كيف أثرت حرية السوق على الثورات العربية؟

تم نشره في الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً
  • البقعة التي أحرق فيها بائع الخضار التونسي محمد البوعزيزي نفسه - (أرشيفية)

هيرناندو دي سوتو*
(لوموند) 2012/1/17
 ترجمة: مدني قصري

قبل بضعة أسابيع التقيتُ بالشاب سالم، شقيق الشاب الشجاع بائع الخضار التونسي الذي فجر الربيع العربي بإضرامه النار في نفسه. وعندما سألت الشاب سالم ما الذي كان يمكن لأخيه الذي انتقل إلى رحمة ربه أن يتمنّى نقله إلى العالم العربي بهذه التضحية، أجاب بعفوية لا تردد فيها: "أن يكون للفقراء أيضا الحق في أن يبيعوا ويشتروا!" وعلينا أن لا ننسى هذه الكلمات، في الوقت الذي يتجادل فيه الخبراء حول الرهانات التي تطرحها فترة ما بعد الربيع العربي، وينصحون البلدان العربية بأن تجد توازنا ما بين البحث عن الديمقراطية والوفاء للإسلام من ناحية، وما بين العلمانية والسلطة القبلية من ناحية أخرى.
في أعقاب الإطاحة بثلاثة مستبدين عرب، لا نرى اليوم سوى القليل ممّن شعروا حقا بالإجماع القوي الذي فجّرته الثورة العربية، وهو رغبة الأغلبية الساحقة من العمال الأكثر عوزاً في العمل في اقتصاد السوق الحرة والقانونية. والنقطة المشتركة بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على الرغم من اختلافها ثقافيا، هي الطابع اللاقانوني لاقتصادياتها. ويمثل هذا الطابع تحديداً حجر الزاوية في نموّها المستقبلي، ومن ثم في استقرارها أيضاً.
وعلى أي حال، فقد بدأ هذا التحول المفاجئ بعد أن أضرم طارق محمد البوعزيزي، 26 عاما، النار في نفسه أمام مكاتب رئيس بلدية سيدي بوزيد، بعد أن صُودرت بضاعته. وفي اليوم التالي نزل آلاف المواطنين في المدينة وفي القرى المجاورة، إلى الشارع. وبعد مرور بضعة أسابيع فقط، استلهم الكثيرُون من بين الـ 180 مليون عربي الذين يعملون في الأسوق غير الرسمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نهاية هذا الشاب، وسارت الملايين تحت يافطات الاحتجاج. 
وحسب الأبحاث التي قام بها بعض زملائي، فإن ما لا يقل عن 35 تاجرا اقتفوا أثر البوعزيزي، وأضرموا النار في أنفسهم من فرط اليأس (13 في تونس، و17 في الجزائر، و4 في مصر، و3 في المغرب، الخ). وقد أحس السكان أنهم قريبون جدا من وضع البوعزيزي الصعب: فعلى غرار 50 % من العمال العرب، كان البوعزيزي صاحب مشروع صغير، يعيش على هامش القانون، ومات وهو يسعى ليحصل على حق الملكية، وممارسة التجارة من دون الاصطدام الحتمي بمضايقات السلطات الفاسدة.
فإذا شاء الزعماء الجدد أن يغيّروا الأشياء، فسيكون عليهم أن يحسوا بما تحس به الطبقات الدنيا، وأن ينظروا إليها كطبقات تصبو إلى الحصول على رأس المال، وتناضل ضمن حركة يمتد  فضاؤها إلى ما وراء الحدود الوطنية، وتتجاوز الانقسامات العربية ومختلف اللغات والبيئات السياسية والثقافية. وهذه الحركة سوف تلعب دورا محركا خلال الأشهر المقبلة.
وإذا كان كارل ماركس قد علمنا شيئا مُهِمّاً، فهو أن أكثر الناس حرمانا وعوزا قد يتحولون إلى كتلة ثورية عندما يعون آلامهم المشتركة، لا سيما عندما يُشعل شهيدٌ من الشهداء، قضيتهم! ولا شك أن ملايين العرب باتوا ينظرون إلى البوعزيزي كأيقونة: "كلنا البوعزيزي!" هكذا قال لي مهدي بلّي، طالب في برنامج الدراسات العليا في الإعلام الآلي، وكان هو الآخر يعمل بائعاً في إحدى الأسواق.
وحتى نفهم هذا الحماس الجياش، فإنه يتعين علينا أن نفهم التفاصيل التي دفعت محمد البوعزيزي إلى ارتكاب مثل هذا الفعل. عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، أشعل البوعزيزي ولاعته، بعد مرور ساعة واحدة فقط على مُصادرة ضابطين تابعين للبلدية لصندوقي إجاص (بقيمة 15 دولارا)، وصندوق موز (9 دولارات)، وثلاثة صناديق تفاح (22 دولارا)، وميزان إلكتروني (179 دولارا، مستعمل). ولا شك أن مبلغ 225 دولارا (ما يقرب من 168 يورو) لا يبرّر عملية انتحارية، لكن كون هذه الأشياء هي كل ما يملكه هذا الشاب، ولكونه تاجراً صغيراً، فقد دُمِّر البوعزيزي في النهاية.
من دون هذه الأصول، لم يكن البوعزيزي قادرا على أن يُطعم أسرته أكثر من شهر واحد. ناهيك عن أنه اشترى بضاعته بالدين، ولم يكن يسعه أن يبيعها لكي يسدد دائنيها. ولمّا كانت أدوات عمله قد صودرت منه أيضاً، فقد فقدَ رأسماله الأساسي. أما الترتيب المعهود مع السلطات، والمتمثل في دفع ثلاثة دنانير يوميا حتى يتمكن من الوقوف بعربة البيع على مساحة مترين مربّعين لا غير في الفضاء العام، فهو ما حُرم منه في النهاية، ولم يعد يسعه الدخول إلى السوق. فبعد أن حُرم من ممتلكاته، ومن حق البيع، فقد بالتالي سمعته كبائع جاد، في هذه السوق الوحيدة التي يعرفها. 
لم يكن له راتب، ولم يكن سوى صاحب مشروع صغير في بداية الطريق. وحسب ما قالته والدته، وأخته، فقد كان البوعزيزي يتمنى جمع رأس مال كافٍ لبناء تجارة حقيقية. ولكن، من خلال التحري والبحث، اكتشفنا بأن هذا لم يكن ممكنا، بالنظر إلى العادات القانونية التي كانت ستفرَض عليه، وكان عليه الالتزام بها حتما.
فلكي يحصل على قرض يتيح له شراء شاحنة نقل، كان عليه أن يُثبت أنه قادر على تقديم ضمان يكفل ذلك القرض. والضمان الوحيد الذي يملكه هو بيت العائلة في سيدي بوزيد، لكن المشكلة أنه لم يفلح أبدا في تسجيل ملكية البيت في "الشهر العقاري"، وبالتالي لم يكن يسعه أن يحصل على أي عقد ملكية لها صفة الضمان. وطبقا للقانون، كان عليه كي يحصل على مثل هذا التسجيل أن يتحمل 499 يوما من البيروقراطية، وأن يدفع مبلغا ماليا يعادل 2296 يورو. 
وبالمثل، وحتى يستقر– قانونيا- بصفته صاحب مشروع ذاتي، كان عليه أن يحصل على عقد إداري واحد، لكن ثمنه يساوي 55 مرحلة إدارية تستغرق 142 يوما تقريبا، مع دفْع مبلغ بقيمة 3233 دولارا، أو ما يعادل 12 ضعف دخله الشهري الصافي، ناهيك عن المصاريف الأخرى المكملة. وحتى لو وجد المال والوقت لكي ينشئ هذا الكيان التجاري، فإن القانون لا يسمح له بأن يستثمر موارده مع شركاء جدد، وبأن يقلص مسؤوليته، حماية لأملاك أسرته، أو أن يُصدر حصصا أو أسهُما.
إن قوى السوق هذه هي التي استحوذت على العالم العربي– في حين لم ترخّصها الحكومات العربية. وعلى الزعماء السياسيين إدراك أنه منذ أن أضرم الشاب البوعزيزي النار في نفسه من فرط اليأس، ومنذ الاحتجاجات القوية التي تلت هذا الحدث المؤسف، فإن الفقراء العرب يقفون إلى جانب هذه الاحتجاجات والتضحيات، في داخل السوق، وليس خارج السوق.   
إن الإجماع العربي الذي بدأ الآن، يمثل بالتأكيد أكثر من مجرد تطوّر في عالم أصحاب المشاريع الأكثر عوزا! لكنّ قادة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لن يسعهم بعد الآن أن ينسوا مقوّمات الثورة الصناعية: فإذا خلت برامجهم من إصلاح المؤسسات الخاسرة التي تُفقر سكان البلدان العربية، فإنهم سوف يفتحون بذلك الطريق واسعا أمام أعداء الديمقراطية وأمام أعداء الحداثة.


*عالم اقتصاد.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: L'influence tacite du libre marché sur les révolutions arabes

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق