أكاديمي مصري يحاضر في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي

عفيفي: "الربيع العربي" أهم ظاهرة حصلت في العالم العربي منذ نصف قرن

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • د.محمد عفيفي (يمين) ود.عدنان البخيت خلال المحاضرة في منتدى شومان أول من أمس-(من المصدر)

عزيزة علي

عمان - أكّد رئيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة د.محمد عفيفي أنّ الربيع العربي يعد ظاهرة تاريخية مهمة، وأهم ظاهرة حصلت في العالم العربي منذ نصف قرن، مشيرا إلى أنّ الظاهرة لا تعرف قيمتها إلا بعد الانتهاء منها.
وقال عفيفي في محاضرة ألقاها أول من أمس في منتدى عبدالحميد شومان، بعنوان "ثورة 25 يناير: من الخريف إلى الربيع العربي" وأدارها د.عدنان البخيت، إنّ الغرب ينظر إلى ظاهرة الربيع العربي بالكثير من الاهتمام والدراسة، مشيرا إلى أنّ الرئيس الفرنسي والأميركي يتابعان ما يحصل باهتمام وترقب كبيرين.
وبيّن أنّ العالم الغربي فوجئ بالربيع العربي، ولم يستطع أنْ يتنبّأ بهذا الربيع الذي انعكس على أوروبا، كما حصل في ميدان "بويرتا ديل سول" وسط مدريد من مطالبة بتغيير النظام السياسي في اسبانيا، وتصاعد الاحتجاجات في أميركا، ما خلق جدلاً كبيراً حول الظاهرة.
واستعرض عفيفي الأسباب والعوامل التي أجلت حدوث الربيع العربي، مشيراً إلى التغيرات الجذرية والمهمة التي شهدها العالم مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، حيث تلاشى العالم القديم الذي تشكّل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عالم الحرب الباردة، وصراع القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، نهاية الأيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية، أو نهاية التاريخ كما يحلو للبعض التشدق به.
وأشار إلى بعض الآراء التي كانت ترى في سقوط جدار برلين سقوطًا للنظام القديم، وبدايةً لنظامٍ عالمي جديد، وأن المستقبل للديمقراطيات، لافتا إلى أنّ العالم العربي كان يتوق إلى التغيير، فهو لا يعيش في عزلة عن العالم، إذن لا بدّ أن يدخل إلى النظام الجديد وينضم إلى نادي الديمقراطيات.
وقال المحاضر تجمعت العديد من الأحداث والسياسات المحلية والإقليمية والعالمية لتحول بين الشعوب العربية وهذا الحلم، مشيرا إلى أن أهمّ تلك الأحداث هو "غزو صدام حسين للكويت في آب (اغسطس) 1990" وهو أكبر حدث تاريخي عانى منه العالم العربي آنذاك، وساعد على وأد الحلم ودعم الدكتاتوريات العربية، ورسخ هذا من الانقسام العربي وأدى إلى زيادة تبعية الأنظمة العربية للغرب، وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وسائدة في العالم. وفي الجانب الأدبي وفق عفيفي، ظهر في مصر جيل جديد من الكُتاب، هو "جيل التسعينيات" الذي عبر في أدبه عن هذا الحلم المسلوب، محاولاً بالتالي كسر كل التابوهات المقدسة، هذا الجيل الذي وُصف بأنه جيل بلا أساتذة، وهو لم يكن بحاجة إلى أي أستاذ، لقد كان أستاذه هو هذا الحلم المسلوب.
وأشار إلى رواية "قانون الوراثة" للروائي "ياسر عبداللطيف" التي شكلت، كما قال: رصدًا مهمًا لانعكاسات غزو صدام حسين للكويت على جيله، والمظاهرات التي اندلعت في الجامعة ضد تورط مصر في هذه الحرب، وضد التبعية للغرب، وأصبح السؤال الرئيسي في العالم العربي: هل صدام على حق، أم التحالف مع الآخر ضد الشقيق؟ "اللي حيضرب في العراق بكرة حيضرب في الوراق". وفي السياق نفسه عالج المخرج المصري خالد يوسف تلك الإشكالية في فيلمه "العاصفة" لاعبًا على دراما الأخوين المصريين، أحدهما يحارب في جيش صدام، والآخر مجند في الجيش المصري المنضم للتحالف الأميركي.
ومن جهة ثانية، قدم الكاتب والناقد السينمائي الشهير "سمير فريد" شهادة جيله عن هذا المأزق التاريخي، غزو الكويت، وأثره على العالم العربي وتراجع حلم الديمقراطية، يقول فريد في العام 1992: "نعم لقد مزقنا ذلك الفعل الأحمق الذي ارتكبه النظام العراقي في الثاني من اغسطس العام 1990، والذي لم يكن له أي حل عربي مع الأسف، وجعل العقل العربي بين اختيارين كلاهما مُر: إما استمرار احتلال الكويت، وإما التدخل الأجنبي لتحريره.
ورأى عفيفي أن الحلم الخروج من المأزق بالديمقراطية، لن يتحقق، بل تلاشى. وساعدت حرب الكويت على المزيد من تدعيم الدكتاتوريات القديمة؛ ففي مصر على سبيل المثال ارتفعت أسهم مبارك بعد مشاركته في حرب الكويت، حيث قدم الغرب له المكافأة على ذلك من خلال إسقاط الكثير من الديون المصرية، كما توافدت على مصر العديد من الاستثمارات العربية لتشهد تلك المرحلة رواجًا اقتصاديًا نسبيًا.
بدأت الألفية الثالثة، بحسب عفيفي، بسلسلة من النكبات لأحزاب المعارضة، حيث تعرضت لموجة من الانشقاقات الداخلية الحادة، ساهمت فيها الديمقراطية الداخلية في بنيان أحزاب المعارضة، ومسألة صراع الأجيال، وساعد على ازدياد تلك المؤامرات الخبيثة لداهية النظام "صفوت الشريف"، ومباحث أمن الدولة.
وأكد المحاضر أن إسرائيل وسياستها في المنطقة أسهمتا في إضعاف الصحوة الديمقراطية في العالم العربي. وهي القصة القديمة والسائدة في العالم العربي منذ نكبة 1948، التي ساهمت بشكل مباشر في وصول الأنظمة العسكرية للحكم في البلاد العربية، وضاعفت هزيمة 1967 من هذا العامل، إذ أصبح شعار المرحلة التالية "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وأدى اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000 إلى توجيه الغضب العربي نحو إسرائيل، بدلاً من استثماره في إسقاط الأنظمة العربية التي كان المبرر الرئيسي لوجودها "الصمود والمواجهة" إزاء إسرائيل، أو الأنظمة العربية الأخرى الراعية للمفاوضات العربية الإسرائيلية. فكلا النوعين في الحقيقة نما وترعرع بدعمٍ ما من وجود إسرائيل. من هنا نفهم التخوف الإسرائيلي من الربيع العربي، ووجود أنظمة ديمقراطية جديدة ستسعى في الحقيقة لتعبر عن مطالب شعبها، وليس إلى مجرد البقاء في الحكم.
ورأى أن الدول العربية التي تعيش الربيع العربي تشترك في ارتفاع نسبة التعليم فيها، ففي ليبيا 88 %، وسورية 84 %، وتونس 78 %، ومصر 66 %، وفي اليمن 61 %. وبصرف النظر عن مستوى التعليم، إلا أن أكثر المحللين يرون أن ارتفاع نسب التعليم في العالم العربي كان عاملاً مساعدًا على نجاح الربيع العربي.
وخلص عفيفي إلى أن النظام العربي التقليدي أصيب بالشيخوخة وتصلب الشرايين السياسية والفكرية، لافتا إلى أن رموز النظام القديم تهذي، بينما الشعب قد وُلد من جديد وعرف طريقه، مشيرا إلى ما قاله "بن عليّ"، "فهمتكم"، ومبارك "لم أسع يومًا إلى سلطةٍ أو جاه"، والقذافي يحدثنا عن "زنقة.. زنقة"، وعلي عبدالله صالح يحدثنا "فاتكم القطار"، والمواطن العربي البسيط يقول في سخرية: "شكر الله سعيكم!".

[email protected]

التعليق