حيث رقدت جثة القذافي: في المدينة التي كرهته أكثر ما يكون

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً
  • سكان مصراته يصطفون لرؤية جثة العقيد الليبي يوم الجمعة الماضي - (أرشيفية)

فيفيان والت - (مجلة تايم) 21/10/2011

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مصراته- جثته الهامدة، المضروبة والمدمّاة، استلقت عارية سوى من سروال مبرقع، وقد انتشرت العلامات في جميع أنحاء صدره، وانفتح ثقب رصاصة في أحد صدغيه. كان هذا هو الرجل الذي ظل يغرس الرعب في نفوس الليبيين منذ ما يقرب من 42 عاماً. وفي الجزء الخلفي من سوق للمواد الغذائية بعد ظهر يوم الجمعة 21 تشرين الأول (أكتوبر)، استلقى جثمان معمر القذافي على حشية ضيقة متربة تحت ضوء الفلورسنت، عارياً في غرفة مبردة تستخدم عادة لحفظ الفواكه والخضراوات. وأصبحت السلطة المطلقة التي كانت تتيه بغطرسة على ليبيا طوال أجيال، مجرد شيء مثير للشفقة، جيفة معذّبة بوحشية.
جاءت مجموعة صغيرة من السكان المحليين إلى المكان متوترة الأعصاب. وقبل أن يتم إشعال الضوء، ومضت عيون القادمين في الظلام وهي تحاول التكيف مع العتمة، محدقة في جسد القذافي، وتكاد لا تصدق أنها تنظر إلى وجه الدكتاتور الميت على بعد بوصات فحسب. كان ذلك، بالنسبة للقادمين، دليلاً ملموساً على أن حاكمهم كان بالفعل تراباً وعائداً إلى التراب. وخرج رجل مسن في رداء رمادي وطاقية بيضاء إلى الشمس، ورفع يديه إلى السماء وقال: "آه، الحمد لله، الحمد لله". وابتسم صبي في الحادية عشرة من عمره ساخراً وهو ينتظر الدخول، بعد أن جلبه والده إلى المكان، وقال وهو يمضغ قطعة من العلكة: "جئت لأنني أريد أن أرى صاحب الشعر المجعّد".
بعد يوم واحد من محاصرة القذافي في أنبوب للصرف الصحي في مسقط رأسه؛ سرت، قال الثوار في مصراته -حيث تم نقل جثمان القذافي بعد مقتله- إنهم نقلوه من منزل خاص إلى غرفة التخزين الباردة في وقت ما بعد منتصف الليل. وبحلول ذلك الوقت، كانت حوالي 12 ساعة قد مرت منذ أن تم إطلاق النار عليه -عن طريق الصدفة، كما يصر مسؤولون في الحكومة الليبية الجديدة- وربما كانوا يخشون أن يبدأ جسده في التحلل بينما كان المسؤولون الليبيون يناقشون مكان وكيفية دفنه.
وفي مقابلة مع مجلة "تايم" مساء الخميس، قال رئيس الوزراء محمود جبريل إن المجلس الليبي الوطني الانتقالي قرر أنه كان "من غير الحكمة" نقل القذافي إلى طرابلس، التي تقع على بعد حوالى 150 ميلاً (240 كم)، لأن مثل ذلك يمكن أن يولد مشاعر "الغضب والمرارة" في العاصمة، ويجعل من موقع جنازته ودفنه مكاناً لا تمكن السيطرة عليه. وقال إن القذافي سوف يُدفن بدلاً من ذلك في مصراته يوم الجمعة، وهي المدينة الواقعة على بعد حوالي ساعتين بالسيارة من حيث تم العثور على القذافي في آخر المطاف.
ولكن، وبحلول غروب شمس الجمعة، كان القذافي غير مدفون بعد. وقد وصل جبريل في منتصف النهار من طرابلس لرؤية الجثة، وقال للصحفيين إن تشريح الجثة الذي سيبين كيف يمكن أن القذافي قد مات ربما يتطلب يوماً آخر أو نحو ذلك. وفي مساء الخميس، كان جبريل قد صرح لمجلة "تايم" بأن وقع في تقاطع تبادل النار أثناء اشتباك بين الثوار المقاتلين ومجموعة من الموالين للقذافي، بعد أن تم اكتشافه مختبئاً في حفرة للصرف الصحي. وادعى جبريل أن الثوار كانوا يحاولون حمل القذافي، الذي كان قد أصيب مسبقاً في ما يعتقد أنه هجوم الناتو الجوي على موكبه، إلى سيارة إسعاف مؤقتا.
ومع ذلك، أظهرت لقطات على هواتف الثوار المحمولة حشداً من الناس وهم يضربون ويركلون بجنون، وقالت بعض الروايات عن لحظات القذافي الأخيرة إنه توسل الثوار أن لا يطلقوا النار عليه. ولدى النظر إلى جسد القذافي عن كثب -من مسافة بضع بوصات- يبدو أن هناك مؤشرات على أنه تعرض للكثير من الضرب: فهناك خطوط حمراء عميقة على الجانب الأيمن من صدره، كما لو كان قد ضُرب أو خُدش عدة مرات. وعندما عدت إلى غرفة التخزين الباردة بعد قضاء بضع دقائق في الخارج، خرج رجل في معطف طبي أزرق، وقال إنه كان طبيب أسنان يحاول مقارنة سجلات أسنان القذافي بأسنان الجثة المسجاة. ويوم الخميس، قال وزير المالية والنفط في المجلس الوطني الانتقالي، علي الترهوني، لمجلة "تايم" إن المسؤولين كانوا مصممين على تقديم دليل لا يقبل الدحض على أن القذافي قد مات، بما في ذلك نتائج اختبارات الحمض النووي الرايبوزي.
تنطوي المدينة التي يستلقي فيها جسد القذافي الآن -وهي بالكاد مكان للراحة الأخيرة- على مفارقة عميقة. فعلى بعد ميل واحد فقط من غرفة التخزين الباردة حيث يرقد العقيد، ما يزال الشريان الرئيسي في مصراته، شارع طرابلس، يعرض ويلات الصواريخ والقذائف، التي تقف شاهدة على حصار قوات الدكتاتور الطويل للمدينة. لكن مصراته تحملت ونجت من الموت. وكان من دواعي فخر المدينة، أن مقاتلي مصراته هم الذين قادوا الهجوم النهائي على سرت؛ بما في ذلك عملية اعتقال القذافي وقتله.
وخلافاً لما يمكن أن تكون عليه الأمور في العاصمة مختلطة الولاءات، كانت المشاعر في مصراته تجاه القذافي واضحة وغير ملوثة. وكانت الاحتفالات هنا بموت القذافي يوم الجمعة وليدة مشاعر عميقة بالمرارة الشديدة. وقبل أداء صلاة الجمعة في أرض مفتوحة وسط المدينة، والتي أصبحت تسمى "ساحة الحرية"، ألقى رجل عظة تنال من شخص القذافي وتسخر من وفاته. وجأر مخاطباً القذافي الميت من خلال ميكروفون بينما كان حوالي 500 رجل يقتعدون الأرض تحت الشمس الحارقة: "قلت إنك ستظل في ليبيا، وإنك سوف تصطادنا مثل الجرذان.. وبدلاً من ذلك، اصطادوك أنت مثل الجرذان. أين أنت الآن، يا قذافي؟" وردد الحشد مجيباً: "في الجحيم! الله أكبر!".
يوم الجمعة، قال كثيرون في مصراته إنهم يودون رؤية القذافي وهو يُدفن في مكان آخر -حتى ولو أن معظمهم بدوا سعداء بفرصة المرور أمام جثته. وقال فاروق بن حميدة (36 عاماً) الذي كان يعمل مشرفاً على كافتيريا في مصنع الصلب المحلي قبل أن يحمل السلاح وينضم إلى الثورة في شباط (فبراير): "نحن لا نريد أن يدفن في أي مكان في ليبيا. يجب أن يدفنوه في البحر، مثل أسامة بن لادن".
وقبل غروب شمس يوم الجمعة، لم تكن جثة القذافي قد تحركت من مكانها. وعندئذ، سرت الأقوال عبر مصراته، والتي تفيد بأن جسد العقيد كان يرقد في غرفة التخزين الباردة في السوق؛ وسرعان ما اصطف المئات من الرجال والفتيان ليشاهدوه، كما لو أنهم كانوا في حاجة للتأكد من أن القذافي لن يعود ليحكمهم بالفعل. وقبل ذلك بساعات، كان المقاتلون الذين أتوا به قد حاولوا الحفاظ على سرية مكان جثته. لكن جثمان القذافي أصبح، في غضون ساعات فحسب، أكبر نقطة جذب في هذه المدينة على الإطلاق.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Where Gaddafi's Corpse Lies: In the City That Hated Him Most

التعليق