تحليل اقتصادي

هل دخلنا مرحلة الركود؟

تم نشره في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

إبراهيم شكري دبدوب*
الكويت- تبدو الأزمة المالية العالمية الجديدة قريبة منا اليوم أكثر من أي وقت مضى، بل انها تبدو أشد حدة من سابقتها في العام 2008 حين سقوط ليمان براذرز، المؤشرات كافة من الولايات المتحدة الأميركية ودول اليورو والمملكة المتحدة الى اليابان تشير الى اننا نتجه نحو ركود جديد، في الأمس، كنا نظن ان بعض المؤسسات المالية العالمية هي "أكبر من ان تنهار"، لكن اليوم، تبدو حكومات الاقتصادات المتقدمة "أكبر من ان يتم إنقاذها".
في الولايات المتحدة الأميركية، تثير البيانات الاقتصادية قلقا متزايدا فصلا بعد آخر، من بيانات النمو الاقتصادي الى الاستهلاك والسكن وحتى سوق العمل، وفي أوروبا، الركود حاضر أصلا في خمس دول، ثلاث منها (اليونان والبرتغال وإيرلندا) فقدت القدرة على الاستدانة، وتبدو إيطاليا وإسبانيا في الطريق للحاق بها، والأسوأ ان اقتصاد هاتين الدولتين يبدو "أكبر من ان ينهار" و"أكبر من ان ينقذ" في الوقت نفسه، المشهد لا يختلف في المملكة المتحدة واليابان اللتين تشهدان فصولا متتالية من الركود الاقتصادي.
ما يزيد من حدة الأزمة الحالية عن سابقتها، اننا فقدنا الخيارات، وبات العالم مثقلا بسياسات مالية ونقدية انكماشية، فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول اليورو مجبرة على عكس سياساتها التوسعية السابقة التي حاولت من خلالها مجابهة الأزمة المالية الأخيرة، اليوم، ليس باستطاعة هذه الدول إطلاق برامج التحفيز الكمي التي اعتمدتها في السابق، وفيما تدخلت حكومات هذه الدول لإنقاذ بنوكها قبل ثلاثة أعوام، يبدو ان البعض يراهن على ان تقوم البنوك اليوم بإنقاذ الحكومات، إذا أمكن!
الا ان الحكومات والبنوك هي في واقع الحال في خندق واحد، إذ إن مخاطر الديون السيادية تتحول الى مخاطر نظامية في القطاع المصرفي بسبب انكشاف البنوك على الدين الحكومي، ان حاضرا أو مستقبلا.
لكن فقدان فاعلية السياستين النقدية والمالية حاليا يلقي الضوء على أزمة بنيوية تتخطى التخبطات القصيرة الاجل، وحلها لن يكون سهلا أو سريعا، لقد أثقلت المديونية الضخمة كاهل القطاع الخاص في السابق، واليوم تغرق الديون السيادية الحكومات، ما حصل أمس اننا استبدلنا دينا خاصا بدين عام، وقد فاقم ذلك من الأزمة ولم يحلها كما كان يؤمل، الدول المتقدمة مدعوة اليوم الى اتخاذ القرارات الصعبة والى تبني سياسات تتجاوز الأجندة الانتخابية، الحل يبقى بتخفيض حجم الدين، وهذا يتطلب سنوات طويلة.
لا شك ان دول اليرور والمأزومة حاليا ستعيد جدولة ديونها وديون بنوكها، أولا في اليونان والبرتغال ثم إيرلندا، لكن في حال فقدت إيطاليا وإسبانيا قدرتها على الولوج الى أسواق الدين، كما يرجح، فإن المديونية ستتضاعف بنحو ثلاث مرات، ما من شأنه ان يقضي على أي محاولة لجدولة الديون، على أي حال، فإن المقاربات كافة لأزمة أوروبا تبدو عقيمة، والخيار المطروح حاليا بأن يتحمل الاتحاد الأوروبي ديون دولة الأعضاء سيكون أشبه بكرة ثلج تتضخم: إذ بعدما حملت ديون القطاع الخاص على الميزانيات الحكومية، يقترح البعض اليوم ان يتحمل الاتحاد الأوروبي الديون الحكومية، هذا الخيار قد لا يجدي نفعا، ولا يمكن مواصلة تبديد المزيد من الأموال كجرعات من المهدئات.
أمام أوروبا اليوم خياران، اما التفكك أو الوحدة المالية: بالنسبة للخيار الأول، لا تحتاج دول مثل اليونان والبرتغال أكثر من ثلاث الى خمس سنوات لتعيد النظر بعضويتها في الاتحاد الأوروبي، اما الخيار الثاني، فلن يتحقق ما لم تتخل الدول الأضعف ماليا في الاتحاد الأوروبي عن سيادتها المالية- وبطبيعة الحال سيادتها السياسية الى حد ما- الى الدول الأقوى ماليا مثل ألمانيا وفرنسا وحتى المؤسسات الأوروبية، واعتقد ان أوروبا تسير في هذا الاتجاه، وهو، من وجهة نظر سياسية، قد يبلغ حدا يترحمون فيه على الخيار الأول.
الصورة إذن تبدو قاتمة، وليس للدول المتقدمة فحسب، وإنما للصين والهند والأسواق الناشئة التي عليها ربما ان تتحضر لمرحلة من تباطؤ النمو، بعدما كان ينظر إليها كمنقذ، فالصين أيضا تقف أمام لحظة تحول، وصناع القرار فيها سيضطرون الى بناء طلب محلي والاعتماد عليه أكثر، وهذا من شأنه ان يضع العديد من الضغوط على الاقتصاد الصيني.
العالم يشهد تغيرات جذرية في البنية الاقتصادية وصناعة القرار على المستويين الاقتصادي والسياسي، وفي وقت ينتظر العالم الدول المتقدمة لإيجاد الحلول، يبدو ان الجميع قد تخلى عن دوره.
وبرأيي، فإن أنظار العالم يجب ان تتجه نحو الصين، فهي لم تقم بعد بما يكفي لاحتلال موقعها على خريطة التوازنات الاقتصادية العالمية، وعلى الاقتصادات الناشئة ان تحتل حيزها على الساحة الاقتصادية العالمية، والا فمصيرها دوما الذوبان في دوامة الأزمة الحالية والأزمات المستقبلية، آملين ان لا تصبح هي نفسها مشروع أزمة مقبلة.
اما بالنسبة لدول الخليج، فأعود لأكرر ان الدول الخليجية غنية بفوائضها واحتياطاتها المالية والنفطية وليست مدينة للمصارف الأجنبية، ولذلك، تظل منطقة الخليج العربي هي أكثر الدول أمانا وبعدا عن تأثيرات الأزمة.

*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني

التعليق