"إنّ الله قد أذهب عنكم عبّيّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها"

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

لمّا كانت إرادة الله بأن هذا الدين هو الخاتم والباقي، وهو الوحيد العالمي للناس كافة، كان لا بد من توضيح أهم جزئية متعلقة بميزان التفاضل بينهم. إذ يستوي في هذا الدين العربي والعجمي، والأبيض والأسود، بل ربما رجح ذاك على هذا لتقواه وعلمه. ولو بقي الناس في دائرة النظرة القبلية الضيقة، لفسدت العلاقات وتعددت الطبقات وتشتت الولاءات داخل المجتمع الواحد. والمصيبة أننا في التنظير نعلم أن الميزان هو التقوى، ولكننا سرعان ما نميل إلى الموازين الجاهلية التي نهانا الله ورسوله عنها. ومما جاء في هذا النهي قوله صلى الله عليه وسلم، وقد خطب الناس يوم فتح مكة فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ. قَالَ اللَّهُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (أخرجه الترمذيّ). والعُبيّة هي الكبر والفخر.
إن الحضارات الحقيقية هي التي يسودها العدل، وهي التي تقدّر الإنسان لعطائه وعلمه وانتمائه، وهي التي تزيل الحواجز بين البشر وتترك مجال التنافس الحقيقي بينهم في الإبداع. والإسلام لم يقف عند التنظير في هذه المسألة، بل كان مثالاً عمليا مطبقا، أبدع فيه العجمي ونهض به المملوكي وانتصر له الكردي وغدا فيه سلمان الفارسي من آل البيت. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُرى في مسيره بين اثنين أسودين، هما بلال وأسامة؛ وهذا عطاء الأسود الأفطس فقيه مكة. إنه دين حطم معايير الجاهلية كلها، سما بالإنسان في قيمته الحقيقية وهي التقوى وما يتبعها من عطاء وانتماء.
ينهانا الله أن نسخر من بعضنا، أقواما وأفرادا: "لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الحجرات، الآية 11). وقال صلى الله عليه وسلم عن العصبية: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" (رواه البخاري). وكل هذا ليعزز ما هو أهم من التفاخر الذي يودي بصاحبه إلى العجب والكبر؛ ليعزز الحب والعطاء بين الناس. وما أجمل قول الشاعر:
لعمُركَ ما الإِنسانُ إِلا بدينهِ 
فلا تتركِ التقوى اتكالاً على النَّسَبْ
فقد رفعَ الإسلامُ سلمانَ فارسٍ
وقد وَضَعَ الشِّرْكُ الشريفَ أبا لهب
ويقول أبو العتاهية:
أَلاَ إنّما التَّقْوَى هو العزّ والكَرَمْ
وحُبُّك للدّنيا هو الفقر والعَدَمْ
وليس على عبدٍ تَقِيٍّ نقيصةٌ
 إذا صحّح التّقوى وإِن حاك أو حَجم
ولمّا فاخر أبا العتاهية رجلٌ من كنانة، واستطال الكناني بقوم من أهله، قال أبو العتاهية:
دَعْنَي من ذِكْرِ أبٍ وجَدِّ
 ونَسَبِ يُعْلِيكَ سُورَ المجدِ
ما الفخرُ إلا في التُّقَى والزُّهدِ
 وطاعةٍ تُعطي جِنَان الخُلْدِ
ومن مصائب التفاخر بالأنساب أنها قد تؤدي إلى التراخي عن اكتساب الآداب والفضائل، اتكالاً على النسب. وهنا نستذكر قول ابن الرومي:
وما الحسَبُ الموروث لا درَّ درُّه
 بمحتسب إلا بآخر مكتسَبْ
فلا تتكل إلا على ما فعلته
 ولا تحسبن المجد يورَث بالنسبْ
فليس يسود المرءُ إلا بنفسه
 وإن عد آباءً كراماً ذوي حسبْ
وللمجد قومٌ ساوروه بأنفس
كرام ولم يعبوا بأمّ ولا بأبْ
وأعجب من مجتمعات أنها رغم بعدها عن القيم الدينية، إلا أنها رفعت قدر الإنسان وساوت بينه وبين بني جنسه، بل ربما حكم فيها شخص من أصول بعيدة. كما لم تفرق بين لون أو عرق. أليس الدين في عمومه أوْلى بهذا، وديننا على وجه التحديد؟ أنا لا أعيب إلا تصرفاتنا التي تنكبت طريق الحق، وأبعدتنا شيئا فشيئا عن روح هذا الدين العظيم وتشريعه، حين ينسى أحدنا يوم أن يقف بين يدي الله ليسأله عن عمله، فماذا يجيب؟ أيقول: أنا ابن فلان ومن عشيرة كذا؟ يا له من موقف حين نتذكر قوله تعالى: "يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (عبس، الآيات 34-37)؛ كلٌ مشغول بنفسه من هول القيامة، وينتظره عدل الله في محاسبته على ما قدّم. وقد كثر في القرآن قوله تعالى: "جزاء بما كانوا يعملون"، أو "بما كنتم تعملون". وما أجمل قول الشاعر وهو يبين حقيقة قيمة الإنسان:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
 يغنيك موروثه عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنذا
 ليس الفتى من يقول كان أبي
وأنا أتعمد ذكرها هنا لأن التفاخر عاد من جديد؛ في جامعاتنا، وفي طرقاتنا ومدننا وقرانا ووسائل إعلامنا. ولو فتشت عن أصول هذا وعروق ذاك، فربما رجعوا إلى جد واحد، ونحن في النهاية إخوة في الإنسانية نرجع لأبينا آدم، فلنكفّ عن عُبيّة الجاهلية، ولنبحث عن الشرف الحقيقي. ومما ينسب إلى علي رضي الله عنه:
لكل شيء زينة في الورى
 وزينة المرء تمام الأدبْ
قد يشرف المرء بآدابه
 فينا وإن كان وضيع النسبْ
والشافعي يؤكد هذا المعنى فيقول:
لا يعجبنك أثواب على رجل
 دع عنك أثوابه وانظـر إلى الأدب
فالعود لو لم تفح منه روائحه
 لم يفرق الناس بين العود والحطب
ولعل الصورة الأقبح هي في اجتماع النسب مع الجهل، وفي هذا يقول الشاعر:
العلم ينهض بالخسيس إلى العلا
 والجهل يقعد بالفتى المنسوب
دعوة إلى الناس كافة، وإلى الشباب على وجه التحديد، أن يبحثوا عن قيمتهم الحقيقية، عن وسائل عزتهم وسؤددهم. وإن سادت مفاهيم جاهلية لها أصحابها ولهم مقاصدهم الخسيسة، فلنرتفع نحن بأخلاقنا وعلمنا وأدبنا وديننا، وفي هذا خدمة لأوطاننا وأمتنا، في أمنها من جهة، وعطائها من جهة أخرى، فإن كنا نزاحم الأمم في الارتقاء، فلنبحث عن وسائل حقيقية للارتقاء، أو لنبقَ نعيش بين اللوم والنوم.


* عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (عمر الجمال/ فلسطين)

    الخميس 1 آذار / مارس 2012.
    بداية أشكرك على مقالك البليغ الذي يثلج الصدر بكلماته و مضمونه, و أدعوك كعميد في الجامعة ان تصدر كتيبات تحتوي هذة الأفكار القيمة و تمررها بين الطلبة لأنهم في أشد الحاجة لها, و لك جزيل الشكر.
  • »من يعلق الجرس (منذر المفالحة)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2012.
    كلام جميل ونحن بحاجة ماسة له, حيث نعاني جميعا من الاعتماد على الاصول والمنابت والتاريخ والجغرافيا في توزيع المناصب والمواقع ولايوجد اي مقياس للكفاءة والجدارة والعلم والخبرات - ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم