مرامي النص الديني عند ذوي الأهواء

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

محمود قدوم*

نُقل عن ابن تيمية في كتاب "مجموع الفتاوى":"جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهوى والضلال، والرشاد والغيّ، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك أنْ يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتّباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان، فيصدق بأنّه حق وصِدق، وما سواه من كلام سائر الناس يُعرض عليه، فإنْ وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإنْ لم يعلم هل وافقه أو خالفه، لكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده، ولكن لا يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو تكذيبه، فإنّه يمسك لا يتكلّم إلا بعلم".
لذلك يقرِّر أهل السنة بجلاء أنَّ إقرار العبد بالشهادتَيْن يفرض عليه أن يجعل كلام مَنْ آمن به رباً ومعبوداً، وحديث مَن آمن به نبيّاً ورسولاً، بالمقام الذي لا يدنو منه مقام، ومن ثمّ يلزم العبد أن يهجر كلّ قول وعمل يخالف النصوص الدينيّة، مهما مالت إليه النفس وأُشرِبه القلب.
أمّا أهل الأهواء فيتّفقون -أو يكادون- على عدم الرفع من شأن النصوص الدينية إلى هذا الحد، ويَصِمُون أهل السنة بسيل من الوصمات التي وإن انطوى بعضها على إقذاعٍ وتجنٍّ فإنّ بعضها أُطلِق على أهل السنّة لمجرّد تمسّكهم بالنص وعضّهم عليه بالنواجذ و-تلك شكاة ظاهر عارها-.
لذلك ذهب أهل الأهواء إلى النص ليقودوه إلى مقرّرات سابقة حدّدوها وفق معاييرهم الشخصية، ونظروا إلى النص في ضوئها، فالنص عندهم مسبوق لا سابق، ومقود لا قائد، ولذلك تلوّنت معارضة النص وفق مصدر كل طائفة من طوائف المتلقّي.
فالمتكلِّمون قدّموا العقل على النص، ومنحرفو الصوفية جعلوا كشوفهم رائدة للنص، وغلاة المقلّدين سبّقوا أقوال معظّميهم على النصوص الدينية.
ويظهر من ذلك أنَّ المسلك الباطل هو القاسم المشترك في التعامل مع النص بين أهل الأهواء قاطبة، فهم ينظرون إلى النصوص عبر نوافذ مُشرَعة عليها، وإن كان ذلك على حساب ليّ أعناق النصوص أو قصمها، قال تعالى:"ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون"(المؤمنون: 71).
فالنص عند أهل الأهواء منوط بحالَيْن؛ إمّا الموافقة لأذواقهم أو مخالفتها؛ فإن وافق فإنّهم يعملون به اعتضاداً لا اعتماداً، وإن خالفها فإنّهم يرصدونه بالتأويل وإلا فالتفويض ملاذ آمن.  
قال تعالى:"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ" (آل عمران: 7).
فسّر ابن جرير هذه الآية بقوله:" وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا -يقصد أهل الشرك- فإنّها معنيّ بها كلّ مبتدع في دين الله بدعة، كائناً مَن كان وأيّ أصناف البدعة كان، من أهل النصرانيّة، أو أهل اليهوديّة، أو المجوسيّة، أو كان سبئيّاً، أو حروريّاً، أو قدريّاً، أو جهميّاً، كالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيتم الذين يجادلون به فهم الذين عنى الله فاحذروهم". 


*كاتب أردني

التعليق