ما يريده السلفيون.. مصر تواجه مستقبلا إسلاميا متشددا

تم نشره في الأحد 8 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً
  • سلفي مصري يحمل علم مصر والقرآن الكريم في إحدى المسيرات - (أرشيفية)

بقلم دانيال ستينفورت – (ديرشبيغل) 14/12/2011
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قاد الإخوان المسلمون الطريق في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية في مصر. وذهب المركز الثاني إلى حزب النور السلفي الأكثر تشدداً. وستود الجماعة أن ترى تطبيق نسخة محافظة متشددة للشريعة -وفرض حظر على ارتداء البكيني. هذا ما خلص إليه دانيال ستينفورت، ونشره في مجلة ديرشبيغل الألمانية:
من الجيد أن الزائر رجل؛ فالشيخ لا يتكلم مع النساء. لكن المراسل، مرة أخرى، أجنبي، وهو أمر مثير للقلق أيضاً. هناك الكثير من الأحكام المسبقة عن الإسلام في الغرب، كما يقول الشيخ فوزي سعيد. ويضيف: ولكن، ربما يساعد هذا الحوار على نشر الحقيقة.
يرتدي سعيد (70 عاماً)، الرجل جاد المظهر ذو اللحية الرمادية الكاملة، حذاء خفيفاً وقبعة كروشيه مع الرداء المصري التقليدي، "الجلابية"، ويدعو ضيفه إلى مسجد التوحيد. الساعة هي 6:30 صباحاً، وقد أتم المؤمنون الذين تجمعوا في الداخل أداء صلاة الفجر للتو، وهم يتحلقون الآن ويشكلون نصف دائرة حول شيخهم، وقد اتخذ مجلسه على كرسي خشبي في وسط الغرفة. مسجد التوحيد الواقع في الجزء الشمالي من القاهرة هو عبارة عن مبنى ذي مظهر عادي جداً، بلا أعمدة ولا زخارف أخرى؛ أي من دون التفاصيل التي لا لزوم لها، والتي يمكن أن تصرف انتباه المؤمنين عن ولائهم وعبادتهم لله.
وكما يفعل كل صباح، يطلب سعيد من أتباعه تأكيد ولائهم لـ "الإيمان الحقيقي". ويطلب منهم أيضاً تصوير المقابلة التي ستعقب العظة الصباحية بكاميرات هواتفهم النقالة. وهو مجرد إجراء احترازي، كما يقول الشيخ. وسعيد، المهندس الكهربائي بالمهنة، هو واحد من الأئمة السلفيين المعروفين في مصر. وفي هذه الأيام، ليس من السهل دائماً التعرف على أصدقاء الإسلام وتمييزهم عن أعدائه.
منذ جاء حزب النور السلفي في المركز الثاني في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية، مباشرة خلف الإخوان المسلمين، أصبح العالم ينظر إلى القاهرة بقلق. فقد حصلت المجموعتان على نحو 60% من تلك المقاعد المخصصة على أساس قوائم المرشحين التي تضعها الأحزاب، بينما خصص ثلث المقاعد فقط للمرشحين الأفراد. وقد أقيمت الجولة الأولى فقط من الانتخابات النيابية للعام 2011-2012 وقت إعداد هذا التقرير، وستتلو الجولة الثانية في الأيام التالية.
وتؤكد نتيجة الانتخابات وجود اتجاه واضح، هو بالتحديد: أينما حدثت انتخابات حرة في الشرق الأوسط الإسلامي خلال السنوات الأخيرة، فإن الأحزاب الدينية هي التي فازت فيها: في قطاع غزة في العام 2006، في العراق في العام 2010، وفي تونس وتركيا والمغرب في العام 2011.
ظهور مثير للصدمة
لكن مصر فقط هي التي استطاعت فيها جماعة متطرفة مثل السلفيين تأسيس نفسها كحزب. ولهذا الواقع آثار خطيرة، نظراً إلى أن هذا البلد هو الأكثر سكاناً وتأثيراً من الناحية الثقافية في العالم العربي، ويمكن الشعور بضربات النبض الثوري الذي سرى في ميدان التحرير القاهري خلال الأشهر الأحد عشر الماضية في مناطق بعيدة، مثل ليبيا وسورية، وإيران ودول الخليج.
ولم يصدم ظهور السلفيين القوي الكثيرين من المصريين فحسب، وإنما أدهش بشكل خاص شباب البلد الثوريين، والليبراليين واليساريين، والمسيحيين الأقباط والمسلمين المعتدلين. وبعد كل شيء، كان السلفيون هم الذين حرضوا ضد الأقباط وقاطعوا الثورة، على أساس أنها اخترقتها "العاهرات والصهاينة". وكان السلفيون أيضاً هم الذين يرفضون، حتى الآن، إجراء انتخابات حرة باعتبار أنها ممارسة "غير إسلامية". والآن يأتون إلى السلطة المقبلة بوصفهم ديمقراطيين؟
تم تشكيل حزب النور في الربيع الماضي ليكون بوتقة تنصهر فيها مختلف الجماعات المحافظة والمتشددة سابقاً. ولم يكن أعضاء هذا الحزب معروفين بالضبط بطموحاتهم الديمقراطية، وإنما كانوا معروفين أكثر بعلاقاتهم الوثيقة مع المملكة العربية السعودية. ومنذ تأسيس "حزب النور"، شقت أكثر من 100 مليون دولار (75 مليون يورو) طريقها إلى بنوك ضفاف النيل، فيما يزعم أنه أموال لدعم الحملات قدمت من المملكة الوهابية الغنية بالنفط.
أفكار السلفيين السياسية غير مزينة ولا مزوقة، مثلها مثل مساجدهم. وما يوحدهم هو الرغبة في أن يعيشوا حياتهم وفقاً للمثال الذي وضعه النبي محمد وأصحابه قبل ما يقرب من 1400 سنة. ويمتد هذا التصور إلى القواعد التي وضعها السلفيون عن الملابس واللحى، والتي تتطلب وضع غطاء الوجه للمرأة، وتربية اللحية الكاملة، عموماً من دون شارب، بالنسبة للرجال.
وبعبارة أخرى، فإن هدف السلفيين هو العودة إلى الأيام الأولى للإسلام. ولكن، ما هو برنامجهم في مصر؟
"كما ترى"، يقول الشيخ فوزي، "ما يزال العالم الإسلامي يعاني من الظلم الكبير الذي لحق بالدين. ومع ذلك، يبقى الحل سهلاً جداً: يجب علينا ببساطة تطبيق القرآن والشريعة الإسلامية لشفاء بلدنا، تماماً مثلما أمرنا الله". وبطبيعة الحال، كما يضيف، يشمل ذلك رجم الزناة وقطع أيدي اللصوص. أما السؤال حول ما إذا كانت هذه الممارسات ربما تُعد بربرية، فهو سؤال يراه الشيخ فظاً وأخرق.
ظاهرة انتقالية
خلال الحملة الانتخابية، بدا أعضاء قياديون في حزب النور كما لو أنهم جاؤوا من عصر مختلف، وشكل ذلك نقيضاً حاداً لتقاليد مصر الليبرالية. وعلى سبيل المثال، عندما ظهر المتحدث باسم الحزب عبد المنعم الشحات في برنامج تلفزيوني حواري، أصر على أن يتم وضع فاصل بينه وبين الضيفة الأنثى في البرنامج. وفي مطلبه الأخير الأكثر حداثة، دعا الشحات المصريين إلى "تدمير المعابد!" وهو يريد أن تضع مصر أخيراً حداً نهائياً "للعبادة الوثنية" التي سادت في تراثها الفرعوني. وإذا استطاع الشحات شق طريقه إلى الحكم، فسوف تتم تغطية المنحوتات والتماثيل واللوحات التي تغطي 5000 سنة من التاريخ المصري بطبقة من الطباشير، وستتم أسلمة أسماء الشوارع الفرعونية.
ويدعو عضو آخر من قيادة الحزب إلى فرض حظر على المشروبات الكحولية، حتى بالنسبة للمسيحيين والأجانب الذين يستطيعون شرب الكحول من دون عقاب في معظم دول الخليج. وهو يريد أيضاً إغلاق الشواطئ حيث تظهر النساء الغربيات الكثير من بشرتهن، ويريد حظر ارتداء البكيني. وكبديل، يقترح أن تقدم للسياح الأجانب رحلات على الإبل، وتعليمهم التزلج على الكثبان الرملية.
هل كان من أجل هذا أن خرج الشباب المصري إلى الشوارع في أواخر كانون الثاني (يناير) من العام الماضي؟ هذا هو السبب في أنهم أطاحوا بالرئيس المصري الاستبدادي السابق حسني مبارك؟
كلا، يقول عمرو عز الرجال. "لكن هذه مجرد ظاهرة انتقالية فقط. كان لدينا شعور بأن الجماعات الدينية سوف تنتصر في البداية –لأن لديهم، مثل السلفيين، أصدقاء في ممالك النفط. ولأنهم كانوا، مثل الإخوان المسلمين، أعضاء في المعارضة منذ فترة طويلة، مما أعطى لهم الوقت لتنظيم أنفسهم".
يقف عز الرجال، 28 عاماً، في شارع مزدحم في إمبابة، حي الطبقة العاملة في القاهرة. وقد تجاوز الوقت منتصف الليل الآن، وهو يبدو متعباً بينما يتحمل بصبر فيضاً من ومضات الكاميرات القادمة من الصحفيين المصريين. وترفرف فوقه لافتة حملة انتخابية تشبهه تماماً، وتمتد بين شجرتين وقد كتبت عليها عبارة "تحالف الشباب الثوري". ويطرح المرشح نفسه للمصورين مرة أخرى أخيرة، فذلك هو الحدث الصحفي الأخير له في ذلك اليوم. "سوف ينتصر الديمقراطيون على المدى الطويل"، يقول عز الرجال، مع ابتسامة متحدية وواثقة.
قضية تستحق النضال من أجلها
هذا المحامي الشاب هو واحد من أبطال الثورة. ويعرفه جميع الذين ناضلوا في ميدان التحرير. وفي العام 2004، انضم إلى حزب ليبرالي تحدى مبارك في الانتخابات الرئاسية للعام 2005، ولو أن ذلك كان من دون جدوى. وفي العام 2008، كان عز الرجال بين الشخصيات البارزة في "حركة شباب 6 أبريل"، التي لعبت دوراً مهماً في إطلاق الثورة -بمجموعة فيسبوك كانت تتكون في البداية من آلاف، تبعتهم عشرات ثم مئات الآلاف من المؤيدين.
وكان عز الرجال وأصدقاؤه من بين أول من احتجوا في ميدان التحرير، حيث ثابروا واستمروا، وهربوا من الشرطة، ورددوا الشعارات وغنوا الأغاني. وهو لن ينسى أبدا سحر تلك الأيام، وإدراك أن الحرية هي قضية تستحق القتال من اجلها، كما يقول عزّ.
وقد تحول الثوري السابق الآن إلى مرشح للبرلمان. واحتمالات نجاحه جيدة، على الرغم من أنه يقود حملة ضد الإسلاميين مباشرة في حي إمبابة الفقير. وبوصفه ابناً لسائق حافلة، يعرف عزّ جيداً الناس الذين يصوتون لصالح الإسلاميين. ولأن والده كان ذات يوم عضواً في جماعة متطرفة "الجماعة الإسلامية"، فإنه يعرف أيضاً ما الذي يجعل الإسلاميين ناجحين جداً. ويقول: "إنهم ينادون مشاعرك الدينية، وضميرك، وهم يوزعون اللحم والفحم، لكن هذا ليس برنامجاً سياسياً. أنت لا تستطيع أن تخلق الوظائف لمجرد كونك متديناً فقط". ويقول عزّ الرجال إنه كلما كان يحدث الناخبين عن حقوقهم السياسية، عن حقهم في المشاركة في العملية الديمقراطية، والتعليم والرعاية الصحية، فإنهم يتفاعلون دائماً تقريباً بردة فعل من الدهشة والفضول.
"بعيد كل البعد عن النموذج التركي"
يقول عزّ إن الناس من أمثاله هم أكثر تشككاً إزاء المجلس العسكري الحاكم حتى من شكهم في الإسلاميين. وقد تمكنت قيادة الجيش من التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين البراغماتية، بل وحتى التي تصبح انتهازية باطراد، كما أثبتت مراراً وتكراراً. ويقول عزّ إن السلفيين أبلوا حسناً في ظل حكم مبارك، "لأن الموقف المهدد القادم من الجماعات المتشددة مكّن النظام من الإبقاء على جهاز شرطته والمحافظة على تطبيق قوانين الطوارئ"، ويضيف: "الحركة الديمقراطية، مقارنة، لا تمكن السيطرة عليها، وهو ما يكرهه الجنرالات".
ينتظر المصريون بفارغ الصبر أن يروا كيف ستقوم جماعة الإخوان المسلمين القوية، و"حزب الحرية والعدالة" التابع لهم بتحديد مواقفهم. هل سينأون بنفسهم عن السلفيين ويسعون للتحالف مع القوى الليبرالية؟ أم أنهم سينضمون إلى السلفيين من أجل خلق مصر أسلامية متزمتة؟
ليس المسيحيون والليبراليون والعلمانيون وحدهم هم الذين يعذبهم الخوف من احتمال أن تصبح مصر دولة غير ديمقراطية من خلال الوسائل الديمقراطية. عندما سافر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في شهر أيلول (سبتمبر)، قبل شهرين من بدء الانتخابات، هلل الإخوان المسلمون لوصوله. ثم ألقى خطاباً، وقال: "إن الدولة العلمانية تحترم جميع الأديان. لا تخافوا من العلمانية".
وفجأة، كف الإخوان المسلمون عن التهليل والهتاف، في حين انتقد السلفيون العلمانية بحدة، ووصفوها بأنها "من عمل الشيطان". ويبدو أن الإسلاميين في مصر ما يزالون بعيدين كثيراً جداً عن النموذج التركي.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان: What the Salafists Want: Egypt Faces a Hardline Islamic Future

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق