تحوّل في العقيدة الفلسطينية

تم نشره في الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • مشعل وعباس يتصافحان على هامش أحد الاجتماعات - (أرشيفية)

ستيوارت ريغيلوث*
 (ذا بالستاين كرونيكل) 30/11/2011
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

رغم الاضطرابات المندلعة في وسط القاهرة، اجتمعت الفصائل الفلسطينية في العاصمة المصرية يوم 24 تشرين الثاني (نوفمبر) من أجل الدفع باتفاق المصالحة الوطنية. ويأتي هذا الاتفاق متأخراً كثيراً بالنسبة للشعب الفلسطيني، لكنه ينبع الآن من واقع الضرورة بالنسبة لكل من فتح وحماس -اللتين تبدوان وأنهما تنجرفان كلاهما باتجاه تكوين عقيدة جديدة في هذه الآونة.
فمن جهة، ومع التغييرات الجارية الآن في سورية، ربما لا يكون مقر المكتب السياسي لحركة حماس آمناً كما كان حاله عندما استضافه نظام الأسد في دمشق على مدى العقود الماضية. وبالنسبة لحركة فتح من الجهة الأخرى، ترك الفشل المستمر لمفاوضات السلام مع إسرائيل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية؛ محمود عباس، مع القليل من الشرعية وبلا نفوذ تقريباً.
وإلى جانب التخفيضات في التمويل الذي تقدمه الولايات المتحدة لمنظمة اليونسكو (كعقاب من الولايات المتحدة للمنظمة على قبول فلسطين عضواً فيها)، فضلاً عن التخفيضات التي أقرها الكونغرس الأميركي في التمويل الأساسي للسلطة الفلسطينية، لم يتبق لدى عباس أي طموح سوى الاستمرار في الرقص لواشنطن –خصوصاً بعد أن أدار له أوباما ظهره.
ولا يعني هذا القول إن عباس يقرّ بالعنف أو بأن تعود حماس إلى استخدام العنف كوسيلة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكن تلك كانت الوسيلة الوحيدة التي نفعت حتى الآن. وكان الانسحاب الإسرائيلي من غزة في العام 2005 قد جاء نتيجة للمقاومة الفلسطينية المسلحة التي جعلت الحياة لا تطاق بالنسبة للمستعمرين اليهود على طول الساحل الجنوبي للقطاع؛ تماماً مثلما كانت هذه هي الوسيلة التي حرر بها حزب الله جنوب لبنان في أيار (مايو) من العام 2000 بعد 18 عاما من الاحتلال الإسرائيلي. وقد منح هذان الانتصاران العسكريان للجماعات الإسلامية تأييداً شعبياً كبيراً في بلدانها، وتمثيلاً قوياً، إن لم يكن ساحقاً، في الانتخابات الوطنية.
تتعلق كل عملية المصالحة الفلسطينية أساساً بالمصادقة الغربية على رفض إسرائيل التعامل مع انتخاب حماس المدوي في العام 2006. كيف يمكن جلب حماس إلى ساحة السياسية السائدة؟ لكن المشكلة هي أنه لن يتم "جلب" حماس إلى "ساحة السياسة السائدة" على النحو الذي تريده الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، وإنما يمكن أن تحلّ بالتدريج عقيدة فلسطينية جديدة متماسكة.
في القاهرة، وبينما كان ميدان التحرير يشهد مزيداً من القتلى في سبيل التمثيل الشعبي، كانت الفصائل الفلسطينية تعرض مواقفها: كان لدى حماس كل الوقت الذي في العالم إلى جانبها؛ فيما بدت فتح بحاجة ماسة لحفظ ماء الوجه.
ولم يكن ما خرج من القاهرة شيئاً جديداً: فقد كانت فتح وحماس قد قررتا بالفعل الشهر الماضي إجراء انتخابات فى أيار (مايو) أو حزيران (يونيو) 2012. لكن الشيء الجديد الذي تمخض عنه اجتماع القاهرة كان الإعلان عن التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة -ولو أنه لم يتم الكشف عن أيّ أسماء.
لكن هذه هي النقطة الأساسية: ما الفائدة من دفع مرشحين من التكنوقراط لشغل المناصب العليا عندما تكون لدى كل فصيل أجندته الخاصة التي يحاول أن يدفع بها على أي حال؟ ما الفائدة من هذا التمرين في العلاقات العامة في شكل تقديم واجهة زائفة في وقت كانت فيه هذه الواجهة قد لاقت الرفض فعلياً من قبل؟ كان بعد انتخاب حماس في العام 2006، وإدراكها أنها ليست مستعدة لحكم غزة أو أي كيان فلسطيني آخر حين توصلت إلى اتفاق مكة المكرمة تحت وصاية العربية السعودية مع حركة فتح، وحينها تم تسليم ملف "الأمن" الحساس التابع لوزارة الداخلية إلى التكنوقراطي هاني القواسمي.
وكان القواسمي مرشحاً مستقلاً يحظى بالاحترام، والذي قامت إسرائيل والولايات المتحدة بإنكاره وإبعاده بلطف إلى الجوانب عند قيامهما بتدريب ونشر قوات فتح في غزة لإسقاط حكومة حماس القائمة بحكم الأمر الواقع هناك -والباقي تاريخ، لكننا كنا على مفترق طرق التكنوقراط من قبل.
لماذا نمر عبر خبرة اقتراحات خلق حكومة "انتقالية" في الأشهر المقبلة، ونحن نعلم أن هؤلاء المرشحين سيصادفون الرفض، إما من جهة القوى الغربية أو من جهة حماس، وعندما سيتنافس الفصيلان ضد بعضهما بعضا مرة أخرى في الانتخابات الوطنية في العام المقبل على أي حال؟
لا تبدو حماس وأنها تعترض على أي من الاتجاهين. ويدعو رئيس الوزراء في غزة إسماعيل هنية، مرة أخرى، إلى عودة جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين، والإفراج عن جميع السجناء الفلسطينيين، مع عاصمة فلسطينية في القدس المحتلة. وسواء كنت توافق على ذلك أم لا، فإن هنية محقّ تماماً في قوله إن إسرائيل قد تجاوزت بكثير حدود العام 1967 مع الاستيطان اليهودي في القدس المحتلة والضفة الغربية. وهو محقّ أيضا في رؤيته تحولاً في ميزان القوى الإقليمي.
تبدو الانتقالة النوعية في العقيدة الفلسطينية على نحو لن يأخذه الرأي السياسي للولايات المتحدة والتشجيع المالي من الاتحاد الأوروبي بقدر ما فعلوا من قبل. ولم تكن واشنطن ولا بروكسل قادرتين على التخفيف من احتمال قيام دولة فلسطينية، وبالتالي، فإن الفلسطينيين قد يتحدون حول استعادتها كلها مرة أخرى بدلا من التسوية على قطع منفصلة ومعزولة من الأراضي التي كانوا قد وعدوا بها مراراً وتكراراً.
إن حماس تعرض المستحيل -في الوقت الحالي- وهو بكل المعاني خطاب دوغماطي ومكرور، لكنه يعرض الأمل في مستقبل أفضل.


*مدير تحرير مجلة "ريفولف"، ويعمل في مجلس العلاقات الفلسطينية الأوروبية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Palestinian Paradigm Shift

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق