"كل مخموم القلب صدوق اللسان"

تم نشره في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2012. 05:36 مـساءً

د. محمد المجالي*

أزعم أن من أهم صفات المسلمين عامة، والمسؤولين والعاملين في الحقل الإسلامي خاصة، هي الإخلاص والصدق، وهاتان الصفتان تقودان إلى الصفاء والنقاء والتقوى وسلامة الصدر تجاه الآخرين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يعبر عن هذا حين سئل: "أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا : صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو النقي، التقي، لا إثم عليه ولا بغي ولا غل ولا حسد"، رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني.
دعونا نتفق أيها القوم أن نقاء السريرة من أهم صفات التعامل بين الناس من جهة، وبين العبد وربه من جهة أخرى، فلا يمكن للناس أن تثق بذي الوجهين، أو بصاحب المصلحة، أو بالمتردد المترنح، ومن حق كل منا وهو يتعامل مع الناس أن يعرف الطرف الآخر، ليثق به، ويتفاعل معه، وإلا كان التوجس والحذر، وعندها نخسر كثيرًا، الود والوقت والعمل المبني عليهما، وغير ذاك كثير مما له علاقة حتى في جوف البيت وأدق خصوصيات التعامل بين أفراد الأسرة الواحدة.
مخموم القلب بتعريف الرسول صلى الله عليه وسلم هو النقي التقي، ويبين بعض آثارهما فلا إثم عليه ولا بغي ولا غل ولا حسد، آخذ من هذه مجتمعة ضرورة أن نكون في صفاء ونقاء، مع الله أولاً فلا يخالط النفس أي هوى أو شيء من حظوظ النفس، ومع الآخرين على أصنافهم، سواء كانوا في دائرة المؤمنين أو غيرهم ممن لا عداوة بيننا وبينهم، فالأصل نقاء السريرة، والرحمة على الناس.
نمارس نشاطات ومسؤوليات متنوعة، ونمارس مهمة الدعوة فالأصل في المسلم أنه متفاعل مع دينه حريص على مصلحة أمته، وكلنا إما موظف أو مسؤول، وتتراوح هذه المسؤولية من البيت إلى الحكم أو فيما يسمى بالولاية العامة، فالأفضل كما في الحديث هو النقي التقي الصدوق، ويا لها من راحة نفسية تبعث على الولاء والانتماء، والتفاعل والإقدام، والتضحية والبذل في سبيل المبادئ السامية، حين تكون هذه الصفات موجودة متأصلة غير مصطنعة أو مدّعاة، تنعكس على السلوك ببراءة وانسيابية، بلا تكلف أو رياء.
وأزعم أيضًا أن أكثر ما يرفع درجات العبد عند ربه هي هذه الصفات، بها تميز أبو بكر ومعظم الصحابة، وبها نال ذلك الصحابي بشرى أنه من أهل الجنة ولم يكثر من الصلاة والقيام والذكر بل كان صدره سليمًا، وبها يكون الرقي في التعامل والراحة النفسية الباعثة على الثقة ومن ثم الإبداع والتفاني وحضور الأمل وبناء الإرادة الحرة الحاثة على الانطلاق.
ولا بد أن أركز هنا على فئتين ينبغي لهما التحلي بهذه الصفات: الحكّام والعلماء. الحكّام وهم المستأمنون على الرعية والمسؤوليات العامة، وتعكس هذه الصفات عندهم العفة والعدل، وهما أهم صفات المسؤولية، فقد قيل: "العدل أساس الحكم"، وكان عمر رضي الله عنه يوصي ولاته: "عفوا تعف رعيتكم"، فالأصل في الحاكم أن يجمع حوله ما اصطلح على تسميتهم (أهل الحل والعقد)، يحلون ويربطون، فهم أهل خبرة وفطنة وكياسة وتجربة، ولا يمكن أن يكونوا كذلك إلا إذا كانوا أحرارًا أنقياء أتقياء صادقين، وقد قيل "صديقك من صَدَقك لا من صدَّقك"، ولا بد فيمن يعينون على رقاب الناس في المسؤوليات الفرعية أن يكونوا كذلك، ولا يمكن لعاقل أن يجمع حوله عبيدًا مجروحي العدالة، لا يرتجى منهم نصح ولا ولاء، فهم تبع عبيد لمصالحهم توجههم حيث تكون، وعندها يتهتك بنيان الحكم ويهن ولو كان ظاهريًا مزخرفًا متماسكًا. وعبء من هذا يقع على من يحمي ويوصل المعلومة للحاكم في أن يكون أيضًا متحليًا بهذه الصفات.
والفئة الثانية هي العلماء، وأضم معهم الدعاة والعاملون في الحقل الإسلامي بشكل عام، مع تفاوت في المسؤولية، فهم القدوة حتى لا ينطبق عليهم قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، وهم من أولي الأمر فلا تقل مسؤوليتهم عن الحكام أنفسهم، وهم السد المنيع من حلول عذاب الله المستأصل للناس: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"، ولننتبه إلى كلمة (مصلحون) ولم يقل (صالحون)، فتفاعلهم مع دين الله وحرقتهم على الدين وتفانيهم في تحمل مسؤولياتهم كل ذلك مطلوب، ولكن لا بد من صدق لسان ونقاء سريرة، لا بد من التقي النقي.
تعاني الجماعات والأحزاب نفسها أحيانًا من خلل في علاقتها مع بعضها، بل بين أفراد الجماعة الواحدة، فضلاً عن التعامل مع الناس عمومًا أو المؤسسات الحاكمة، حين نتذكر أن الجماعات والأحزاب وسائل وليست غايات، فهناك ثوابت وأصول وغايات عظمى تجمع ولا تفرق، وهناك فرعيات واجتهادات قد تؤدي إلى اختلاف ينبغي احترامه وعذر أصحابه، بالنفسية إياها حيث النقاء والصفاء والحب والاحترام، فالذي يجمعنا جميعًا مسؤولين وعاملين وعلماء ودعاة هو عزة الأمة والأوطان وحرية الإنسان.
لا ينبغي للفرد أن يوغل في ردة فعله تجاه ظلم وقع عليه، ولا ينبغي للدولة بأجهزتها أن توغل في إقصاء من يخالفها الرأي، ولو توفر النقاء والصفاء مع حكمة ودراية وحرص على الالتقاء من أجل مبادئ أعظم وأكبر، أظن حينها أن ما دونها أمور واهية ينبغي تجاوزها، ولا نفسح مجالات لمنافقين ومزايدين أن يهتكوا علاقات الناس بدولتهم، هي دعوة عقلانية أتوجه بها إلى الجميع أن يكبروا ويعقلوا ويدخلوا التاريخ المشرف من أوسع أبوابه، وإذا ساد العقل وحضرت الحكمة مع نقاء وتقوى، حينها يكون العطاء في أجل صوره وأعظمها، فما من راحة أعظم بعد راحة الضمير مع الله من راحة الرعية مع الراعي، عندها لا نتوقع إلا العزة والريادة والرقي والحضارة.
*عميد كلية الدراسات العليا
 في الجامعة الأردنية

التعليق