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، استقلال الجماعة، وقال يوم 7 شباط (فبراير) أن "القيادة الإيرانية لن تطلب من حزب الله فعل أي شيء. في [حال شن هجوم إسرائيلي على إيران]، سوف نجلس، ونفكر، ونقرر ما سنقوم به".
وفي الوقت نفسه، ما تزال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على ثقة من أن إيران ووكلاءها سوف يواجهون مشكلة في إطلاق هجمات واسعة النطاق على أهداف إسرائيلية أو يهودية في الخارج. وكانت إيران وحزب الله قد فعلا ذلك بنجاح في الماضي، وبشكل ملحوظ في الرد على اغتيال إسرائيل للأمين العام لحزب الله في العام 1992 (حيث يشتبه بقوة بأنهما قد يكونان الطرفين المسؤولين عن الهجمات الانتحارية ضد السفارة الإسرائيلية ومركز للجالية اليهودية في بوينس آيرس في العامين 1992 و1994 على التوالي). ويتفق خبراء إسرائيليون، مثل "كام"، على أن هجمات مماثلة يمكن أن تحدث مرة أخرى في أعقاب شن هجوم على إيران، لكنهم يقولون إن قدرة طهران على الرد محدودة، على الأرجح بسبب معوقاتها الذاتية الخاصة، وكذلك القيود التي تفرضها الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب فيما بعد هجمات 11/9. وقد حصل هؤلاء على تأييد لنظريتهم في أواسط شهر شباط (فبراير) عندما قام عملاء إيرانيون، وفقاً لأدلة أولية، بشن هجمات خرقاء وفاشلة على أهداف إسرائيلية في جورجيا، والهند، وتايلاند، والتي أسفرت عن إصابة شخص واحد فقط في نيودلهي، وانتهت إلى الإذلال في بانكوك، حيث قام واحد من منفذي العمليات بنسف ساقيه بالصدفة.
وفي الكفة الأخرى لميزان هذه التهديدات، هناك الفائدة المرجوة من حملة القصف الإسرائيلي. ووفقاً لبيرغمان، فإن مجتمع وزارة الدفاع الإسرائيلية يقدر أن الحملة يمكن أن تحقق تأخيراً للمشروع النووي الإيراني لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات. لكنه في إطار تقديره المتفائل حول نجاح شن هجوم، وحول قدرة إسرائيل على ردع أي ردة فعل عليه، فشل، علناً على الأقل، في معالجة عوامل حاسمة عدة.
على الرغم من أن إسرائيل قد دعمت جاهزية جبهتها الداخلية منذ حرب العام 2006 مع حزب الله، فإنه يبدو أن عليها أن تفعل أكثر من ذلك بكثير لتجهيز البلد لهجمات الصواريخ والقذائف التي من المتوقع أن تتعرض لها بعد توجيه ضربة ضد البرنامج النووي الإيراني. وفي خطوة يتحدث الإسرائيليون الآن عنها بتهكم لاذع، غادر الوزير السابق للدفاع عن الجبهة الداخلية، متان فلنائي، منصبه في شباط (فبراير) ليصبح سفير إسرائيل لدى الصين. وقبل مغادرته، أثار فلنائي فورة غضب أثناء اجتماع اللجنة الفرعية للكنيست يوم 7 شباط (فبراير) بسبب الافتقار إلى جاهزية الوطن، وخلق حالة من الضجة والفوضى حدت برئيس الكنيست إلى إنهاء الاجتماع. وتكشف البيانات التي قدمت في تلك الدورة عن مصدر إحباط فلنائي: إن ربع جميع الإسرائيليين ليس لديهم المأوى المادي الأساسي والملاجئ الشخصية اللازمة لمواجهة إطلاق صواريخ مستمر. والأقنعة الواقية من الغاز، والتي تعتبر وسائل السلامة الأساسية ضد أيّ هجوم كيماوي، تتوفر فقط لما نسبته 60% من السكان. كما أن وزارة فلنائي السابقة ظلت تفتقر إلى القوة البيروقراطية اللازمة للحصول على الموارد والأموال اللازمة لتحسين الوضع. وعندما قامت إدارة نتنياهو بإنشاء هذه الوزارة مطلع العام الماضي، وصفها الصحفي الإسرائيلي عوفر شيلح بأنها "كذبة كبيرة"، لأنه "لا يوجد لديها سلطة، ولا ميزانية مستقلة، ولا القدرة على التأثير في الأولويات الوطنية".
ويصبح الافتقار إلى الجهوزية والاستعداد داخل إسرائيل مقلقاً أكثر في ضوء حقيقة أن المحللين الإسرائيليين صرفوا القليل من الوقت فحسب في مناقشة وضع استراتيجية للخروج. قد تطبّق الغارة الإسرائيلية نسخة من الهجمات السابقة ضد البرامج النووية العراقية والسورية، والتي لم تفض إلى نشوب صراع. أو، أنها ربما تتسبب، إذا جاءت على غرار الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982 من لبنان، في حرب طويلة الأمد. فتلك العملية التي كانت تهدف إلى إزالة التهديد الذي تشكله الجماعات الفلسطينية المسلحة في غضون يومين، استمرت بدلاً من ذلك مدة 18 عاماً، وأسهمت في تطور عدو جديد في شكل حزب الله. وبنفس الطريقة، لم تكن للتوغل الإسرائيلى فى لبنان في العام 2006 استراتيجية واضحة للخروج، وقد استمر الاشتباك لمدة 33 يوماً غير متوقعة، لينتهي أيضاً في حالة ارتباك. ومن دون إجراء مناقشة عامة وجديّة حول احتمال نشوب حرب طويلة مع إيران، فإن إسرائيل يمكن أن تدخل في صراع موسع، لا تكون فيه مستعدة لتوفير الدفاع اللازم لمواطنيها.
كما فشل القادة الإسرائيليون أيضاً في أن يتناولوا علناً تأثير توجيه ضربة إسرائيلية على العلاقات الأميركية الإسرائيلية. هناك، بالطبع، حديث كثير يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستتفقان على الحاجة إلى توجيه ضربة، وإذا حدث ذلك، فمتى ينبغي أن يتم التنفيذ. وحتى الآن، ما تزال القدس وواشنطن موحدتين، على ما يبدو، في معارضتهما للبرنامج النووي الإيراني، لكنهما ليستا متفقتين حتى الآن على توقيت القيام بعمل عسكري، بل لقد رفضت إسرائيل الالتزام بتحذير واشنطن مسبقاً قبل شن هجوم. وفي حال قامت إسرائيل بقصف إيران، فإنها يمكن أن تثير أزمة بسهولة، حتى لو أنها تكون قد حذرت الولايات المتحدة أولاً، وخاصة إذا ما ترتب على إدارة أوباما أن تتدخل. ومرة أخرى، يرجح أن التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي حول هذه القضية يستلهم حادثة 1981 من قصف المفاعل النووي العراقي. وحينذاك، أثار الهجوم حنق البيت الأبيض الذي أدانه، و، في العقاب عليه، علق تسليم بعض الطائرات إلى إسرائيل. ومع ذلك، وافقت واشنطن على الضربة بأثر رجعي، وأعادت، وحتى عززت علاقتها مع القدس -وهي العملية التي ربما يتوقع نتنياهو أن تعيد نفسها. وربما يحسب رئيس الوزراء أيضاً أن أوباما سوف يفضل، في عام الانتخابات، تجنب انتقاد إسرائيل علناً بعد شن هجوم.
وبالإضافة إلى ذلك، تلقى التأثير الدبلوماسي الأوسع لتوجيه ضربة إسرائيلية إلى إيران القليل من الاهتمام المفتوح أيضاً من جهة القادة. وقد أثار مدير الموساد السابق مئير داغان احتمال أن يفضي شن هجوم إلى تثبيط الضغط الدولي القائم على إيران، الذي بدأ الآن في ممارسة ضغوط شديدة على النظام، وستجعل من الصعب على ذلك التحالف إعادة التشكل في حالة إعادة إيران تشغيل برنامجها. وعلى العموم، مع ذلك، لم يواجه القادة الإسرائيليون هذا الاحتمال، ويظهر أنهم يضعون كل الثقة والإيمان في فعالية تأخير البرنامج النووي الإيراني من ثلاث إلى خمس سنوات، والذي يأملون بأن ضربة سوف تحققه.
أيضاً، وفي عداد الأمور المفقودة إلى حد كبير من التحليل العام الإسرائيلي، هناك مسألة الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها حملة القصف على أسواق الطاقة في جميع أنحاء العالم. وكبلد صغير ذي منظور عالمي محدود، نادراً ما تحتاج إسرائيل إلى أن تنظر في التأثير الدولي لأعمالها. وقد اتجه المحللون الإسرائيليون القليلون الذين نظروا في هذه المسألة إلى التهوين من نية إيران، وقدرتها أيضاً على تنفيذ تهديدها بإغلاق مضيق هرمز. وفي الشهر الماضي، على سبيل المثال، جادل عاموس يادلين، المدير السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ويوئيل غوزانسكي، الرئيس السابق لمكتب إيران في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، في ورقة لمعهد دراسات الأمن القومي، بأن من المشكوك فيه جداً أن تعمد إيران إلى إغلاق الممر المائي.
ويمتد غياب المنظور في الحوار الإسرائيلي الدائر أيضاً إلى عدم تأمل ما يمكن أن يحدث داخل إيران بعد الضربة. ونادراً ما يشتمل الخطاب العام حول الهجوم على أي نظر في ما إذا كانت حملة قصف سوف تحشد الإيرانيين خلف القيادة الحالية وتدفعهم إلى الالتفاف حولها، مما يقوض أي فرصة لتغيير النظام، والذي ربما يكون ضرورياً في نهاية المطاف لوضع حد للتهديد الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني. وما تزال إسرائيل غير مستعدة لتقدير ما إذا كان توجيه ضربة سيضر أو سيساعد قضية المنشقين المعارضين في إيران؛ ويبدو أن فشلها في التنبؤ بالربيع العربي قد قلل من ميلها إلى إنتاج مثل هذه التوقعات.
وهكذا، نجد أن هناك فجوة في النقاش الإسرائيلي القائم حول إيران. وعلى الرغم من أن خبراء إسرائيليين يركزون بشكل كثيف على التداعيات الفورية التي ستنجم في "اليوم التالي"، فإنهم يهملون، مع بعض الاستثناءات القليلة، تأمل التداعيات الأوسع للهجوم. وهكذا، وفيما ينطوي على مفارقة، وفي صميم هذه الحسابات النخبوية والعلمية المتعلقة بشن هجوم على إيران وتداعياتها، ثمة نوع معين من الإيمان بالقضاء والقدر. وهو يقوم على الثقة التقليدية التي يضعها الإسرائيليون في قادتهم، وعلى شعورهم بأن إجراء نقاش مفتوح يمكن أن يلحق في الحقيقة ضرراً بالمصالح الإسرائيلية. لكن الافتقار إلى وجود مناقشة عامة، سوف يترك إسرائيل في حالة وقوع هجوم مشلولة اليدين، سواء في قدرتها على الضرب أو الدفاع عن نفسها.
وبشكل خاص، يترك عدم وجود مناقشة مفتوحة قوات الدفاع الإسرائيلية لتكون وحدها المصدر الرئيسي للمعلومات والتحليلات حول توجيه ضربة. وربما يخفق جيش الدفاع الإسرائيلي، نظراً لتركيزه الضيق على الجوانب العسكرية للهجوم، في أن يضع في اعتباره بشكل كامل تلك التداعيات السياسية والدبلوماسية المحتملة للضربة. ويمكن لمزيد من المناقشة العامة أن تعزز موقف أولئك في المؤسسة البيروقراطية، ممن يحثون الحكومة الإسرائيلية على وزن تلك العوامل الأخرى بعناية، تماماً مثلما تفعل مع التخطيط العسكري. ويمكن لارتفاع تلك الأصوات منع القادة الإسرائيليين من العمل على أساس معلومات محدودة وافتراضات خاطئة. وإذا كان التاريخ يقدم أي دليل يمكن الاسترشاد به، فإنه يمكن لصناع السياسة الإسرائليين الاستفادة من مثل هذا التوسيع للنقاش. فقد بدأ غزو إسرائيل الكارثي للبنان في العام 1982 بخطة حرب لم يفحصها الجمهور ولم يشارك في مناقشتها. وانتهت تلك العملية بعد ضغط ساحق من المجتمع المدني، بعد أن استغرقت ما يقرب من عقدين من الزمن. ولتجنب حدوث خطأ استراتيجي مماثل في مواجهة البرنامج النووي الإيراني -إما نتيجة لشن هجوم، أو نتيجة إخفاق في شنه- فإن على إسرائيل أن تمنح الجمهور حصة في النقاش الدائر حول "اليوم التالي"، في وقت أبكر مما هو كائن.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق