السنة والشيعة في العراق: اتجاه نحو المواجهة

تم نشره في الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مع الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في زيارة سابقة - (أرشيفية)

باباك ديغانبيشه، وايلي ليك -  (ذا ديلي بيست) 5/12/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كان الموكب الذي يقل قاسم فهداوي يسير سريعاً أسفل الطريق الصحراوي باتجاه بغداد في الشهر الماضي. لكن، وعلى بعد 12 ميلاً تقريباً إلى الغرب من العاصمة العراقية، انفجرت قنبلة قارعة طريق في عربات الموكب. ونجا فهداوي، محافظ الأنبار من دون أن يصاب بأذى، لكن ثلاثة من حراسه الشخصيين أصيبوا بجروح.
ولا تعد مخططات الاغتيال غريبة على الفهداوي. لكن هذه المحاولة كانت مختلفة؛ فقد انفجرت القنبلة بالقرب من نقطة تفتيش كان يقف عليها جنود من كتيبة المثنى سيئة الصيت، والتي تعد في معظمها وحدة شيعية تتهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد السنة.
وقال فهداوي في مقابلة تلفزيونية مع محطة محلية في اليوم التالي: "كنت قد استهدفت في السابق من جانب القاعدة... لكنني في هذه المرة، ولسوء الطالع، استهدفت من جانب عناصر عسكرية سابقة لا تريد الخير للعراق". وقبل شهر تقريباً من الموعد المقرر لاستكمال مغادرة القوات الأميركية للعراق، يبدو أن محاولة اغتيال الفهداوي تقف لتكون إمارة أخرى على أن دورة العنف الطائفي وسفك الدماء التي مزقت العراق قبل نحو خمسة أعوام متجهة لأن تستأنف. وفي هذه المرة فقط، لن يكون هناك أي تواجد عسكري أميركي للتخفيف من المجزرة. وببقاء نحو 20.000 جندي أميركي والمقرر أن يغادروا في الأول من كانون الثاني (يناير) المقبل، تبدو الولايات المتحدة وأنها ستترك وراءها بلداً على شفير الفوضى العارمة -رغم الحرب التي تكلفت نحو تريليون دولار، وأزهقت أرواح ما يقترب من 4.500 جندي أميركي، وأكثر من 100.000 عراقي.
وبدلاً من خفض التوترات الطائفية، يبدو الزعماء العراقيون وأنهم يصبون الوقود على النار. وفي الأسابيع الأخيرة، اعتقلت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي أكثر من 600 بعثي سابق مزعوم، يشك بأنهم يتآمرون ضد الحكومة المركزية.
وبالنسبة للعديد من السنة العراقيين الذين يتوجسون خيفة أصلاً من الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد، فإن الإجراءات الصارمة تبدو أشبه بحملة شاملة ضد الخوارج والمنشقين. وفي هذا الصدد، يقول صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء، وهو سني المذهب: "أخشى أن يقع الصدام بطريقة عنيفة جداً".
ورغم ما يقرب من تسعة أعوام من الحرب في العراق، فإن الولايات المتحدة ما تزال عازمة على ترك البلد وراءها وهو على شفا الدخول في حالة من الفوضى العارمة. ومن الممكن أن تؤول الأوضاع فيه إلى شكل أكثر اضطراباً. ومن شأن إعادة إشعال فتيل الصراعات الطائفية أن تستقطب بسهولة بلدان ذات وزن ثقيل في المنطقة؛ مثل العربية السعودية وإيران، اللتين تبدوان عالقتين في معركة حامية على السلطة والنفوذ في عموم الشرق الأوسط. وفي الحقيقة، ثمة إمارات مقلقة أصلاً تشير إلى أن البلدين يعدان العدة لمواجهة داخل العراق متى ما انسحب الأميركيون.
ولم يكن هذا ما كان يُفترض أن تكون عليه الأوضاع. فخلال الصيف، جرت مباحثات مطولة ومضنية مع المسؤولين العراقيين حول عدد القوات التي ستتخلف في مناطق الأنبار والمناطق الكردية في شمال البلاد. ولم تستشرف لا الحكومة الأميركية ولا نظيراتها العراقية انسحاباً عسكرياً كاملاً. ولكن، وبمرور الأسابيع، كان المسؤولون الأميركيون عاجزين عن إقناع العراقيين بالموافقة على الحصانة القانونية للقوات المتبقية -وهو شرط ضروري وفق البيت الأبيض. ولكي تكون ملزمة قانونياً، كان يجب إقرار اتفاقية وضع القوات من جانب البرلمان العراقي، استناداً إلى ما ذكره خبراء قانونيون أميركيون. كما لم يبد أي سياسي عراقي، وبالتأكيد ليس المالكي، راغباً في المخاطرة بمستقبله السياسي على مذبح دعم منح الحصانة القانونية للجنود الأميركيين.
ومن الطبيعي، وحتى بعد الانسحاب الكامل، أن يكون للولايات المتحدة تواجد دبلوماسي كبير في البلد. وسيعمل عدد ضخم يبلغ نحو 16.000 موظف في السفارة الأميركية في بغداد، غالبيتهم العظمى ستكون من المقاولين الأمنيين. وسيكون هناك حوالي 200 موظف عسكري أميركي سيتولون المساعدة على تدريب العسكريين العراقيين على استخدام الدبابات ومقاتلات إف 16 والمعدات الأخرى التي كان العراق قد اشتراها من الولايات المتحدة. وما تزال وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي أي أيه) تتفاوض بهدوء من أجل رؤية المهمات الاستخباراتية ومهمات مكافحة الإرهاب التي تستطيع أن ترثها من العسكريين.
وسيكون كل هؤلاء الأميركيين في خط النار متى ما انسحبت القوات الأميركية. وفي الشهر الماضي، أصدر رجل الدين الناري مقتدى الصدر بياناً تهجمياً بخصوص الموظفين العاملين في السفارة الأميركية في بغداد بعد الموعد النهائي في 31 كانون الثاني (ديسمبر). وقال الصدر في بيانه: "كلهم (الأميركيون) محتلون ويجب قتالهم بعد الموعد النهائي". وفي ضوء التاريخ الدموي من الهجمات التي كان قد شنها جيش المهدي التابع للصدر على القوات الأميركية، فإن كلامه لا يعد تهديداً بلا معنى.
وفي الأثناء، يستطيع المهدي ومؤيدوه زيادة حدة التوترات الطائفية: فقد قاموا مؤخراً بالإطراء على الاعتقالات التي نفذها المالكي ضد بعثيين مزعومين. ويقول الشيخ طلال السعدي؛ الممثل الرفيع للصدر في بغداد: "إذا سامحنا هؤلاء القتلة، فإننا لا نكون نحترم شهداءنا وأراملنا".
وقد استدعت الإجراءات الصارمة خطوة ارتدادية جادة من جانب القادة السنيين. إذ بات العديدون يدعون راهناً إلى منطقة حكم ذاتي -قانونية بموجب الدستور العراقي- والتي من الممكن أن تضم محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار التي يعتقد بأنها تربض فوق حقول نفطية وغازية ضخمة جداً. ورداً على ذلك، انتقد رئيس الوزراء المالكي وغيره من المسؤولين العراقيين هذه الخطوة، ووصفوها بأنها محاولة لإضعاف الحكومة المركزية.
وإذا تم تأسيس منطقة سنية تتمتع بالحكم الذاتي، فإن العراق سيواجه شقاً على طول الخطوط الطائفية. وقد يغوي ذلك القادة الإيرانيين الشيعة والحكام السنة في المملكة العربية السعودية بتقديم دعمهم لطوائفهم المعنية في العراق. ويقول مسؤول عراقي رفيع سابق طلب عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إنه شاهد وثائق تشير إلى أن الحكومة السعودية قد شرعت في تمويل القادة السنة للدفع من أجل إقامة منطقة حكم ذاتي سنية في العراق.
ولن تستريح إيران التي لها روابط قوية مع الحكومة العراقية، بالإضافة إلى الزعماء المتشددين مثل الصدر، لأي محاولة من جانب السعوديين لزيادة نفوذهم. وقد تجلى عمق النفوذ الإيراني قبل ثلاثة أسابيع، في اليوم نفسه الذي خاطب فيه وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي حول جاهزية القوات العراقية، عندما تم الاحتفاء برئيس الجيش العراقي بابكر زيباري مثل ملك في طهران. وبدا أن زيباري الذي كان قد احتل العناوين الرئيسية في الماضي عبر الإعلان عن أن القوات الأميركية يجب أن تظل في العراق حتى العام 2020، وأنه قد غير رهاناته، فقد اجتمع مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خلال الزيارة، كما اجتمع مع كبار قادة الحرس الثوري الإيراني.
ويقول منتقدون إنه كانت لدى البيت الأبيض فرصة للجم النفوذ الإيراني، لكنه كان منهمكاً جداً في البحث عن مخرج. وكانت النتيجة، وفق دوغ فيث؛ أحد المهندسين الرئيسيين للحرب في إدارة بوش، أنه دفع المالكي نحو الاعتماد أكثر على إيران. لكن آخرين يدافعون، مع ذلك، عن هذه التطورات باعتبارها أمراً محتماً على ضوء الطبيعة الانقسامية للساسة العراقيين. ومن جهته، يقول دوغلاس أوليفانت، المدير السابق لمجلس الأمن القومي: "إذا كنت تريد عراقاً ديمقراطياً، فستحصل على عراق ديمقراطي".
وبغض النظر، فإن الروابط التي تصبح وثيقة بازدياد بين بغداد وطهران تترك بعض العراقيين وهم يتساءلون عما إذا كانت نهاية الاحتلال ستؤذن ببداية آخر. ويقول نائب رئيس الوزراء العراقي المطلق: "إن احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة كان كارثة.... والأكثر كارثية هو الانسحاب اللامسؤول. إنك تراهم يتركون العراق محتلاً تماماً من جانب الإيرانيين".
وليست لدى الإيرانيين أي نية للانسحاب.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:Sunnis and Shites Head Toward a Showdown in Iraq.

Abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق