التعليم هو الذي يؤسس للديمقراطية

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • طلبة ليتوانيون يخضعون لامتحان في جامعة الإنسانيات الاوروبية في مدينة فيلنيوس في ليتوانيا - (ا ف ب)

حوار: أوريان غالينياني
 (لوبوان) 2011/11/29
ترجمة: مدني قصري
هل سيتحول حملة الشهادات مستقبلاً إلى مجرد حواسيب فعالة من صنع المدرسة؟ ذلك ما يثير مخاوف الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسبوم في كتابها الأخير "الانفعالات الديمقراطية".
ترى مارثا نوسبوم؛ أستاذة القانون والأخلاق، في جامعة شيكاغو، أن النظام التربوي يميل إلى أن يطرح العلوم الإنسانية جانبا، لصالح معرفة تكنولوجية خالصة، ليهيئ بذلك لميلاد أزمة خطيرة في الديمقراطية؛ لأن الأدب والفلسفة والتاريخ والفنون هي وحدها القادرة على تنمية الحس النقدي، والتعاملي لدى مواطني الغد. وتؤمن مارثا نوسبوم بضرورة ظهور ثقافة سياسية منذ مرحلة دور الحضانة. هذه المرأة التي عملت كثيرا مع الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد؛ الهندي أمارتيا سين، حول برامج إبداعية للتنمية في الهند، تلاحظ في المدارس والجامعات الأميركية، التوجه نفسه الموجود في بومباي، ولندن، وباريس، وغيرها، وهو إنقاص قيمة الثقافة. حول هذه المسائل، كان هذا اللقاء الذي أجرته صحيفة "لوبوان" مع فيلسوفة متحمسة، تعتقد اعتقادا جازما بأن المدرسة هي التي تؤسس الديمقراطية.
* في كتابك، تطرحين معاينة للأزمة العالمية للتربية والتعليم. هل هذا يعني أن الجيل الحالي من الطلبة ليس مهيأ لمواجهة عالم الغد؟
- قطعاً. فلكي يواجهوا عالم الغد، يحتاج شباب اليوم إلى تعلم تاريخ العالم، وتاريخ مختلف الديانات. عليهم بأن يكونوا قادرين على ممارسة حسّ النقد، وعلى ممارسة قدرتهم التحليلية أمام ما يسمعونه ويقرأونه. وهم في حاجة أيضا إلى خيال متمرن على رؤية الأوضاع من وجهات نظر مختلفة.
* في هذا الكتاب، تعبرين عن الأسف من استلهام الرئيس باراك أوباما نظامه التربوي من النظام التربوي الآسيوي، المتجه كثيرا نحو التعليم التقني في مشروع إصلاحه التعلمي في الولايات المتحدة الأميركية. أليس هذا شرطاً من شروط التنافسية الاقتصادية الأميركية التي يسعى إليها الرئيس الأميركي؟
- بالتأكيد، لكن المعرفة التقنية لا تنفع إلا على المدى القصير، ولا تغذي أي فهم اقتصادي على المدى البعيد. لكي نفهم الرهانات الاقتصادية المستقبلية، نحن في حاجة إلى معرفة تاريخ الرهانات، وكذلك الحس النقدي، والخيال الإبداعي. سنغافورة والصين، مثلا، أطلقتا مؤخرا، إصلاحات في أنظمتهما التربوية، من أجل إدخال الفكر النقدي والخيال الإبداعي في مناهجهما الجامعية؛ لأنهما تقدران أن هذه الصفات أساسية في تحقيق ثقافة صحية، قائمة على التعاون في قلب اقتصاد متحرك. ولذلك، فإن مصدر قلقي الأساسي ليس التجارة، بل أهمية تعليم الإنسانيات من أجل ديمقراطية حية، لا مصلحة لسنغافورة أو الصين فيها.
* لماذا قراءة أفلاطون منذ الثانوية، تنمي حس النقد لدى مواطني الديمقراطية مستقبلاً؟
- أنا لا أقترح تعليم الفلسفة الأفلاطونية كقراءة لتصورات أفلاطونية تحفظها الذاكرة عن ظهر قلب. بل أتحدث عن نشاطات تشبه الحوارات السقراطية: تحليل الذرائع والحجج، وما كان سقراط يطلق عليه "تحليل الحياة الحر". أطالب بأدوات تربوية تتيح للطلاب أن يصبحوا فاعلين وناقدين، بدلا من أن يظلوا مجرد أوعية فارغة تستوعب بسلبية، ما تمليه سلطة المدرس والدولة. وعلى هذا النحو، يمكننا أن نختبرهم من خلال تحليل أو فحص مسألة صعبة، أو تحليل الطريقة التي يفكرون بها أثناء مناقشة في القاعة. وقد وصلت إلى نتيجة مفادها أن حوارات أفلاطون تساعد كثيرا على تلقين هذه الصفات الأساسية، أكثر من أي كتاب، لأنها تؤدي بالطلبة إلى صميم الحياة القائمة على الحجة. وروحُ سقراط هذه هي التي ينبغي أن نفتش عنها في هذه الحوارات والنقاشات، وليس في مصادر التعاليم الجامدة.
* نراك تجعلين من الموسيقى واحداً من أعمدة الإصلاح التعليمي...
- ظني أن الموسيقى، مثل الرقص والمسرح، تولّد الصفات نفسها التي تولّدها الدراسات الأدبية: فهي تحفّز الخيال، وتتيح للطالب أن يختبر أو يفصل الأوضاع الحياتية المختلفة عن الأوضاع التي يعرفها مسبقا. ويختار الأساتذة الجيدون الفن المناسب لكل عمر، والمناسب لمصاعب المتلقين ومواهبهم. ويملك المسرح والرقص من قوة التأثير ما يجعلهما قادرين على الوصول إلى نفسيات الشباب، وهو ما لا تستطيع القراءة وحدها تحقيقه. وهكذا، إذا قام طالب من الطلاب في مسرحية من المسرحيات بتمثيل دور مخصص للتمييز العنصري، فسوف يفهم، وبصورة شخصية عميقة، القمع الشخصي الذي قد ينجم عن ذلك، وسوف يحس بلحمه وشحمه بذلك القمع، وهو ما لا تحققه الكتب في غالب الأحيان.
* حتى رئيسة جامعة هارفارد تلح في كتابك على ضرورة التعليم الفني في كامل التخصصات الجامعية. هل تتعرّض الجامعات الكبرى للضغط حتى لا تستمر في تنمية الفنون؟
- زملاؤنا في معاهد الفنون الحرة، والطلبة الذين يتخرجون منها، ولاسيما من الجامعات المرموقة كجامعة هارفارد، تزداد أعدادهم أكثر فأكثر، ولم يسبق أن عرفوا في سوق العمل ما يعرفونه الآن من الحظوة والتقدير. ومن مزايا هؤلاء الزملاء في الفنون الحرة أن الطالب يستطيع أن يختار مادة أساسية تهيئته لتخصصه المستقبلي، مع إمكانية تحصيل مواد أخرى تهيئته لحياة المواطنة مستقبلا. وفي المقابل، تشير رئيس هارفارد، في كتابي، إلى الضغط المالي الذي يمارسه دعاة ومناصرو الجامعات، من أجل تقليص التعليم الفني. لكن، يجب أن أقول هنا إننا في جامعة شيكاغو التي أعمل فيها، لا نخضع لمثل هذه الضغوط. بل نحن على وشك بناء مركز جديد للفنون سوف يكلفنا ملايين الدولارات، من أجل دعم التزامنا الفني.
* أنت توصين بإدراج حصص دينية، يهودية وإسلامية في المدارس الابتدائية. وفي فرنسا حيث مبدأ العلمانية أساسي، قد يكون من الصعوبة بمكان تنظيم مثل هذه الدروس.
- لست أرى سببا واضحا ومقنعا لهذا العذر. أنا لا أقترح أن تدرَّس هذه الديانات كما تدرَّس في أماكن العبادة؛ فالديانات يجب أن تدرس من وجهة نظر تاريخية واجتماعية. وعلى أية حال، فإن من واجب الناس أن يفهموا الطوائف التي تعيش بينهم وعلى أراضيهم. لذلك، فإن دور المدرسة هو إنشاء ونشر التفهم المتبادل، وتفادي الأفكار المسبقة والقوالب الجاهزة. الجهل الواسع الذي يجري حاليا حول الإسلام وتعاليمه المنتشرة في أوروبا هو الذي يسيء ويعرقل مسار الجدل السياسي الحالي، وهذا الغموض والالتباس، في رأيي، يمثل واحداً من أسباب فشل النظام التعليمي الأوروبي.
* أتعتقدين بأن الأنظمة التربوية الأوروبية قد تجاوزها الزمن؟
- أعتقد أن معظم البلدان الأوروبية تواجه مشكلتين في مدارسها: لجوء السلطة إلى نظام التلقين، والحفظ عن ظهر قلب. فالمفكرون التقدميون في التربية والتعليم؛ أمثال فروبيل، أو بيستالوزي، كانوا أوروبيين أصلا، لكن مقترحاتهم لم تطبَّق حقا في أوروبا. كانوا يؤمنون بتعليم حيّ وإبداعي، مقابل تحصيل المعارف عن طريق ممارسة سلطة المدرسين. ومن ناحية أخرى، أعتقد أنه يتعين على الجامعات الأوروبية أن تدرج الفنون في المناهج التعليمية كافة، وأن تتيح للطلاب بأن يتابعوا، بموازاةٍ مع مادة التخصص الرئيسية، دروسا تلقنهم مبادئ المواطنة. لكن مع الأسف، فقد جعل تطبيق مبدأ المجانسة التعليمية الذي فرضته إصلاحات بُولونيا (وهو إنشاء فضاء جامعي أوروبي تم إطلاقه العام 1999)، هذه التعددية في التخصصات، أمرا من الصعب تحقيقه، ولذلك ففي إيقوسيا، مثلا، كانت الجامعات قد اعتمدت هذا النموذج لكنها ما لبثت أن غيّرته بالانتقال من نظام الأربع سنوات إلى نظام الثلاث سنوات.
* في فرنسا، يسعى إصلاح المدارس الثانوية في الوقت الحالي إلى تطبيق نظام التعليم الشفوي في الثانوية. في رأيك، هل هذا هو الحل الأمثل للتغلب على لامبالاة الطالب وإهماله؟
- الأمر مرهون بعوامل كثيرة. إن الدروس الشفوية قد تنطوي على ميل للتكرار، وعلى الحفظ عن ظهر قلب، أو تجربة الفكر النقدي. المُهمّ حقا في الأمر لا يتمثل في العودة إلى نظام التلقين الشفوي، أو الاستمرار في الأعمال الكتابية، لكن في الفضاء النقدي الذي يتيحه الأساتذة لطلابهم. ففي فرنسا، عندما حضرت ملتقيات وندوات كثيرة في الفلسفة، لاحظت ميْلا مُحزنا من قبل المشاركين نحو الخطابات الطويلة بدلا من استعمال أسلوب تبادل الحجج والنقد. أنا لا أشجع هذا في المدارس، وقد كنت سعيدة جدا عندما اكتشف أن الجيل الجديد من الفلاسفة الفرنسيين يسعى لمزيد من التبادل النقدي، أكثر من الجيل الذي سبقه.
* لقد عملت مع أمارتيا سين في الهند. فأيّ دور تلعبه المدرسة في التنمية الديمقراطية الهندية؟
- التربية مفتاح التنمية الديمقراطية. لكن في كثير من المقاطعات الهندية، تعيش المدارس حالة يرثى لها. وقد خصص أمارتيا المال الذي حصل عليه من جائزة نوبل لإنشاء مؤسسة تدرّس كيفيات وطرق تسيير المدارس في منطقته في غرب البنغال، وتقوم بصياغة مقترحات للإصلاح التعلمي. إن ما ينتج عن هذه الدراسات مثير للصدمة حقا: حوالي 20 % من الأساتذة لا يحضرون إلى المدارس في بعض الأيام، وحتى عندما يحضرون، فإنهم لا يدرسون في كثير من الأحيان، لأنهم يُحضرون دروسا خصوصية يقدمونها للأطفال الأغنياء بعد ساعات الدوام. وهذا في رأيي شكل من أشكال الفساد. لكنّ هذه الممارسات السيئة يمكن إصلاحها. لقد حققت ولاية كيرالا الهندية نسبة 99 % من محو الأمية عند الشباب المراهقين، بفضل إدخال طرق جديدة في تطوير نظامها التربوي.


*نشر هذا الحوار تحت عنوان:
 Martha Nussbaum: "Socrate, reviens!

[email protected]

التعليق