كيف يمكن عدم التدخل في سورية؟

تم نشره في الثلاثاء 20 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • سوريون يطالبون بالتدخل الأجنبي في مدينة حمص - (أرشيفية)

ريتشارد غوان * - (فورين بوليسي) 1/12/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

بعد أشهر من التظاهرات الشعبية والعنف الموجه من جانب النظام، تبدو سورية وأنها تنزلق نحو عصيان كلي. فقد أصبح بإمكان القوات المعادية للحكومة أن تسيطر على جيوب من الأراضي وشن غارات في داخل دمشق. وستكون مسألة وقت فقط قبل أن تظهر جبهات وخطوط أمامية واضحة ويتصاعد القتال، كما حدث في ليبيا، من تمرد إلى حرب أهلية واسعة النطاق.
ومن شأن مثل هذا التصعيد أن ينطوي بالتأكيد على أزمة إنسانية واسعة النطاق. وقد هجر سورية (التي تعد موئلاً لمئات الآلاف من العراقيين والفلسطينيين والمشردين) آلاف اللاجئين أصلاً. وثمة تقريباً 10.000 سوري لاجئ في مخيمات في تركيا. وإذا احتد الصراع، فإن الرقم يمكن أن يقفز بشكل مضاعف. وكان نحو مليون شخص قد هربوا من ليبيا في وقت سابق هذا العام.
في مواجهة أزمة محتملة، يبدو الزعماء الإقليميون وصانعو السياسة وأنهم يميلون باتجاه طرح اقتراحات ترمي إلى نوع من التدخل الإنساني. وبينما يلمح الدبلوماسيون الصينيون والروس إلى أن حلف الناتو يريد شن حرب أخرى، لا ينطوي الزعماء الغربيون على شهية للقيام بحملة أخرى على غرار الحملة الليبية. إذ تحتاج القوات الجوية الأوروبية إلى الراحة في أعقاب عمليات طالت لفترة أكثر مما كان متوقعاً فوق ليبيا، كما أن القوات العسكرية السورية ما تزال تتوافر على قوة نيران كبيرة.
وبدلاً من ذلك، ما يزال البحث جارياً عن طرق لتوفير الأمن وتقديم المساعدات للمدنيين داخل سورية وعلى حدودها بدلاً من استخدام القوة الجوية التي قد تستدعي نوعاً من التواجد الدولي على الأرض. وكان وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو قد حذر في وقت سابق هذا الأسبوع من أنه "ليست تركيا وحسب، وإنما أيضاً المجموعة الدولية" قد تلجأ إلى إقامة منطقة عازلة على طول الحدود السورية إذا وصل تدفق اللاجئين إلى عشرات أو مئات الآلاف. وقد أبقى على هذه الفكرة مبهمة، لكنه شدد على أن تكون تركيا مستعدة لكل السناريوهات. وفي الأسبوع الماضي، استخدم وزير الخارجية الفرنسية ألان جوبيه مقابلة إذاعية لطرح فكرة خلق ممرات إنسانية لإيصال الإمدادات الغذائية والطبية إلى سورية، ربما برفقة مراقبين دوليين مزودين بتخويل من الأمم المتحدة.
ومثل أوغلو، يصر جوبيه على أنه يعارض أي تدخل عسكري واسع النطاق في سورية. وفي المدى القصير، يجب على كلا الوزيرين أن يدركا أن فرص أي تدخل إنساني في سورية يجب أن تكون منخفضة الوتيرة في كل الأحوال. ولن تسمح دمشق بإقرار أي تواجد أجنبي على أراضيها. وكانت العناصر المعادية للنظام قد أعربت عن تحمسها لفكرة المنطقة الفاصلة التركية (بافتراض أنها ستكون مكاناً جيداً لها للتدريب ولاستقبال اللاجئين)، ما يجعل أي نوع من التدخل "غير المنحاز" مستحيل الحدوث. كما أن الصين وروسيا -اللتين كانتا قد صوتتا بشكل مخفف بشكل استثنائي على قرار في مجلس الأمن الدولي ضد سورية في الشهر الماضي- من غير المرجح أن تسمحا لمجلس الأمن الدولي بالموافقة على أي انتشار لقوات على الأراضي السورية.
في الأثناء، يصر مسؤولو المساعدات في الأمم المتحدة على أن الحاجة لا تمس في الوقت الراهن، لا إلى إقامة منطقة عازلة ولا إلى خلق ممرات إنسانية. لكنه في حال انتشر القتال وارتفعت أعداد اللاجئين، فستوجه الدعوات لتركيا وجامعة الدول العربية والقوى الغربية لوضع هذه الاقتراحات موضع التنفيذ. ومن المرجح أن يستمر العاملون الإنسانيون في مقاومة عسكرة جهودهم، تماماً مثلما أفشلت الأمم المتحدة عروض الاتحاد الأوروبي بالمساعدة العسكرية بتلقي مساعدات لليبيا في هذا الربيع. لكن، وأمام بروز أزمة حادة، فسيكون هناك إغواء لإرسال قوات "حفظ سلام"، تماماً مثلما كانت قوات قد أرسلت إلى البوسنة أو دارفور.
فهل ستؤتي عملية عسكرية-إنسانية من هذا النوع أكلها، سواء نفذتها قوات عربية أو أجنبية؟ لعل نسبة المخاطرة التي تنطوي عليها هذه المهمة ستكون عالية. فالحديث الراهن عن الممرات الآمنة والمناطق الأمينة كلها تقف لتذكر تماماً بتفكك يوغوسلافيا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وكانت القوات الأوروبية تحت قيادة الأمم المتحدة قد فوضت بضمان "التدفق المستمر للإمدادات الإنسانية" في غمرة الاضطرابات والفوضى التي كانت تعم البوسنة والهرسك. لكن المخاوف التي أحاطت بسلامة هذه القوات أعاقت قدرة الغرب على ممارسة الضغط على صرب البوسنة لوضع حد للحرب، بينما كانت مدن البوسنة؛ بما فيها سراييفو، عالقة في حالة الحصار.
وقد تفاقمت نقاط الشقاق في استراتيجية الأمم المتحدة عندما أصدر مجلس الأمن تعليماته لقوات حفظ السلام بتسيير دوريات في ما كانت تدعى "المناطق الست الآمنة" في البوسنة، من دون تعليمات واضحة حول كيفية الدفاع عنها. وفي العام 1995، اجتاحت قوات صرب البوسنة واحدة من هذه المناطق الآمنة -سبرينيتشا- وأسرت جنوداً هولنديين وذبحت نحو 8.000 رجل وفتى. ورغم هذه الكارثة، طفت على السطح اقتراحات بخلق ممرات إنسانية ومناطق آمنة، في أزمات أخرى. واليوم، تهتم بعثة الأمم المتحدة في دارفور بشكل رئيسي بتوفير الحماية لقوافل المساعدات، ولمخيمات الأشخاص المشردين. لكن حالة دارفور تبرز المشاكل التي تنطوي عليها هذه العمليات الإنسانية. فرغم أن المهمة تنطوي على انخراط نحو 25.000 شخص، فإن هشاشتهم في التعرض لهجمات من جانب رجال العصابات وتدخل القوات السودانية قادت البعض إلى الاستنتاج أن قوات حفظ السلام تعد رهينة في حد ذاتها.
فهل سيكون أداء عملية إنسانية في سورية أفضل، حتى لو تراجعت الأوضاع هناك إلى النقطة التي يتراجع معها المعارضون للتدخل في بكين وموسكو عن موقفهم؟ ثمة عوامل قليلة إيجابية: فسورية على الأقل أصغر وأقل بعداً بكثير من دارفور. لكن من الصعب رؤية كم من القوة الخارجية، مهما كان تكوينها وتفويضها، تستطيع تفادي أن تكون مستهدفة من جانب أو آخر في الصراع المتدحرج. وكانت قوات الأمم المتحدة في لبنان قد فقدت أفراداً فيها بسبب هجمات، حتى رغم أنها كانت أقل من الهجمات التي شنت على القوات الأميركية والفرنسية في بيروت في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي.
وعليه، وحتى لو انتشرت قوات خارجية لحماية الممرات الإنسانية أو المناطق الفاصلة أو المناطق الآمنة في سورية، مع توفر أفضل النوايا، فإنه من الممكن أن يتم جرها إلى القتال أو تجبر على الخروج. ومن الممكن أن تشكل الحاجة للحفاظ على الموظفين الدوليين آمنين عائقاً يعترض سبيل التوسط إلى صفقة سلام.
ولا تسري هذه المخاوف بقوة على المنطقة العازلة في شمال سورية في ظل الحماية التركية -كما أظهر الأتراك في العراق أنهم قادرون على عرض القوة في مثل هذه الحالات. ورغم ذلك، فإنه بينما قد يكون الحديث عن تدخل إنساني في سورية مريحاً في المدى القصير، فإنه ينطوي على خطورة كامنة. ويجب على المخططين العرب والأوروبيين والأتراك أن يكونوا مستعدين لكل الاحتمالات. وإذا غاصت سورية في أتون الحرب، فقد تمس الحاجة إلى قوات لحفظ السلام لإضفاء الاستقرار عليها لاحقاً. لكن خلق "ممرات إنسانية" و"مناطق آمنة" لا يشكل استراتيجية للحيلولة دون أن تشتعل تلك الحرب راهناً.
*مدير مشارك في مركز جامعة نيويورك للتعاون الدولي، وزميل سياسة رفيع في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 How not to intervene in Syria

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق