على الغرب دعم الديمقراطية العربية كما دعمها في وسط أوروبا

تم نشره في الأحد 7 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 7 آب / أغسطس 2011. 02:26 صباحاً
  • الديمقراطية ما تزال مطلباً إنسانياً لم يتحقق في معظم أنحاء العالم - (أرشيفية)

لازلو برسزت* وديفيد ستارك* - (كرستان سينس مونيتور)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لم يأت الصيف بتعزيز لعمليات التغيير السياسي في شمال أفريقيا. وما يزال المشهد السياسي في مصر، كما في تونس، غامضاً. وقبل شهور قليلة وحسب من الانتخابات الحاسمة، ما يزال من غير الواضح، إلى حد كبير، من وماذا يستطيع ضمان أن الانتخابات ستوسع ولا تضيق الطريق باتجاه تعزيز الديمقراطية.
وتتشابه هذه الحالة بشكل ملحوظ مع الحالة التي خبرها المواطنون في وسط أوروبا خلال صيف عدم اليقين في العام 1989. لكن، وفيما عرض الزعماء الغربيون رؤية جديدة عن التغير السياسي في أوروبا الشرقية في ذلك الوقت، فإن الإجراءات الرديئة التي اتخذها الزعماء الغربيون في العام 2011 لا تفعل شيئاً لخلق ضمانات لجلب نتائج ديمقراطية في شمال أفريقيا، وقد تنطوي في الواقع على آثار معيقة.
ثمة ملمح مشترك مهم بين التحولات الديمقراطية في أوروبا الوسطى وبين تلك التي تجري في شمال أفريقيا اليوم. فالأنظمة السلطوية في كلتا القارتين كانت مرافقة لتحالفات جيوسياسية: حيث نظر إلى الدعم الخارجي المقدم للأنظمة القمعية على أنه جزء من إدامة الاستقرار الإقليمي.
وفي شرقي أوروبا، ساعدت تدخلات الزعماء الغربيين الرئيسيين في إعادة تأطير أفكار خاصة بالأمن الإقليمي. وفي مواجهة صدامية مع وجهات النظر المسيطرة التي رأت في تغيير النظام في تلك البلدان تهديداً محتملاً للاستقرار، عمدوا إلى تصوير الدمقرطة على أنها فرصة لإعادة قولبة أطر العمل الكونية والإقليمية. وواجه الديمقراطيون في أوروبا الوسطى، مثل نظرائهم في شمال أفريقيا في العام 2011، مشكلة مزدوجة في مناطق غير واضحة الحدود. وبينما تحدوا القواعد المحلية للعبة، والتي أدامت النزعة السلطوية، فإنهم مضوا أيضاً إلى تحدي القواعد الإقليمية للعبة، وهي القواعد التي وفرت لهذه الأنظمة القمعية فرصة الاستدامة. وبذلك، هددوا اللاعبين الخارجيين الذين اعتبروا، كأمر مسلم به، أن مصالحهم تكون مخدومة كأفضل ما يكون باستمرار الوضع الراهن.
كانت القوى الأخيرة معبرة في أوروبا، وهي كذلك راهناً في الشرق الأوسط أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل شهر واحد وحسب من انهيار جدار برلين، علت أصوات في مؤسسات السياسة الخارجية الأميركية والأوروبية، على حد سواء، والتي تحذر من احتمال أن تفضي التطورات في وسط أوروبا إلى تعريض الاستقرار في أوروبا للخطر، مثيرة احتمال اندلاع خطر مواجهة نووية. وفي أيلول (سبتمبر) من العام 1989، حذر نائب وزير الخارجية الأميركية، لورنس إيغلبرغر، على سبيل المثال، من احتمال أن تفضي التطورات في شرق ووسط أوروبا إلى زعزعة الاستقرار بشكل ضار في أوروبا.
وعلى خلفية ردود الأفعال الأميركية والأوروبية المترددة، فإن رد إسرائيل على الدمقرطة غير المتوقعة في مصر يتمثل راهناً في تعزيز السياجات على حدودها الجنوبية. وعلى النقيض من السيد إيغلبرغر في العام 1989، رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كلمته التي ألقاها أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس الأميركي، والتي قوبلت مراراً بالوقوف تبجيلا واحتراما، رحب بمحاولات الدمقرطة في العالم العربي. لكنه أضاف أن التغييرات السياسية في هذه البلدان قد تفضي إلى قيام نظام "استبدادي عنيف وغير متسامح" على الغرار الإيراني أو "حكم حزب الله الذي يعود إلى العصور الوسطى".
ومع ذلك، وفي العام 1989، كان ثمة ساسة غربيون ممن شاهدوا فرصاً في تغير حقبي في الحالات غير الأكيدة إلى حد كبير، بينما رأى فيها آخرون مخاطر شن عمليات لا تمكن السيطرة عليها. وفي أعقاب زيارات مبكرة للمنطقة قام بها مارغريت تاتشر وفرانسوا ميتران، زار الرئيس الأميركي جورج إتش دبليو بوش بولندا وهنغاريا في العام 1989، حيث كان مؤيدو النظام الإقليمي القديم والكوني ما يزالون يتمتعون بالأغلبية.
وفي حينه، جرى استخدام هذه الزيارات للتعبير عن الاستعداد الذي لا لبس فيه للترحيب بالتغيير في النظام الإقليمي القديم والنظام الكوني، وعرض رؤية ملهمة عن النظام الدولي الجديد المحتمل الذي يمكن أن ينجم كنتيجة لعملية دمقرطة ناجحة في أوروبا الوسطى.
وفي كلمته التي ألقاها في العاصمة البولندية، وارسو، يوم 10 تموز (يوليو) من العام 1989، وصف السيد بوش الأب الدمقرطة بأنها فرصة للتحرك إلى ما وراء الأنظمة السياسية ثنائية القطب. وقال: "إن بولندا، حيث اندلعت (شرارة) الحرب الباردة، والشعب البولندي الآن، يمكن أن يضعوا حداً لتقسيم أوروبا". ثم ردد هذه الأفكار لاحقاً بعد يومين في بودابست، قائلاً إن المبدأ الاسترشادي للولايات المتحدة سيكون "تقديم المساعدة، ليس من أجل دعم الوضع الراهن، وإنما من أجل دعم الإصلاح"، مؤكداً أن الولايات المتحدة ترغب في تقديم المساعدة -لكن في حالة آلت المفاوضات إلى الخروج بضمانات مؤسساتية لإقامة ديمقراطية تعددية.
وقد صورت كلمتا بوش العامتان الداعمين المحليين للدمقرطة السلمية على أنهم المحركون الرئيسيون (والمستفيدون المستقبليون) من التغيرات المشهدية في الأنظمة السياسية الإقليمية والكونية. ولكونهما ترددتا بشكل واسع في المنطقة، فقد أرسلتا أمارات للإصلاحيين الذين كانوا ما يزالون ساكني الحركة أو مترددين، كما وللمعارضة الديمقراطية غير الفعالة في البلدان الأخرى في وسط وشرقي أوروبا، حول الأدوار التي قد يجلبها المستقبل لهم.
لكن ما هو مختلف بشكل مدهش بين صيف العام 1989 وصيف العام 2011، هو الصمت المطبق لزعماء الديمقراطيات الغربية اليوم. وثمة احتمال بأن يفضي القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على حد سواء بتقديم دعم مالي للحكومات المؤقتة قبل تدشين الحكم الديمقراطي، قد يفضي إلى تمتين قبضة ممثلي الأنظمة القديمة على السلطة.
إذا أراد الرئيس أوباما أن يدعم الديمقراطية في شمال أفريقيا، فإن هذا هو الوقت المناسب لذلك. وإذا ما قام بزيارة القاهرة مرة أخرى، فسيكون باستطاعته أن يتحدث جهاراً لشعب المنطقة، ويطرح صورة قوية عن الشرق الأوسط، لا بديمقراطية محاصرة، وإنما عن شرق أوسط يتمتع بعدة ديمقراطيات معززة. ومثلما شهد العام 1989 نهاية تقسيم أوروبا، فإن الوقت قد حان الآن لإنهاء تقسيم الشرق الأوسط من خلال الإشارة إلى المزايا المشتركة للاندماج السياسي والاقتصادي والثقافي بين الديمقراطيات القديمة والجديدة في المنطقة، والمدعومة بالتأييد من جانب الديمقراطيات الغربية البارزة.
لقد ولّى زمن تقديم الدكتاتوريات على أنه حامل لواء الدفاع عن الحضارة الغربية. وقد حان الوقت لأن تتم إعادة توجيه الدعم في العالم العربي، ليكون سياسة استراتيجية ترمي إلى دعم كافة الديمقراطيات في المنطقة.

* لازلو بروزت: أستاذ ورئيس كلية العلوم السياسية والاجتماعية في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا في إيطاليا. * ديفيد ستارك: أستاذ مركز آرثر ليهمان للشؤون الاجتماعية والدولية في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. وستتم ترجمة كتابهما المشترك بعنوان "مسارات ما بعد الاشتراكية: تحويل النظم السياسية والممتلكات في شرق ووسط اوروبا" إلى العربية وينشر في العام 2012.
•نشر هذا المقال تحت عنوان:The West must Support Democracy in the Arab world as it did in Central Europe

التعليق