النقد تخلف عن تجربة درويش وبالغ في تغول الاسم على النص

تم نشره في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011. 02:15 صباحاً

زياد العناني

عمان- مثل صاحب "حتى"، رحَلَ الشاعر محمود درويش وفي نفسه أنْ يكون لنا مدونة نقدية تعنى بالنص، وتستبعد الشغل على الاسم أو الشخص.
في حواراته العديدة كان لدرويش أكثر من سؤال حول النقد ومفهومه وآفاقه في الوطن العربي، وعلاقته المتشتبكة والملتبسة مع النص، غير أنَّ سؤاله هذا بقيَ معلقاً بكلِّ احتداماته خارج الوعي النقدي، لكنَّه بالضرورَةِ ظلَّ علامة دالة ومؤكدة بأنَّنا غير فاعلين في هذا المجال، ولم نستطع تثقيف خياراتنا النقدية لتكون متوازيَةً مع النص الشعري، بمعزل عن الغرض الذي كان يتجول في المساحة كلها.  بالضرورة لم يكن درويش غاضبا لأنه لم يدخل الدرس النقدي المستند إلى أدوات النقد ومدارسه العالمية، وإنما كان ينقد لعنة تغول الاسم على النص كأنْ ينشغِلَ النقادُ العربُ بأخبار الشخص وأمراضه وزياراته وأمسياته الخبرية التي تنشر وتسبح في فضاء مفتوح على حساب التجربة الإبداعية التي تغلق وتستغلق، لأنَّ الكسَلَ النقديَّ أو الصحفيَّ ليس لديه الجلد على امتحان النص، وكأنَّهُ أراد هنا أنْ يؤشِّرَ إلى‏ أسوأ حقيقة يمكن أنْ تتواجَدَ في مشهد ثقافي، مثل المشهد العربي المغرم دائما بالنزعة التجميلية والمنكوب منذ بداياته بمسايرة الخراب.
هكذا وضَعَ درويش يده على المنقوص الماثل في الواقع الثقافي العربي، خصوصا أنَّهُ كان يُقرنُ المشهَدَ النقديَّ العربيَّ في بداية القرن الماضي وتفاعله مع النص بالمشهد الذي عاش فيه وكيف صار راكدا ومتخثرا وكتابة تحت الطلب، وليس فيه ما يشي بأي جهد نقدي أكاديمي أو إبداعي يقوم بمهمة النظر في جوانية القصيدة العربية وفي مشهدها الساخن على وجه الخصوص.
بيد أنَّ الأمر ما تغير قبل رحيله وبعد رحيله أيضا، إذ ظلَّ المشهد يتقلب في الأجواء نفسها طارحا بعد غيابه لشخصية الشاعر رمزية مقلصة ترتبط  بفلسطين وتحشر تجربته العالمية في شعر المقاومة، وهو أمر طلما أشار إليه صراحة حينما قال "لستُ الناطق الرسمي باسم الشعب الفلسطيني"، من غير أن يقصد التنصل من فلسطين، ولكنه كان يتساوق مع علمه بأن هذا الكلام قد ينطبق على تجربته الأولى، أما مسار التجربة في ما بعد أو في حجمها التراكمي فيحتاج إلى معاينة أخرى، تمتدُّ إلى حضور الإبداعي الإنساني.
ورغم شهرة درويش إلا أنَّه لم يأخذ حقه، والطريف أنَّ كلَّ الكلمات التي قيلت من قبل الكتاب والشعراء بعد رحيله لم تتجاوز قصيدته:"آه يا جُرحي المكابر، وطني ليس حقيبة، وأنا لستُ مُسافر" إلى ما بعد من فتوحات شعرية تجذرت، إلى أنْ أدرَكَها رجل سياسي هو رئيس وزراء لبنان الأسبق فؤاد السنيورة حينما قال إن درويش:" صارع ذاكرة النسْيان لدى الأعداء والأصدقاء وانه صاحب  شاعريةٍ تسمو عن رُعْب الواقع دون أن تتجاهَلَه، وتختزنُ فلسطين وناسَها، والعربَ وتاريخَهم وحاضِرَهُم، ليقهر حضرةَ الغياب"، وهو ادراك جامع قد يتقاطع مع أدونيس حينما قال بعد وفات درويش: شعره مثل كيمياء تحوّل الموت إلى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة"، الذي جاء بعد التباس وقطيعة في العلاقة وربما لو جاء في حياة درويش لسعد به أكثر، وافتخر به.
قدِّرَ لتجربة درويش أنْ تقَعَ بعد وفاته في أياد حاولت أنْ تحتفي به، لكنَّها أفرطت، بحسب ما قال حين كان حيا في حياته، بـ "التأويل السياسي، أو أفرطت في التأويل الجمالي ولم يتناول شعري بشروطه الجمالية العامة، لا بخصوصية انتماء صاحبه"، وأخفقت بعد رحيله حين وقعت في سوء الفهم وفي عدمه، من خلال ملابسات نشر آخر أعماله "لا أريد لهذي القصيدة أنْ تنتهي"، بما فيها من أخطاء  تتعلق بالوزن والتقطيع والتنقيط والتحريك، حيثُ أساءت تلك الملابسات إليه واللافت أنَّ تلك الإساءة قدَّمَها أصدقاء الشاعر أو "لجنة الأصدقاء" من غير قصد ربما، لكنَّها أكَّدَت أن وعي درويش بالمشهد الثقافي كان استباقيا، وأنَّ حدسه لم يخذله في عدم كفاية من تحركوا بعد موته على هيئة أخطاء نسبت إليه، وهو في بياض الغياب.
والآن وبعد أكثر من خطأ إلى متى يعامل درويش من قبل الاصدقاء والاعدقاء بحكم القانون الصهيوني الذي يتيح حرية التصرف بأملاك الغائبين؟ ولماذا لا يترك لنصه ليكون الناطق الرسمي باسمه لا غير؟  بعيدا كل البعد عن الاحتفائيات المنتقصة التي رأت ذات مرة أن علاقته بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تشبه علاقة المتنبي بسيف الدولة، رغم أنَّ تلك العلاقة لم تنخرط في المديح، وبعيدا ايضا عن كل الأصدقاء الذين تقوتوا كثيرا على حساب صداقته التي صارت لعنة يتوجب الكثير من السحر القديم  لطردها.

[email protected]

التعليق