الخوف من التنين

تم نشره في الثلاثاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

يو هوا * - (نيويورك تايمز)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يقال إن "اللورد يي" كان يحب التنينات كثيراً جدّاً، حتى أنه نحت رسوماتها على أواني نبيذه، وإكسسواراته الشخصية، بل إنه جعلها ثيمة ديكوره الداخلي. وفي أحد الأيام، جاء تنين حقيقي ليتفقد الأحوال، ضاغطا أنفه على زجاج نافذة اللورد يي، بينما كان ذيله يلوح في الخارج. أما اللورد يي، الذي أفقده الرعب صوابه، فولى الأدبار.
وقد تذكرت القصة فيما أنا أراقب الاحتفال المئوي بثورة الصين للعام 1911، وسلسلة الانتفاضات التي أطاحت بسلالة تشينغ وأسست جمهورية ديمقراطية. وتحب الحكومة الفوضى التي تبلغ ذروتها يوم الاثنين طالما كان بوسعها أن تبتكرها وتسيطر عليها. ولكن، عندما يظهر الشيء الحقيقي أي إمارات على الاقتراب، فإنها تسقط في الرعب.
وفي النهاية، كشف عن أنه يتعلق بالعام 1911 أقل مما يتعلق بخوف بكين من التغيير. وعادة ما تميل الاستعراضات التذكارية المقيدة لأن تكون وسائل صرف انتباه متباهية، والتي تتجنب أي إشارة للآثار التحويلية للثورة.
أحد الأمثلة هو عودة سترة "زونغشان"؛ المعروفة أكثر في الغرب باسم "سترة ماو"، وإنما قدمها صن يات-سن بطل 1911. غير أن طول هذه السترة 14 قدماً، ولها أزرار بعرض خمسة إنشات. وكانت السترة قد صممت ليتم عرضها في طول البلاد وعرضها في العام المئوي، وسيتم اقتراحها للإدراج في كتاب غينيس للأرقام القياسية العالمية. وثمة مثال آخر، هو التمثال الصخري الذي يبلغ ارتفاعه 80 قدماً لزوجة صن يات- سن، سونغ تشينغ لينغ، في منطقة زينغزهو. والقصد من قاعدته التي تغطي مساحة 8000 قدم مربعة هو أن تكون قاعة مؤتمرات تستطيع استيعاب 600 شخص.
ثم هناك معرض الصور في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك بعنوان "الصين قيد التطور 1911-2011". ويدعي العرض بأنه يعكس مسار تطور الصين خلال الأعوام المائة الأخيرة، لكن ليست ثمة "قفزة كبرى إلى الأمام"، ولا "ثورة ثقافية"، ولا احتجاجات "تيانانمين".
ربما لا ينبغي أن نتفاجأ. فالتاريخ الصيني لم يفتح بوابته أمام الديمقراطية أبداً. وكما أظهر العام 1911، فإن الديمقراطية تدخل إلى الصين فقط من خلال تحطيم الباب. وقد عملت سنوات التخمر الثقافي التي تبعتها، من 1912 إلى 1927، ربما كانت فترة الحرية الأكبر في صين القرن العشرين. وفي تلك الحقبة من النشاط الاجتماعي وحرية الرأي، لعبت طائفة متنوعة من الأحزاب والتنظيمات السياسية دوراً في المجتمع. واليوم، أصبحت ما تسمى الأحزاب "الديمقراطية" الثمانية مجرد رفاق مساعدين للحزب الشيوعي.
لكن حريات الفترات الجمهورية المبكرة لم تدم. فقد تم خنقها في المهد بينما فنيت المبادئ الإرشادية وفصل السلطات التي رعاها صن يات-سن عند رحيله. وقد حركت الصين قبعتها الإمبريالية الأوتوقراطية في العام 1911، لكنها عادت في أعقاب الحرب الأهلية والحرب مع اليابان فلبست الزي الجديد لدكتاتورية الدولة في العام 1949.
وفيما اقتربت الذكرى المئوية، تساءل العديد من أفراد الشعب الصيني جهارا عن كيف كانت الأمور ستؤول اليوم لو كان قد سمح لتلك الديمقراطية الطفلة بأن تنمو. وبالتفكير، وراء، في الفساد في نهاية سلالة تشينغ وحالات التوتر المتصاعد عشية ثورة العام 1911، فقد شاهدوا صورة معكوسة لوقائع الصين اليوم؛ بما فيها من فساد وعدم مساواة.
وقد ذهب البعض إلى حد إطلاق هذه التصريحات الجريشة على الإنترنت: "في الذكرى الـ100، ننتظر اندلاع ثورة تطيح بالوضع الراهن".
ومدركة الخطر ومشوشة بسلسلة من النزاعات الاجتماعية في الأعوام الأخيرة، شنت حكومة بكين حملة على أي نقاش للديمقراطية أو الثورة، سواء جاء ذلك على شكل إشارات لموجة التحرر التي تجتاح الشرق الأوسط، أو على شكل تعليقات عن الصين نفسها. وعندما اجتمع مؤتمر الشعب القومي والمؤتمر الاستشاري السياسي القومي في بكين هذا الربيع، تم رفع وتيرة رقابة الشرطة، مع تثبيت دوريات على مدار الساعة عند تقاطعات الطرق وفي شوارع التسوق الرئيسية. وفي الأثناء، تم تجييش ثلاثة أرباع مليون شخص للمشاركة في نشاطات مراقبة مجتمعية.
كان ليانغ تشيكاو؛ الشخصية الإصلاحية الرئيسية في أواخر القرن التاسع عشر، قد قال ذات مرة إن الإجراءات التي اتخذتها حكومة تشينغ لصد القلاقل الشعبية كانت أكثر تعقيداً بلا شك من تلك التي اتخذتها البلدان المتقدمة. وبعد مائة عام، تظل الصين تتبوأ الريادة في الجهود الرامية لتجميد الاحتجاجات الشعبية.
وتبعاً لذلك، وفقط عبر إيماءات سطحية، يحتفل مسؤولونا بذكرى العام 1911. وتراهم يزعمون بأنهم يحتفلون بذكرى 1911 بينما هم يحتفون في واقع الحال بالعام 1949، عندما أعلن عن قيام جمهورية الصين الشعبية.
في ووهان؛ المكان الذي ولدت فيه انتفاضة العام 1911، صدرت تعليمات للشرطة بتعزيز دورياتها في الفترة بين 27 آب (أغسطس) و10 تشرين الأول (أكتوبر). وبالإضافة إلى عدة آلاف من ضباط الشرطة الذين يسيرون دوريات في كل يوم، ثمة 100 رجل من الشرطة شبه العسكرية، و200 رجل شرطة خاصة مسلحين برشاشات، وقد عهد إليهم جميعاً بمهام في الشوارع. وتراقب ربع مليون كاميرا مراقبة كل ركن في شوارع بكين 24 ساعة في اليوم، وكل ذلك تحت اسم "خلق بيئة سلمية للاحتفال بالذكرى المئوية".
لا تساورني أي شكوك في أن اللورد يي أحب التنينات -طالما ظلت كائنات تزيينية صرفة. كما أنني لا أشك في أن حكومتنا تريد إحياء ذكرى ثورة العام 1911، طالما ظلت الفضائل مقتصرة على لمسات ديكورية، أو على رحلات للخيال في التصميم الداخلي.

* سينشر أحدث كتب ليو هوا: "الصين في عشر كلمات" في الشهر المقبل.
* نشر هذا المقال تحت عنوان: Fear of Dragons

التعليق