إصدار جديد يتناول أفكار توماس أكويناس ومناطق النزاع بين اللاهوت والعلم

تم نشره في الاثنين 29 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب-(الغد)

زياد العناني

عمان-يُعايِنُ د. إبراهيم حسين خليل في كتابه "عودة توماس أكويناس- مناطق النزاع الجديدة بين اللاهوت والعلم"، بعيداً عن ترجمة حياة توماس وسيرته الذاتية.
يُركِّزُ خليل على فكره وعن طريق قراءة الكتابات التي كانت تصدر كدفاع عن اللاهوت المسيحي وثوابته في السنين الاثنتي عشرة الأخيرة (أي منذ 1998)، وهي لم تكن إلا إعادة لما كان يقال في أيامه من دفاع وتفسير للاهوت مقابل ما يطرأ منذ وقائع تشكك في النظرة إلى الكتاب المقدس، مبيِّناً أنَّ التفسيرَ مطلوبٌ في حدِّ ذاته حتى لو لم يشكك في النصوص أحد.
ويقول خليل إنَّ اللاهوت المسيحي لم يكتمل ولم ينضج كفرع من فروع المعرفة الفلسفية الدينية الخاصة برهبانية المسيحية، إلا على يد اكويناس بالدرجة الأولى، ثم تبعه وليام بالي كلاهوت.
ويضيف أنَّ هذين هما من أسَّسا الفكر المسيحي، مبيِّناً أنَّ شهرة توماس كلاهوتي ومفكر وفيلسوف ومقارعته للعلماء، وتردد اسمه في أدبيات الفلسفة واللاهوت بشكل لافت للنظر ومثير للفضول، كانت وراء دوافع التعرف إلى فلسفته التي ما تزالُ محطَّ اهتمام الفلاسفة المسيحين واللاهوتيين على حد سواء، لأنَّهم يرون فيها حلاًّ للمسائل الوجودية.
ويلفتُ خليل إلى السؤال المطروح وهو: ما الذي يميِّزُ فكر توماس عن غيره من اللاهوتيين على كثرتهم، مؤكداً أنَّه ليسَ بصدَدِ فتح باب النقاش في نزاع العلم واللاهوت على المستوى العالمي. وبيَّنَ أنَّه لا يستطيعُ مجاراة أولئك الذين كتبوا في الموضوع نفسه من الغربيين، وهم من فلاسفة الغرب نفسه ومفكريه وأعلامه لأنهم كانوا يتحدثون عما يدور في مجتمعاتهم، وتحول القناعات لدى الناس وأسبابها، ودور هذا النزاع في هذه القناعات، وهم أدرى بها من غيرهم.
ويضيفُ خليل أنَّ خصوم اللاهوت أيضا كان عبارة عن أفكار علمية وأخرى فلسفية تصدر عن علمائهم ومفكريهم، مفضِّلاً أن يحذو حذو راسل في طرح مناطق النزاع -في لاهوتنا نحن العرب المسلمين في الشرق- من حيث النظر بحيادية، وشمول المنظور لا من حيث المنطقة الجغرافية التي كانت ساحة للنزاع, لأن راسل كان معنيا بالغرب، ومشيراً إلى أنَّه كباحث يُفضِّلُ أنْ يُعنى بالشرق.
ويرى خليل أن أكويناس يتمتَّعُ بذكاء حاد لم يسبق فيه لاهوني قبله، مشيراً إلى انفتاح فكره على دراسة الفلسفة دراسة حقيقية. وبيَّنَ أنَّه استطاع فهمها بدقة، وعرَفَ جيِّداً المدارس الفلسفية ونقاط الضعف التي تعتري كل مذهب من مذاهبها، حتى أنَّه تأثر بابن رشد على ما ذهب الدكتور محمود قاسم في "نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها عند توماس الاكويني"، إضافة إلى إيمان توماس العميق بمطلق الحقيقية في الكتاب المقدس بهديه، وهو ما دفعه للتفكير بعمق أكثر فقد عرف من اين يأتي الطعن في مطلقات اللاهوت.
ويؤكِّدُ خليل أنَّ اكويناس استثمَرَ ذكاءه في إقحام المفاهيم الفلسفية التجريدية المحضة إلى مضمار الصراع بطريقة أشبه بالاختلاس غير المدرك ذهنيا، ليسد الخلل الذي يعتري الحقائق المسطورة في الكتاب المقدس.
ويُبيِّنُ خليل أنَّه معني بالفكر في عالمنا في الشرق، كما عنوا هم بفكرهم في الغرب، لافتاً إلى ضرورة  الوقوف عند القواعد الأساسية لدى الغرب لأنَّها تشترك وتنطبق على لاهوتنا، وفهم آليات استثمارها للدفاع عن كتابه الذي يؤمن به الملايين من الناس هي عين آليات وطرق ومناهج الدفاع المستخدمة في اللاهوت الإسلامي، معتبرا أنَّه يتناول المشترك بين المجامع "المسكونية": المسيحية والاسلامية التي تشكل التوراة عقدة الربط بينها.
ويرى عطية أنَّ توماس كان من القلة التي تدرك وجوبَ أنْ تكونَ المعركة ضاريةً، وفي الوقت نفسه كان عليه أنْ يُعاركَ بهدوء لا بعنف أو هجمية تخرجه من المضمار مسبوقاً لا سابقاً.
ويلفتُ خليل إلى أولى قواعده في المحاجات في كبريات المسائل التي كادت تسوق اللاهوت كله- مسيحيا وغير مسيحي- إلى متحف الانتيكا.
ويلخص خليل فكرَ توماس, ويسوق فكره من اتباعه وممن تبنوا فلسفته بإخلاص، من القساوسة المدافعين عن معتقداتهم، مستبعدا أنَّه ترَكَ الأمر لفهمه الشخصي للتدخل في نصوصهم.
ويمهد خليل للدخول إلى الموضوع مع صعوبة شديدة جدا في تحويل المقولات الفلسفية "اللغة الميتافيزيقية" أو "ألعوبة اللغة" على حد تعبير فايتجن شتاين التي تصعد عاليا في طبقات الإصطلاح- الاصطلاحي، مبيِّناً أنَّ العدم لا ينتج إلاَّ العدم.
ويقول خليل إنَّ مفهوم القاعدة يقول باختصار: إنَّ هناك خالقا للكون... حسن، ولكن كيف تبرهن على ذلك، رائيا أنَّ علينا أنْ نثبت ذلك فلسفيا، لأنَّ القاعدة السابقة قاعدة منطقية وليست فلسفية.

[email protected]

التعليق