اقرأوا السلام على السلام الجديد

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

هآرتس

أري شبيط

9/2/2012

أصبح واضحا الآن أن السلام القديم مات. في البدء أُصيب السلام القديم إصابة طفيفة. بعد أن سلمت إسرائيل الفلسطينيين قطاع غزة انفجرت حافلة أولى في ميدان ديزنغوف. وبعد أن سلمت إسرائيل الفلسطينيين نابلس ورام الله انفجرت حافلات في مركز القدس ومركز تل أبيب. وبعد أن اقترحت إسرائيل على الفلسطينيين إنشاء دولة ذات سيادة في أكثر المناطق المحتلة ردوا بهجوم. وحينما انتشر مسلحون في شوارع مدننا تسللت إلى القلب فكرة أنه ربما يوجد عيب ما في وعد السلام الكبير.
بعد ذلك أُصيب السلام القديم إصابة متوسطة. فبعد أن انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان أُنشئت في لبنان قاعدة صواريخ شيعية تهدد كل نقطة في البلاد. وبعد أن انسحبت اسرائيل من غوش قطيف أُنشئت في غزة دولة لحماس مسلحة هاجمت الجنوب. إن الانسحابين الجريئين من طرف واحد -والمحقين- أثمرا نتائج صعبة. حينما سقطت صواريخ القسام في سدروت وسقطت صواريخ غراد في أسدود وأصابت صواريخ الفجر حيفا، بدأ يثور في الأحشاء خوف مما يتوقع لنا بعد الانسحاب الكبير.بعد ذلك أُصيب السلام القديم إصابة شديدة. جلست تسيبي لفني الى أبو العلاء سنة كاملة لكن أبو العلاء لم يوقع على شيء. وعرض إيهود أولمرت على أبو مازن القدس لكن أبو مازن اختفى. إن حقيقة أن الفلسطينيين الأشد اعتدالا أداروا ظهورهم لاقتراحات السلام الإسرائيلية الأكثر سخاء أثارت ريبة غامضة في نواياهم. أهم مستعدون حقا لتقسيم البلاد لدولتين لشعبين تعيشان بسلام الى جانب بعض؟
بعد ذلك أُصيب السلام القديم إصابة خطيرة. فبعد أن تلقى اسرائيليون عقلانيون ومعتدلون ما لا يحصى من الضربات فقدوا إيمانهم بالمصالحة. وبرغم أنهم كانوا ما يزالون مستعدين للخروج من المناطق ولتقسيم القدس، فقد شعروا بأنه لا يوجد من تُسلم إليهم المناطق ولا يوجد من تُتقاسم القدس معهم. ولهذا ضاقوا ذرعا ببرنامج العمل السياسي واتجهوا الى برنامج العمل الاجتماعي الاقتصادي. وقد فقدوا الحماسة التي مكّنتهم في الماضي من مكافحة اليمين والمستوطنين. إن اليأس الإسرائيلي من السلام صفع السلام بقدر لا يقل عن صفع الرفض الفلسطيني إياه.
لكن السلام القديم مات الآن. مات. فالثورة الإسلامية في مصر تسلب وعد السلام مرساته الجنوبية. والقمع الفتاك في سورية يسلب وعد السلام أفقه الشمالي. والتقارب التدريجي بين فتح وحماس يسلب وعد السلام محوره المركزي.إن كل إنسان عيناه في رأسه، ينظر في الواقع الذي ينشأ حولنا، يفهم اليوم ما لم يُفهم تماما قبل سنة وهو أن اليقظة العربية أماتت المسيرة السياسية. لن يكون في السنين المقبلة لأي زعيم عربي معتدل ما يكفي من الشرعية وما يكفي من القوة ليوقع على اتفاق سلام مع إسرائيل. إن ما أملنا به منذ سنة 1967 وما آمنا به منذ 1993 لن يقوم ولن يوجد. ليس الآن. وليس في هذا العقد.
إن موت السلام القديم النهائي هو من النتائج الخطيرة لسنة 2011. فبغير أمل سلام يزداد خطر التدهور في المنطقة الفلسطينية. وبغير مسيرة سلام يعظم خطر اشتعال في الشرق الأوسط. وبغير أفق سلام يقوى الاحتلال ويثبت ويهدد بأن يدفننا جميعا.
لهذا فإن موت السلام القديم يوجب تفكيرا خلاقا في سلام جديد. سلام لا يكون فورا بل على مراحل. سلام لا يكون نهائيا بل يكون جزئيا. سلام لا يكون قائما بالضرورة على اتفاقات موقع عليها. سلام يستخلص دروسا من فشل السلام القديم ويلائم نفسه مع الواقع التاريخي الجديد العاصف.
لن يكون السلام الجديد سلام حلم. ولن يكون سلام نهاية الصراع بل لن يكون سلام نهاية الاحتلال. ولن يكون سلام أخوة وتقدم وقيم سامية. لكن السلام الجديد المتواضع ربما يُمكّننا من أن نشق طريقنا في العاصفة الكبيرة ومن أن نُدير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ونخفف من حدته. وربما يمنح السلام الجديد المركز واليسار في إسرائيل برنامج عمل سياسيا ذا صلة. فبعد أن مات السلام القديم يجب أن يحل محله سريعا سلام جديد وواقعي.

التعليق