نظرة اجتماعية سطحية للمبدع تجعل منه "عاطلا عن العمل وشخصا غير موفق في حياته"

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

جمال القيسي

عمان - حالة الفقر والعوز والحاجة، لا بل والفاقة في حالات كثيرة، التي تمتاز بها حياة المبدعين العرب تتطلب وقفة جادة وحقيقية من المجتمع والدولة على السواء؛ فالمبدع يستحق التكريم والتقدير، وأن توفر له سبل الراحة، والظروف النفسية الصحية ليستطيع إنجاز ما ُنذر له، بدون الانشغال بأوشال الحياة.
إن النظرة الاجتماعية السطحية إلى المبدع، إنما هي تراكمات ثقافات شعبية متخلفة عن مكانته ودوره وأثره وقبل ذلك مفهوم كينونته، فالكثيرون ممن يتقدمون المجالس والصفوف لا يعرفون معنى المبدع سوى أنه شخص غير موفق في حياته فأصبح "يكتب شعرا" أو "يرسم" أو "يؤلف قصصا وروايات".
وهذه النظرة السطحية المتخلفة إلى المبدع لا توجد إلا في البلاد العربية، التي يصطدم رويبضاتها بالكتّاب وأشباه الكتّاب في مناسبات عديدة، ولا يعرفون عنهم إلا الحاجة وقلة ذات اليد وضعف في القوة المادية التي لا يمكن ان يُرى المرء في عصر تغول الرأسمالية من دونها.
الكاتب في الغرب شخص محترم له مكانته المصونة من أي تهكم أو تندر او استهجان طبيعي أو مصطنع لكُنه كينونته؛ لأن المجتمع والدولة ابتداء يحترمان مواطنهما عموما، ومن ثم يزداد تقدير "المبدع" لأن المجتمع يعترف بفضل الأدب والفن والموسيقى وصنوف الإبداع في الحياة.
في كتابه المدهش "اسمها تجربة" الذي روى فيه مذكرات حياته، وكيف بدأ كاتبا مغمورا لم تقبل اي صحيفة ان تنشر له ولو قصة ولمدة تجاوزت الثلاث سنوات، يروي الكاتب والمسرحي الاميركي ارسكين كالدويل (1903-1987) أن أول أجر تقاضاه على قصة كان 200 دولار وذلك في العشرينات من القرن الماضي.
لربما يستوقف الناس في الغرب قراء وكتابا الكثير من الحياة الفريدة المدهشة التي ضمها كتاب كالدويل، ومدى إصراره على أنه كاتب مجيد، وليس على قارعة الكتابة، ولكن المبلغ الذي دفع له قبل حوالي 90 عاما يستوقفنا لنثير التساؤلات واللوم الكبير على كل من تعنيه الثقافة في البلاد العربية.
أول أجر لكالدويل يطرح التساؤلات على وزارات الثقافة العربية لتجيب عن حكوماتها، عن نظرتها غير الحانية إلى أحوال الكتاب والمبدعين، وفيما اذا كانت مقتنعة أم  لا بأن المبدع يستحق من دولته الدعم المعنوي والمادي مرتين، مرة لأنه مواطنها ومرة لأنه ضميرها وقلبها النابض بالخير والحق والجمال.
من المؤكد أن المكافأة المادية على الإبداع ما هي إلا صورة واحدة من برنامج طويل وضخم وغني يلزم الاعداد له لصالح المبدع، فالأمم التي لا تقدر مبدعيها لا تمتلك مقومات الاستمرار، ولا تصلح نموذجا لتنمية او تقدم ملموس، وهذه هي الحقيقة مهما بدا هذا الكلام شاعريا.
ومن يطالب المبدع العربي بإبداع اكثر جودة او اعمق غورا، نلفت إلى أن المبدع الغربي يكتب ضمن أجواء مختلفة تماما، ومن الظلم الشديد للمبدع العربي ان نساوق و/أو نجاور نتاجه بنتاج المبدع الغربي، لا من حيث السوية ولا من حيث التأثير؛ فالأصل بالمساوقة والمجاورة توافر الشروط الموضوعية الواحدة لكلا الحالتين، لا أن ندعو طفلا ضعيفا لملاكمة رياضي عريق!

التعليق