بناء الحضارات.. دور المقاصد

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

د. علي جمعة*

عملية بناء الحضارة هي رحلة تتم في عقل الفرد يستكشف فيها قواعد تفكيره وعقله ويحدد فيها سمات هويته ووجدانه، ثم تبدأ آثار هذه الرحلة من خلال الظهور في الحياة والآداب والفنون لتحفر مكانها في تاريخ البشرية، ولبناء حضارة الإسلام، كانت الخطوة الأولى تحديد محور هذه الحضارة وهو بالاتفاق "النص" بشقيه الكتاب والسُّنة، ثم يبدأ المسلم في الخطوة الثانية بتحديد قواعد تفكيره التي ستبنى عليها هذه الحضارة، ثم بعد ذلك تبدأ الخطوة الثالثة والأخيرة في تحديد مقاصد وغايات هذه الحضارة، وفيها يحدد المسلم هدف وجوده والغاية من خلقه في هذا الكون، وهو ما يعرف في التراث الإسلامى بـ"بقضية التكليف"، فبناء الحضارة ليس بأمر اختياري لكنه واجب مكلف به كل مسلم.
 وأسس هذا التكليف ثلاثة، أولها: عبادة الله، تلك العبادة التي يجب أن تُنشئ إنسان العمارة والحضارة، قال سبحانه وتعالى:"وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ" [الذاريات: 56: 58]، وثانيها: عمارة الأرض، وذلك بنشاط التعمير والامتناع عن نشاط التدمير، قال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61]، أى طلب منكم عمارتها، وقال سبحانه: (وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: 60]، وثالثها: تزكية النفس قال عز من قائل: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس: 9: 10]، وهذه الأسس الثلاثة تدور حول قاعدة واحدة، وهي تحقيق المصالح ودفع المفاسد، وهذا هو الهدف الأسمى من جميع العبادات والمعاملات والأحكام الشرعية بل الدين في مجمله، والمصلحة الحقيقية هي التي تعم الجماعة ولا تخص فئة دون أخرى، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: المقاصد الضرورية، والمقاصد الحاجية، والمقاصد التحسينية.
والمقاصد الضرورية هي ما تقوم عليه حياة الناس ولا بد منها لاستقامة مصالحهم، وإذا فُقدت اختل نظام حياتهم، ولم تستقم مصالحهم، وعمّت فيهم الفوضى والمفاسد، وقد اتفق العلماء على تحديدها في خمسة مقاصد كلية، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض (الكرامة الإنسانية)، والمال (الأملاك)، والإسلام شرع لكل واحد من هذه الخمسة أحكاماً تَكْفل إيجاده وتكوينه، وأحكاماً تَكْفل حفظه وصيانته، وهذه الكليات الخمس ضرورة لبقاء نظام العالم وحفظه، ولذلك لم تختلف فيها أو حولها شريعة من الشرائع، بل هي مطبقة على حفظها. يقول الشاطبى:"فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري" (الموافقات 1/31).
ولم يتفق العلماء على ترتيب معين لهذه المقاصد، لأن كلا منهم نظر إليها من وجهة معينة. وقد أشار تاج الدين السبكي إلى أن الضروري قد يكون دينياً وقد يكون دنيوياً، وعند تعارضهما يلاحظ أن بعض العلماء يرى تقديم الضروري المتعلق بالدين على الضروري المتعلق بالدنيا، لأن الأول ثمرته السعادة الأبدية، والثاني ثمرته السعادة الفانية. وذهب بعض العلماء إلى القول بتقديم الضروري المتعلق بالدنيا على الضروري المتعلق بالآخرة، وذلك لأن حق الآدمي مبني على الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، ولهذا كان حق الآدمي مقدماً على حق الله لما ازدحم الحقَّان في محل واحد وتعذر استيفاؤهما منه، كما يُقَدَّمُ أداءُ الدَّيْن على زكاتي المال والفطر. (الإبهاج شرح المنهاج3/241).
وأرى أن الترتيب المنطقي لهذه المقاصد أو الكليات الخمس هو: النفس ثم العقل ثم الدِّين ثم العرض (الكرامة الإنسانية) ثم المال، ومدار منطقيته أن المحافظة تجب أولاً على النفس التي بها تقوم الأفعال والأحكام والتكاليف، ثم على العقل، لأن التكليف يناط به، ثم على الدين الذي يهذب النفس بالعبادات، ثم تأتي بعد ذلك الكرامة الشخصية والأملاك العينية، ومثال ما أقره الشرع من تقديم ما يتعلق بالنفس على ما يتعلق بمطلق التعبد أن الشرع أباح أكل الميتة للمضطر، وفيه تقديم المحافظة على النفس على الأمر الشرعي، فمن أوشكت نفسه على الهلاك لزمه شرعاً أكل الميتة أو الخنزير أو شرب الخمر، لأن تاركه ساعٍ في هلاك نفسه وقد قال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29].
أما المقاصد الحاجية، فقد عرّفها الشاطبي فقال:"ما يفتقر إليه من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُرَاعَ، دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادى المتوقع في المصالح العامة". (الموافقات2/21)، فالحاجيات مَرْتَبَةٌ دون الضروريات، لأنه لا يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة. وقد راعت الشريعة تحقيق المقاصد الحاجية ورفع الحرج عن المكلفين، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]، وتقول السيدة عائشة أم المؤمنين عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وَلاَ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا" [رواه أحمد]، ولأجل الحاجيات شرعت الرخص والكفارات والفدية وغير ذلك، وشرّع التيمم بدلاً عن التطهر بالماء عند فقده، والجمع بين الصلاتين، وقصر الصلاة الرباعية في السفر، وإباحة الفطر للمريض والمسافر.
أما المقاصد التحسينية فعرّفها الشاطبي بأنها:"الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق" (الموافقات ٢/٢٢)، والأمثلة على ذلك كثيرة مثل انتخاب الأطيب في الزكاة والنفقة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) [البقرة: 267]، ومثل معاشرة الزوجة بالإحسان والرفق، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19].
وبذلك نجح المسلمون الأوائل في بناء حضارتهم، فجابوا بها الآفاق وأصبحوا مثالاً لم ينجح أحد في تكراره إلى يومنا هذا، والدور الآن على الأجيال الحاضرة في العودة مرة أخرى لبناء الحضارة وإعمار الأرض وتزكية النفس وعبادة الله حق عبادته.


* مفتي الديار المصرية

التعليق