ما الذي لا يريد الجيش المصري أن يعرفه مواطنوه؟

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • جنود مصريون ينهالون ضرباً على محتجة في ميدان التحرير -(أرشيفية)

روبرت سبرينغ بورغ - (فورين بوليسي) 9/12/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

يوم السابع من كانون الأول (ديسمبر) الحالي، نشرت صحيفة "المصري اليوم" الخاصة والأكثر توزيعاً، مقالاً افتتاحياً غير مذيل بتوقيع تحت عنوان: "الإندبندنت البريطانية تنشر مقالاً مفبركاً عن المصري اليوم". وفي المقال الافتتاحي، تتهم الصحيفة مراسل الإندبندنت في القاهرة، أليستر بيتش، بالارتباط بأجهزة الاستخبارات الغربية. وتزعم بأنني، أنا الأستاذ في الكلية البحرية الأميركية للخريجين في مونتيري في كاليفورنيا، أسعى إلى القيام بانقلاب في مصر.
وكان بيتش هدفاً لهذه التأكيدات المضحكة، بسبب تغطيته حظر "المصري اليوم" لمقال كان قد كلفني بكتابته محرر النسخة الأسبوعية الناطقة بالإنجليزية للصحيفة، والتي تسمى على نحو ينطوي على مفارقة "الإندبندنت المصرية". وقد أشار مقالي الذي كان مقرراً أن يُنشر في الإصدار الثاني من تلك الأسبوعية الجديدة، يوم 1 كانون الأول (ديسمبر)، أشار إلى الصورة المحبذة للجيش المصري كما وردت وفقاً لمختلف استطلاعات الرأي العام المحلية منذ 11 شباط (فبراير) الماضي. ومضت الصحيفة للمحاججة بأن المشير محمد حسين طنطاوي؛ الزعيم الرسمي لمصر منذ الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، سيكون غير حكيم إذا فسر هذه المعطيات على أنها دعم للمجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية. وتشير بيانات التصويت المتوفرة إلى أن صورة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية هي أقل تحبيذاً بكثير من صورة الجيش، وبأنها في الحقيقة في تراجع شديد.
وقد خلصت إلى أن التهديد الضمني للمشير، والموجه ضد الحكم المدني كما تجسد في بالون الاختبار الذي أطلقه في خطابه يوم 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، والذي أشار إلى استفتاء محتمل على حكم العسكريين، من الممكن أن ينطوي على نتائج عكسية ضده. ولن يقتصر الأمر على خيبة أمل تصيب العديد من القوى السياسية في مصر بسبب الجهد الهادف إلى إطالة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وإنما قد يعمد ضباط الجيش أيضاً إلى تجاهل عدم موافقة واشنطن الصريحة على الجهود الرامية لإطالة أمد الدور السياسي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، مثل بيان البيت الأبيض الأميركي يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الداعي لأن تكون الحكومة المصرية الجديدة في مصر "متمكنة من ممارسة السلطة الحقيقية فوراً".
كانت هذه الملاحظات التي ظهرت في المقال هي ما حدا بمجدي الجلاد؛ رئيس التحرير في "المصري اليوم" إلى وقف نشره. ولا أعلم ما إذا كان قد فعل ذلك بناء على تعليمات من المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، أو لأنه استشرف رد الفعل السلبي للمشير طنطاوي. وما يذكر لي، في الأثناء، هو أن رئيس التحرير المذكور يتمتع بعلاقات وثيقة مع الأجهزة العسكرية والاستخباراتية. (كان رد الفعل الشجاع الذي اتخذته الإندبندنت المصرية على الحادثة هو رفض إصدار نسخة أخرى من أسبوعيتهم إلى أن يتم منحهم الحرية في التحرير من جانب المصري اليوم).
مهما يكن قد حصل وراء الكواليس، فإن الرقابة تشير إلى وجود حساسية واضحة عن القيادة ودور المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية وعلاقاته الأوسع مع الجيش. ويجب أن يكون المشير طنطاوي على وعي بأن تربعه على رأس المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية والجيش على حد سواء (وفي الحقيقة، للحظة، على رأس الدولة برمتها) ينطوي على خطورة. فلأعوام، كان أداة مبارك في ضبط القوات العسكرية والإجراءات التي طبقها -بما في ذلك ترقية غير الأكفياء على حساب الأكفياء، والتقليل إلى الحد الأدنى من التدريب والجهوزية العامة، وإعادة توجيه الجهود الرئيسية للمؤسسة إلى الوجهات الاقتصادية وليس العسكرية، وإيلاء قدر ضئيل من الرعاية للمحافظة على الولاء- ما أسفر عن جهاز عسكري غارق، وبل وحاضن للكثير من مشاعر السخط المعمق. وقد تفاقمت حالات السخط تلك نتيجة لإساءة إدارة المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة للفترة الانتقالية، وخصوصا ما يتصل بنشر الوحدات العسكرية لضبط الجماهير، والترهيب المباشر، وحتى قتل المتظاهرين وتحويل القواعد العسكرية إلى مرافق اعتقال.
وفيما يتكثف الضغط السياسي على المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية، يبرز السؤال عما إذا كان أعضاء المجلس سيسعون أم لا للدفاع عن مصالحه ومصالح الجيش من خلال الحط من قدر طنطاوي، تماماً مثلما حط الطنطاوي من قدر مبارك. وبعد كل شيء، فالرجل الثاني في القيادة هو رئيس الأركان الفريق سامي عنان، الذي يبدو أن سمعته الجيدة قد تلطخت بسبب سوء تصرفات طنطاوي والمجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية. فما الذي يمكن أن يقدح زناد انقلاب داخلي؟ التذمر داخل صفوف الضباط، مجتمعاً مع الخوف المتنامي من القبول بالنزعة الإسلاموية، من بين الأمور المرشحة المدرجة في القائمة -وخصوصا في أعقاب الانتصار الانتخابي للإخوان المسلمين والسلفيين- ما يعد حافزاً للمجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية للانقلاب على طنطاوي خشية أن ينقلب الجيش، وربما على شكل تحالف مع الإسلاميين، على المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية.
والخلاصة، أن الضغط السياسي على المشير طنطاوي، الذي بلغ أوجاً راهناً بسبب نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية، والمحاولة المباشرة للمجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية لتفكيك البرلمان حتى من قبل أن يلتئم، تعد أموراً كافية لجعل أي شخص متوتر الأعصاب. ولكون طنطاوي كان مدير مبارك في الاقتصاد العسكري -مؤسسة شاسعة تضم مصانع ومخابز وغير ذلك من المؤسسات التجارية- لأكثر من عقدين، وبحيث يكون هناك الكثير لإخفائه، فإن ذلك قد يدفع به إلى التساؤل عما إذا كان المطاف سينتهي به إلى الوقوف على الجانب الخطأ من المعادلة إلى جانب رئيسه السابق.
لكن الرقابة غير المنتظمة ببساطة تفاقم مشاكله ومشاكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية. ولعل أحد دروس الربيع العربي هو أن الأخبار تسافر بسرعة فائقة في الحقيقة. فخلال ساعات، كانت القصة منشورة في 20.000 نسخة من الطبعة الثانية، ليس في مصر وحسب وإنما أيضاً على صعيد العالم، كما يشهد على ذلك المقال في الإندبندنت اللندنية. ولم يسبق أن كان الأمر يجري وفق هذه الطريقة. وكان ناشر سابق للمصري اليوم، هو هشام قاسم؛ الرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان المصرية، قد تعارك مع مالكي الصحيفة قبل عدة أعوام حول موضوع حرية التحرير. وكانت النتيجة أن قدم استقالته في نهاية المطاف. والقول إن المالكين الليبراليين ظاهرياً للصحيفة، بمن فيهم نجيب سواريس، المؤسس للحزب المصري الحر الذي أسيئت تسميته، ربما لم يكشف النقاب عن أنهم وافقوا على الرقابة، يشير إلى التعطيل المعمق لتدفق الأخبار على مدار الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية، ناهيك عن الالتزام بذلك التدفق. (في الحقيقة تقدم شجاعة موظفي الإندبندنت المصرية دليلاً غنياً على ذلك).
لكن هناك تداعيات مزعجة هنا أيضاً. فإقدام حتى المصريين المحسوبين على الجانب الليبرالي من الطيف السياسي في البلد على سوق إشاعات قديمة عن مؤامرات أجنبية ووجود جواسيس لنزع مصداقية أولئك الذين ينظرون بخشية إلى وجهات نظرهم، قد يزعج اللاعبين الأقوياء ولا يبشر بالخير لانتقال ممكن إلى نظام سياسي أكثر ليبرالية. وفيما يتعلق باللاعب الأكثر قوة، المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وحساسياته المعمقة، وردود أفعاله المفرطة والازدواجية المباشرة لديه، فإنها تشير إلى أن التزامه وصلاحيته بهندسة انتقال ناجح هي موضع ارتياب خطير. وسوء تصرفاته لا يهدده وقائده وحسب، ولكن يهدد وحدة القوات المسلحة -ناهيك عن استقرار ورفاه البلد ككل. ويشكل هذا في المقابل تحدياً ضخماً لواشنطن العالقة راهناً بين المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية غير الكفؤ، وحكومة إسلامية معادية احتمالاً، وحيث لا مكان واضحاً للتحول إليه على ضوء الضعف السياسي الواضح للعلمانيين الليبراليين.
باختصار، ثمة الكثير من الأخبار السيئة في القاهرة، لكن الرقابة لن تحول دون خروج هذه الأخبار إلى العالم.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
What Egypt's Military Doesn't Want Its Citizens to Know.

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق