تحليل اقتصادي

الاستيلاء على التنمية المستدامة

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

تارجا هالونين؛ جاكوب زوما*
هلسنكي - لقد أصبح العالم على مسار غير مستدام، ولا بد من الإسراع برسم مسار جديد إلى الأمام، مسار يفضي إلى جلب المخاوف المتصلة بالعدالة والبيئة إلى قلب الاتجاه الاقتصادي السائد. ولكي نفعل هذا فيتعين علينا أن نحول شعار التنمية المستدامة إلى ممارسة عملية الآن، ليس على الرغم من الأزمة الاقتصادية بل بسببها.
إن التحديات التي نواجهها اليوم كثيرة. فالاقتصادات تترنح، والأنظمة البيئية تحت الحصار، والتفاوت بين الناس ـ بين أفراد الشعب الواحد وبين الدول المختلفة ـ في ارتفاع مستمر. والواقع أن هذه الأعراض تشترك في مجملها في سبب أساسي: وهو أن المصالح القائمة على المضاربة، والضيقة غالبا، حلت في محل المصالح المشتركة، والمسؤوليات المشتركة، والفطرة السليمة.
وبوصفنا رئيسين مشاركين لفريق مستشاري الأمين العام للأمم المتحدة العالي المستوى لشؤون الاستدامة العالمية، فقد طلب منا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن نعمل مع عشرين من أبرز زعماء العالم على التعامل مع هذه القضايا. ومهمتنا في هذا السياق واضحة: تقديم الاقتراحات بشأن كيفية إتاحة فرصة أوسع لعدد أكبر من الناس بأقل تأثير ممكن على كوكبنا.
قبل ربع قرن من الزمان، دعا تقرير برونتلاند (رئيس وزراء النرويج السابق جرو برونتلاند) إلى تبني نموذج جديد للتنمية المستدامة. ولقد ذكر التقرير أن النمو الاقتصادي الدائم، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية مكونات مترابطة للتنمية المستدامة، ويعتمد رخاء الإنسانية على التكامل فيما بينها.
ونحن لسنا على اقتناع تام بصحة هذا المفهوم فحسب، بل وأيضاً بأنه أصبح اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. والآن يتعين علينا أن نحول النظرية إلى ممارسة عملية من خلال نقل مفهوم التنمية المستدامة إلى الاقتصادات الرئيسية وتوضيح التكاليف المترتبة على التحرك الآن، وتكاليف التقاعس عن العمل، اليوم وفي المستقبل.
بحلول العام 2030 سوف يكون التضخم السكاني مستمراً وسوف تزداد شهية البشر، وسوف يحتاج العالم إلى زيادة المتوفر من الغذاء بنسبة 50 % على الأقل، والطاقة بنسبة 45 %، والمياه بنسبة 30 %. إن كوكبنا يقترب، بل وربما تجاوز، كل نقاط التحول العلمية. وينطوي هذا على عواقب خطيرة على الكيفية التي ندير بها المنافع العالمية المشتركة، وفيما يتصل بالحد من الفقر: فإذا كان للبلدان النامية أن تحقق تطلعاته المشروعة في مجالات التنمية، فإنها ستحتاج إلى المزيد من الوقت، فضلاً عن الدعم المالي والتكنولوجي، لتحقيق الانتقال إلى الاستدامة.
ورغم ذلك فإننا نظل متفائلين. فالآن أصبحت الديمقراطية التمثيلية الشكل السائد من الحكم. ولقد مكنتنا التطورات العلمية من التوصل إلى فهم أفضل للمخاطر المتعلقة بالمناخ والأنظمة البيئية. كما أصبح المليارات من البشر قادرين على التواصل من خلال التكنولوجيات التي نجحت في تقليص العالم وتوسيع مفهوم الجيرة العالمية. ونحن نعتقد أننا قادرون على استجماع الإرادة اللازمة لاختيار مستقبلنا لا أن نتركه يختارنا.
ويكمن الخطر الأكبر في الاستمرار على مسارنا الحالي. فبحلول العام 2030 سوف يكون الطفل المولود هذا العام قد بلغ سن الرشد. ولا يمكننا أن نرهن مستقبل أبنائنا لكي نسدد ثمن أسلوب حياة غير عادل ولا يمكن تحمله.
كيف نبدأ إذن في معالجة التحدي الهائل المتمثل في إعادة تجهيز اقتصادنا العالمي، والحفاظ على بيئتنا، وتوفير قدر أعظم من الفرص والمساواة، بما في ذلك المساواة بين الجنسين، للجميع؟ ويقدم تقرير الفريق تحت عنوان "بشرية مرنة من أجل كوكب مرن" بعض الاقتراحات في هذا السياق.
أولا، يتعين علينا أن نقيس كل ما هو مهم وأن نحدد له سعرا. وينبغي للسوق أن تعكس التكاليف البيئية والبشرية الكاملة المترتبة على القرارات الاقتصادية، وأن تضع مؤشرات الأسعار الكفيلة بتوضيح الفوائد المترتبة على العمل الآن، والتقاعس عن العمل. ومن الأهمية بمكان ألا يصبح التلوث، بما في ذلك الانبعاثات الكربونية، بالمجان. ولا بد وأن تكون إعانات دعم الأسعار، والتجارة  المشوهة شفافة فيما يتصل بالوقود الأحفوري، مع الحرص على التخلص منها تدريجياً بحلول العام 2020. ويتعين علينا أيضاً أن نبتكر سبلاً جديدة لقياس التنمية غير الناتج المحلي الإجمالي، وأن نقترح مؤشراً جديداً للتنمية المستدامة بحلول العام 2014.
ثانيا، يتعين علينا أن نضع العمل في قلب مفهوم الاستدامة. فنحن نعيش في عصر من التأثير البشري غير المسبوق على كوكب الأرض، مصحوباً بتغيرات تكنولوجية غير مسبوقة. وينبغي للعلوم أن تشير إلى الطريق نحو عملية أكثر تكاملاً واستناداً إلى الاطلاع في صنع السياسات، بما في ذلك تغير المناخ، والتنوع البيولوجي، وإدارة المحيطات والسواحل، ونُدرة المياه والغذاء، و"الحدود" الكوكبية (العتبات العلمية التي تحدد "مساحة العمل الآمنة" للبشرية). وكي نرى الصورة الكاملة، فنحن نقترح مشهداً منتظماً للاستدامة العالمية التي تعمل على دمج المعرفة في مختلف القطاعات والمؤسسات.
ثالثا، يتعين علينا أن نوفر الحوافز اللازمة لتبني النظرة الطويلة الأمد. فطغيان الأمور الملحة ليس أكثر أهمية من زمن الأوقات العصيبة. كما يتعين علينا أن نضع التفكير البعيد المدى في مرتبة أعلى من المطالب القصيرة الأجل، سواء في السوق أو في مراكز الاقتراع.
ومن الأهمية بمكان استخدام الموارد المالية العامة المحدودة بشكل استراتيجي لفتح المزيد من تدفقات الاستثمار الخاص، وتقاسم المخاطر، وتوسيع القدرة على الوصول إلى اللبنات الأساسية للازدهار والرخاء، بما في ذلك خدمات الطاقة الحديثة. والواقع أن أهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية، والتي تهدف بين أمور أخرى إلى تقليص الفقر العالمي إلى النصف بحلول العام 2015، أفادتنا إلى حد كبير. ونبغي للحكومات أن تضع مجموعة من أهداف التنمية المستدامة القابلة للتطبيق عالمياً في مرحلة ما بعد العام 2015، على النحو الكفيل بتحفيز العمل في الأمد البعيد وبما يتجاوز الدورات الانتخابية.
ورابعا، يتعين علينا أن نستعد لطريق وعر ينتظرنا، لأن ظروف الطقس القاسية، ونُدرة الموارد، وتقلب الأسعار، أصبحت بمثابة "الحالة الطبيعية الجديدة". كما يتعين علينا أن نعزز من قدرتنا على الصمود من خلال تعزيز القدرة على الحد من المخاطر، والتكيف، وشبكات الأمان السليمة لأكثر الناس عُرضة للخطر. وهذا يُعَد استثماراً في مستقبلنا المشترك.
وخامسا، من الأهمية بمكان أن نقيم مبدأ المساواة باعتباره فرصة. إن التفاوت بين الناس، واستبعاد النساء والشباب والفقراء، من شأنه أن يقوض النمو العالمي ويهدد بحل الارتباط بين المجتمع ومؤسساته. وتمكين النساء كفيل بمنحنا القدرة على جني فوائد هائلة، ليس أقلها الفوائد التي قد يجنيها الاقتصاد العالمي.
ضمان حصول الدول النامية على الوقت الكافي، والدعم المالي والفني، لجعل الانتقال إلى التنمية المستدامة مفيداً للجميع في نهاية المطاف. والتصرف الصائب الآن يتلخص في تعزيز العدالة والشمول، وهو التصرف الذكي من أجل تمكين الازدهار الدائم والاستقرار.
لن يتسنى لأي فريق من الخبراء، بما في ذلك فريقنا، أن يتوصل إلى كل الحلول. ولكن إذا عملنا معا، فسوف يكون بوسعنا أن نساعد في توجيه عالمنا نحو مسار أكثر أمناً وعدالة وازدهارا. ونحن ندعو الزعماء في مختلف قطاعات المجتمع إلى الانضمام إلينا. فالحاجة ملحة؛ والفرصة هائلة. ومن الواجب علينا أن نغتنمها الآن.
*رئيسة جمهورية فنلندا.
خاص بـ "الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق