مع ثوار سورية: زيارة لورشة صانع للقنابل

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً
  • سوريون يطالبون بالحرية - (أرشيفية)

رانية أبو زيد — (مجلة تايم) 15/2/2012
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يصفونه بالجنية -أو المجنونة. ولا يبدو الأنبوب المعدني صدئ اللون الذي يبلغ ارتفاعه 60 سنتيمتراً شيئاً قريباً من ذلك. لكن ما يهم هو ما بداخله: 2 كغم من المادة الحبيبية الصفراء المتفجرة، الموصولة بجهاز تفجير من الممكن تشغيل فتيله عن بعد.
وتأمل حفنة من أعضاء الجيش السوري الحر الذين يتجمعون في هذا البيت الآمن على الحدود السورية التركية في أن يساعد جهاز التفجير البدائي هذا في التغلب على الصعوبات نوعاً ما، فيما أصبح حرباً أهلية بشعة ومرعبة إلى حد كبير في سورية.
وفي هذا اليوم، جمعت ثماني إسطوانات بشكل مرصوص في واحدة من الغرفتين في هذا البيت المتداعي، حيث لا يوجد تيار كهربائي. ويقع البيت وسط اللامكان (طلب من التايم عدم تقديم أي تفصيلات إضافية عن موقعه). أما صانع القنابل، الرجل القصير الملتحي في الملابس المدنية وقفازات من (اللاتكس)، والذي بدأ في أوائل الأربعينيات من العمر، فقد نفث الدخان من سيجارته فيما كان يستعد لما وصفه بأنه إعداد "وصفته الخاصة". ولم يشأ الرجل أن يعطي اسماً، ولا حتى مستعاراً، وكان قد تعلم صنعته في الجيش، كما قال، حيث كان مهندس تفجيرات في "زمن حياة أخرى" مضى. ومنذئذ، أضفى تحسينات على مهاراته "هنا وهناك،" وتحول إلى مدني "لفترة طويلة من الوقت".
وكانت هذه أول دفعة من أجهزة التفجير البدائية التي جمعتها هذه المجموعة من المنشقين العسكريين السوريين وشركائهم المدنيين. وقال ضابط سابق بينما كان يتفحص الأجهزة: "لقد دأبنا على هذا العمل منذ وقت طويل." وأضاف: "لقد استغرق الأمر القليل من الوقت حتى توصلنا إلى مزيج المواد الصحيح. كان الأمر يعتمد قاعدة التجربة والخطأ، والرجوع إلى بعض الأمور في الإنترنت." وكان قد تم اختبار متفجرة بوزن 200 غرام في اليوم السابق. وقال الضابط السابق: "لقد دمر شجرة." وأضاف: "إن واحدا من هذه الأجهزة يجب أن يتكفل بنسف دبابة." وتوجد الدبابات التي يراها الثوار على مد بصرهم في محافظة إدلب السورية الشمالية، وهي منطقة تشتمل على البلدتين المتوترتين، جبل الزاوية وجسر الشغور، اللتين ما انفكت القوات النظامية السورية تقصفهما بين الفينة والأخرى لعدة شهور.
وكانت المعارضة السورية -السياسية والعسكرية في داخل سورية وفي المنفى على حد سواء– قد طلبت من القوى الأجنبية والأمم المتحدة المساعدة في إقامة منطقة فاصلة. وتراهم يستخدمون في ذلك مصطلحات مختلفة -تارة منطقة محررة، وتارة ممرا إنسانيا، وطورا منطقة حظر طيران، وبنغازي السورية- لكن الفكرة هي نفسها: مساحة من الأرض خارج نطاق سيطرة الرئيس بشار الأسد، والتي يمكن أن تكون بمثابة مقر رئيسي لأعدائه.
وإذا قدر لهذه المنطقة أن تقام -وثمة شكوك كبيرة في ذلك على ضوء أن المجتمع الدولي ما يزال يظهر القليل من الرغبة في إقامة وحماية مثل هذه المنطقة- فإن من المرجح أن يجري تحديدها على طول الحدود التركية. فبعد كل شيء، فإن حكومة لبنان التي يهيمن عليها حزب الله مصطفة بقوة إلى جانب سورية. وإلى الشرق، ثمة وسطاء القوة في العراق ذي القيادة الشيعية وحلفاؤهم الإيرانيون الذين لن يتسامحوا على الأرجح مع وجود مثل هذه المنطقة الفاصلة بالقرب من حدودهم، خاصة وأنها ستحد المناطق الكردية المتوترة أو المناطق السنية. وفي الأثناء، يبقي الأردن عينه مفتوحة على أي شكل من أشكال الانشقاق، بالإضافة إلى أن أي منطقة يسيطر عليها الثوار في الجوار قد تزعزع استقرار البلد، خاصة وأنه منشغل بالتعامل مع الفعاليات الصغيرة لديه، والمنبثقة عن الربيع العربي. أما الحدود السورية الأخرى فهي مع إسرائيل.
 وتقول دزينة الرجال أو نحو ذلك من الموجودين في البيت الآمن، والذين يرتدي بعضهم قطعا من أزيائهم العسكرية القديمة، بينما يرتدي آخرون ملابس مدنية، أنهم لا ينتظرون -أو يتوقعون- المساعدة من أي أحد، بمن في ذلك قائد الجيش السوري الحر، العقيد رياض الأسعد، الموجود مع ضباط آخرين قيد التحفظ في معسكر في جنوبي تركيا وتحت الحماية التركية. ويقول رقيب من الموجودين: "إننا نشكره هو والضباط الآخرين على انشقاقهم،" ثم يقول وهو يشير إلى نقيب: "لكن هذا هو قائدي."
ويقول منشق آخر، وهو يشرح أنهم لم يتلقوا أي خبرة فنية من العرب الآخرين أو من أي أحد آخر: "نحن أيتام." لكن ضابطاً آخر من رتبة أقل يضيف: "كلا. إن الله معنا... والله هو جل ما نبتغي."
ليس هذا هو محصول أجهزة التفجير البدائية الأول من نوعه الذي يستهدف القوات الموالية للنظام في المنطقة. فهناك في انطاكية، هناك مجند سني يبلغ من العمر 21 عاماً كان قد انشق قبل أسبوع من جبل الزاوية، والذي ما تزال توجد شظية في يده اليسرى نتيجة لانفجار قنبلة سيارة يقول إن الجيش السوري الحرّ كان قد زرعها ضد وحدته الموالية. ولا يعرف ما إذا كانت تلك القنبلة قد أسفرت عن قتل أحد، فقد نُقل على جناح السرعة إلى مستشفى حلب للعلاج. وعند إخلائه من المشفى، انشق بدلاً من أن يعود إلى وحدته في القوات الخاصة- الفرقة الرابعة. ويقول عن المواجهات بين الجيشين المتزاوجين على نحو غير متناسب: "أصبحت الاشتباكات أكثر حدة." ويضيف: "كنت خائفاً من الجيش السوري الحرّ، لكنني الآن أشعر بالفخر لأنني واحد منهم."
لم تخرج الجنية من القمقم، ولم تستخدم في الميدان بعد، لكن كل الرجال يعتقدون بأنها ستكون قادرة على نسف دبابة. ويتابع بعضهم صانع القنابل وهو يخرج المادة المتفجرة ويسكبها في إسطوانة. وخارج الغرفة، توجد منثورة في الفناء عدة أمتار من الأنابيب الصدئة خارج بيت الخزين القديم، في انتظار تجهيزها. وللآن مع ذلك، كان صانع القنابل يركز على الاسطوانات الثماني أمامه، وقال: "أعذروني،" قبل أن يخرج الآخرين من الغرفة، "إن لدي الكثير من العمل لإنجازه."


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:With Syria's rebels: A Visit to a Bomb Bombmaker’s Factory

[email protected]

التعليق