الاندفاع نحو المواجهة

تم نشره في السبت 11 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

معاريف

نداف ايال

10/2/2012

مشوقة هي متابعة دبلوماسية الظلال للمواجهة المقتربة مع ايران. فهي تتراوح بين التصريحات الرسمية والاحاديث الى وسائل الاعلام، ومن هناك الى التضليل الاعلامي بل واحيانا الى زلات اللسان. بشكل عام، الولايات المتحدة واسرائيل اجتهدتا في السنة الأخيرة لخلق بنية تحتية لـ "تهديد عسكري مصداق" على طهران بحيث يفهم الايرانيون بشكل كامل الآثار المحتملة لاستمرار تطوير النووي العسكري. من "كل الخيارات على الطاولة" وحتى "لن تكون لإيران قنبلة"، سلسلة من التصريحات (والخطوات أيضا) لإيضاح مصداقية التهديد باستخدام القوة. هذا التكتيك موضع خلاف، كما ينبغي القول. مئير دغان، مثلا، يعتقد أن بالذات المبالغة في التهديدات العسكرية كفيلة بأن تدفع طهران نحو الزاوية وتحثها على "تحطيم الأواني". موقفه لم يؤخذ به حتى الآن. الولايات المتحدة واسرائيل تفعل كل شيء كي تدفع الايرانيين الى الزاوية، انطلاقا من الايمان بأنه بدون ذلك لن يكون لها ما يدعوها الى المساومة. ولكن في اطار هذا التكتيك ايضا توجد نبرات حادة.
مثلا قصة "واشنطن بوست". وزير الدفاع الاميركي، كما قضى الكاتب الكبير دافيد ايغناشيوس، يؤمن بأن اسرائيل قررت ان تهاجم في الربيع المقبل وستفعل ذلك. ايغناشيوس لم يأت باقتباس مباشر عن الوزير بانيتا، ولكن ما كان يحتاج لان يفعل ذلك؛ فقد رافق وزير الدفاع الاميركي في زيارته الى بروكسل. والنبأ لم ينفَ.
الآن توجد عدة احتمالات: إما ان يكون بانيتا قال ذلك لأنه يؤمن به ولم يقصد نشره، او أن يكون قال ذلك وهو لا يؤمن به – وبالذات قصد أن ينشر. العقل الذكي سيفترض على الفور أن الحديث يدور عن تسريب مرتب. الاميركيون يريدون للايرانيين أن يخافوا وبالتالي فإنهم يهددون بالسوط الاسرائيلي وبالهجوم. أو ربما الاميركيون يعرفون موعدا آخر للهجوم ومعنيون بتضليل طهران، أو انهم يكشفون هذا التفصيل لإحباط النوايا الهجومية لاسرائيل. بالطبع يوجد المزيد من الاحتمالات: ان يكون بانيتا تحدث بحرية أكثر مما ينبغي.
أو ربما الصحفي ايغناشيوس اعتقد ان ما يقال على سبيل الخلفية هو عمليا نوع من "لغير السجل"، للكتابة ولكن ليس للاقتباس. التخمينات لا نهاية لها، ولكن هذا الاقتباس كان في كل الاحوال سيئا: سيئ للمساعي الدبلوماسية العالمية (اذا كانت اسرائيل قررت، فلماذا نبذل الجهد)، سيئ للولايات المتحدة (التي لا يمكنها أن تؤثر على ما يبدو على القدس) وسيئ لاسرائيل، اذا كانت هذه تخطط للهجوم في آذار (مارس).
كل هذا لم يعد يغير في الأمر من شيء، لأنه في هذا الاسبوع جاء جواب البيت الابيض. الرئيس اوباما منح مقابلة لـ"ان.بي.سي" واضطر الى القول صراحة بانه لا يعتقد أن اسرائيل قررت. وقد ناقض ما نسب الى وزير دفاعه. ضربة شديدة الى العقول الذكية التي أبدا لا تفترض ان يحتمل لمن يأخذ القرار أن يزل اللسان.
كانت هناك ضربات شديدة اخرى هذا الاسبوع. مثلا الضربة للمعتقد المتفائل بأن الايرانيين سيلين موقفهم امام وكالة الطاقة الذرية فيقدمون لها المفتاح لبدء الحل. فقد فعلت طهران كل شيء كي تخلق هذا الانطباع في نظر بعثة المراقبين التي زارت هناك مؤخرا. وحسب الانباء ما قبل الزيارة، فلأول مرة يبدي الايرانيون الاستعداد للحديث عن الادعاءات الملموسة والتي بموجبها ينشغلون في محاولات ترمي الى اعداد منشأة عسكرية.
هذا الاسبوع تبين أن الزيارة في طهران انتهت بفشل دراماتيكي. فبعد يومين ناجحين نسبيا من المباحثات، تقررت فيها خريطة طريق لمواصلة الطريق الدبلوماسي، جاءت الضربة. الايرانيون، يوم الثلاثاء، عرضوا على الفريق المفاوض نيابة عن الوكالة مغلفا وفيه اقتراحهم لمواصلة الاتصالات. طريقة عرض الوثيقة كانت غريبة، على أقل تقدير. وقرأ المراقبون وذهلوا. وقال هذا الاسبوع مصدر دبلوماسي في فيينا "فهمنا انهم يريدون فقط كسب الوقت في هذه الاتصالات". ستكون هناك جولة اخرى من المحادثات. بعدها، اذا لم ترجع روسيا والصين برد مفاجئ، فإن الإمكانات آخذة في التبلور.
في النهاية، هذا موضوع ثقة. الولايات المتحدة تقول لاسرائيل: لا تهاجموا الآن. اذا ما حطم الايرانيون فجأة اختام وكالة الطاقة الذرية، اذا ما ركضوا نحو القنبلة، فكلنا سنعرف. اذا ما حصل هذا، يقول الاميركيون، فإننا نتعهد بالعمل. هكذا قال اوباما، وهكذا قال بانيتا. وفي واقع الحال، يطرح السؤال: لماذا لا؟ اذا كانت القوة العظمى العسكرية الأقوى في العالم تعد بالعمل عندما تكون حاجة، فلماذا استباق الحدث؟
ماذا ترد اسرائيل؟ هذا يمكن تخمينه فقط. اذا ما حصل هذا، تقول ربما اسرائيل لاميركا، فسيكون هذا متأخرا. لن نعرف كم ستكون العملية ناجعة. سباق التسلح النووي في الشرق الاوسط يكون قد بدأ. كي يتوقف على الايرانيين ان يوقفوا قبل أن يركضوا نحو القنبلة وبالطبع ليس مجديا الاستخفاف بالاقتناع الذاتي السياسي لأصحاب القرار ممن خطبوا وروجوا على مدى السنين في موضوع التهديد الايراني.
في مسألة كم يثق باراك ونتنياهو بالاميركيين؟ والى أي حد ما يصدقونه بأنهم عند الحاجة سيعملون وسيعملون بسرعة، وسيتجاهلون الاعتبارات الفورية للنفط وللسياسة الداخلية. اذا كانا يصدقان اميركا، فمن الصعب أن نفهم لماذا يجدي لأصحاب القرار عندنا أن يعملوا الآن. وفي الحساب الشامل من الافضل الانتظار الى أن يقوم الاميركيون بالعمل، في حالة تحطيم الايرانيين للأواني. واذا لم تكن هناك ثقة، من جهة اخرى، فإن هجوما اسرائيليا من جانب واحد يصبح سيناريو أكثر معقولية بكثير. مرة اخرى، مسألة ثقة.
في وابل الانباء عن سورية ضاع هذا الاسبوع التقرير الذي نشرته منظمة "امنستي" عن الوضع في دارفور، ولاسيما توريد السلاح لهذا النزاع الدامي.
في واقع الأمر من سورية وحتى السودان، هذه ذات القصة. سلاح روسي، صيني وبلروسي، كما تقول "امنستي" يشعل نار اعمال الحكومة والميليشيات العنيفة في دارفور. الصينيون والروس يزودون السلاح بمعرفة واضحة بأنه سيستخدم للعمل في اقليم دارفور. وضمن امور اخرى يدور الحديث عن بنادق، صواريخ جو - أرض، مروحيات روسية، طائرات سوخوي - فخر الصناعة الروسية. وهي كلها تورد الى الدولة التي على رأسها يقف شخص مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة الجرائم ضد الإنسانية.
النظام البوتيني الذي يورد الاسلحة لعائلة الأسد، وكذا للايرانيين هو مورد مركزي لأدوات القتل في اطار الحرب المستمرة في دارفور. في العام 2011 فقط فقد هناك نحو مائة الف شخص منازلهم، ولكن موسكو لا يهمها الامر، بالضبط مثلما لا يهمها سكان حمص او الطريقة التي تتخذ فيها الصورة في أرجاء العالم. عقل شكاك حتى كان كفيلا بأن يعتقد أن هذه ما تريده روسيا، في واقع الامر؛ حروب طويلة ودامية توفر الكثير من العمل لصناعاتها العسكرية، والتي خلافا لتلك الغربية ليست محصورة بقرارات الامم المتحدة وبالأمور الأخلاقية.
لقد فشل بوتين في محاولة اعادة روسيا الى مكانتها كقوة عظمى مثلما في عهد الاتحاد السوفييتي، ولكنه نجح في أمر واحد: العثور على رؤيا جديدة بعد سقوط الأيديولوجية السوفييتية. الرؤيا البوتينية لروسيا الجديدة هي على ما يبدو قوة عظمى لتجار سلاح. اذا استمرت الامور مثلما هي عليه، فإن هذه رؤيا فتاكة بقدر لا يقل، وربما اكثر، من رؤيا الإمبراطورية الشيوعية.

التعليق