مستقبل الأخبار.. (3-2)

هل يذهب الإنترنت بالصحافة إلى الأفضل، أم إلى الأسوأ؟

تم نشره في الثلاثاء 2 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً
  • بعض أيقونات مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت - (أرشيفية)

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة


هذا هو الجزء الثاني من استطلاع موقع مجلة الإيكونوميست، الذي تنشره "الغد" حول دور الإنترنت في عمل الأخبار والصحافة. وفي هذا الجزء، يعقب مدير الحوار؛ توم ستانديج، والمشاركان جاي روزين ونيكولاس كار، على ملاحظاتهم الافتتاحية التي بدأت بها المناظرة، وعلى التغذيات الراجعة من مرتادي الموقع. وتتركز أفكار الحوار حول تأثيرين أساسيين لشبكة الإنترنت على الصحافة.
من الناحية الإيجابية، يركز الحوار على دور الإنترنت في إشراك المواطن في صناعة الأخبار وتطويرها وتوزيعها، وسهولة الوصول إلى طيف متنوع من المصادر، مع خفض الكلفة. ومن الناحية السلبية، أفضى الإنترنت، حسب المتحاورين، إلى تخفيض دخول المنظمات الصحفية التي تعمل بالطريقة التقليدية، بسبب هجرة الإعلانات وانخفاض عدد المشتركين. وترتب على ذلك تسريح الصحفيين المحترفين الذين يغطّون الأداء الحكومي والأخبار الخارجية والتحقيقات الاستقصائية، مما تسبب بإضعاف العين المسلطة على المسؤولين، وحدّ كذلك من المعرفة بأنباء العالم الخارجي.
مع ذلك، تبقى هذه المتغيرات في المشهد الإعلامي غير واضحة، ولا يجري الإدلاء فيها برأي قاطع؛ لأن صناعة الإعلام تمر بطور إعادة التشكل والتكيف مع المعطى التقني الجديد والمؤثر حتماً. لكنّ الحوار يفتح في هذه المرحلة من الاستطلاع مناطق جديدة للاستكشاف في حوار الصحافة والإنترنت. ومن ذلك محاولة لإعادة تعريف الصحافة باعتبارها أكثر من مجرد عمل المحررين والمراسلين.
مثل الجزء الافتتاحي من المناظرة، يقدم مدير الحوار؛ توم ستانديج، تلخيصاً لرؤى المتحاورين، ثم يقدم جاي روزين؛ المدوّن وأستاذ الصحافة في جامعة نيويورك، دفاعه عن فوائد الإنترنت، ثم يليه معارض الاقتراح نيكولاس كار في عرض المزيد من الأسباب لقناعته بسلبية تأثير الإنترنت على عمل الأخبار.

ملاحظات مدير الحوار
توم ستانديج
15 تموز (يوليو) 2011
يتفق ضيفانا المحاوران على أن تأثير شبكة الإنترنت، مصحوباً بالركود الاقتصادي وجرعة من سوء الإدارة، قد تسبب في خفض عدد الصحفيين العاملين في غرف الأخبار في جميع أنحاء العالم المتقدم، وخصوصا في الولايات المتحدة. ويتفقان أيضاً على أن الإنترنت يجعل من الأسهل على الوافدين الجدد، سواء من منظمات الأخبار الهاوية أو المبتدئة، دخول هذا المجال. لكنهما يختلفان حول المدى الذي يمكن أن يستطيع به هؤلاء الوافدون، أو يرغبون في ملء الثغرات التي انفتحت في منطقة التقارير الإخبارية المحلية والاستقصائية على وجه الخصوص، خصوصا في الوقت الذي ضعفت فيه صفوف الصحفيين المهنيين المحترفين وأصبحت ممطوطة.
في جزء منه، يبدو الأمر وأنه مسألة توقيت. ويشير جاي روزين إلى أسباب للتفاؤل إزاء الأشكال الجديدة للإنترنت، التي تعمل على طاقة الصحافة؛ في حين يلاحظ نيكولاس كار أن النتائج هي الشيء المهم الذي يحدث فرقاً. ويقرر أن الداخلين إلى صناعة الصحافة قد فشلوا، حتى الآن، ورغم التفاؤل، في الوفاء بالمطلوب. ومع ذلك، ما يزال الاقتراح حول ما إذا كان الإنترنت "يجعل" الصحافة أفضل أم أسوأ، قيد المناقشة. وهكذا، فإن ما يهم هو الاتجاه. وحتى لم تكن الصحافة التي تعمل بطاقة الإنترنت قد سدّت الفجوة حتى الآن، فهل هناك مؤشرات على أن التقدم يذهب في الاتجاه الصحيح؟
كلا، يقول السيد كار، الذي يلاحظ أنه "رغم العديد من التجارب التي تشهدها صحافة الإنترنت، فإننا لم نجد بديلاً بعد عن الدعم المتبادل المتداخل، الذي سمح للصحف باستخدام الأرباح القادمة من القصص الإخبارية الشعبية لدفع كلفة التقارير الإخبارية المعمقة. ولا يوافق السيد روزين على ذلك، بحجة أنه لا يمكننا أن نساوي بين نوعية الصحافة وكمية الصحفيين. وإنما يجب أيضاً أخذ عوامل أخرى كثيرة بعين الاعتبار. ومن شأن شبكة الإنترنت تقوية هذه العوامل، كما يقول، وأن تعزز بالتالي وضع الصحافة بشكل عام. وباختصار، يقدم السيد كار دليلاً واضحاً على الأضرار التي ألحقها الإنترنت بالصحافة، في حين يقدم السيد روزين حججاً واسعة لصالح فوائد الإنترنت. وربما يقدم السيد روزين بضعة أمثلة أكثر تحديداً في بيانه الختامي.
بالإضافة إلى ذلك، وصلت إلينا تعليقات ممتازة من الجمهور. وكتب إريك كولينز: "أصبح صعود الإنترنت يوفر الآن للناس مدخلاً للوصول إلى وجهات نظر أوسع. لقد انتقلنا من قائمة الأسعار الثابتة لمأكولات غير مستساغة غالباً، إلى طائفة من الفكر المنوع المتاح بأي سعر ولكل ذائقة". لكن معلقاً آخر يقترح أن هذا الوضع قد يكون غير مستدام: "أصبحت الآن أقل اهتماماً بالوضع الحالي للصحافة بقدر اهتمامي بوجهتها... إننا نتمتع الآن بمزايا فقاعة، مع انتشار محتوى متنوع عالي الجودة ومنخفض الأسعار؛ ويبقى متروكاً لصناعة الصحافة المهنية المحترفة أمر استعادة الوضع المستدام قبل أن تنفجر الفقاعة". ويلاحظ معلقو مجموعة MC_T أن الإنترنت لا يزيد ببساطة كمية الصحافة الجيدة. ويضيفون: "المشكلة هي أنه يزيد كثيراً أيضاً من كمية الصحافة منخفضة الجودة، ومقالات الرأي، والدعاية. إن الأمر يشبه البحث عن الذهب واستخراجه بغسل التراب، حيث يجب عليك أن تصفي الكثير من الأوساخ حتى تعثر على حبوب التِّبر القيِّمة".
أما "ليكس هيومانا"، وهو واحد من المعلقين الدائمين في هذا الموقع، فيقدم رداً ساخراً على الاقتراح: "من الواضح أن الإنترنت يجعل الصحافة أفضل بكثير. فقد أصبح الصحفيون يستخدمون أجهزة الكمبيوتر المزودة بمصححات الإملاء والنحو، لضمان أن كل شيء يسير على ما يرام... الأمر بالغ السهولة، وقريباً سيصبح الجميع صحفيين". (تعليقه مليء -قصداً فيما يبدو- بالأخطاء الإملائية والنحوية). وأخيراً، يسلط المعلق "فلوفي" الضوء على الفجوة القائمة بين الفوائد المحتملة التي ربما يقدمها الإنترنت للصحافة والواقع: "لديك عالم يمكن فيه أن يتصل أحد الصحفيين بزميل له على الجانب الآخر من العالم للحصول على الخلفيات أو التحقق من قصة ما على الفور. لكن لديك أيضاً عالَم حيث لا يفعل الصحفي ذلك... يمكن أن يوفر الإنترنت معلومات ضخمة للخلفيات، ومقالات عميقة، وأخباراً ذكية ومفيدة حقاً، لكنه لا يفعل ذلك في الحقيقة. إن الصحف لا تستفيد من شبكة الإنترنت".
مُداخلة مؤيد الاقتراح جاي روزين
15 تموز (يوليو) 2011
يقول نيكولاس كار: "لقد ألحقت طفرة الإنترنت أضرارا كبيرة بمهنة الصحافة".
ولكن، هل يكافئ احتراف الإنترنت مفهوم وممارسة "الصحافة"، هذا الوحش الديمقراطي؟
كانت هذه هي الفكرة التي خطرت لي بعد قراءة دفاع السيد كار عن الفرضية القائلة إن الإنترنت قد جعل الأمور أسوأ. فعن طريق تقويض النموذج التجاري للصحافة، أفضت الشبكة الإلكترونية إلى خفض كبير في أعداد العاملين في غرفة الأخبار؛ ولم تستطع التطورات الجديدة، مثل التدوين وصحافة المواطن، أن تملأ هذه الفجوة. وأنا متأكد من أن هناك المزيد من ذلك في المستقبل. (إن السيد كار خصم عظيم)، لكن هذه هي حجته فقط، حتى الآن.
وأنا أفهم بالتأكيد ما يعنيه. هل تكون الصحافة في حالتها الضعيفة قادرة على الكشف عن فضيحة "ووترغيت" أخرى؟ للأسف، ليست الإجابة بهذه البساطة. كان يعمل في غرفة أخبار صحيفة الواشنطن بوست 900 مستخدم بدوام كامل في العام 2000، الذي كان عام الذروة. وبحلول العام 2010 هبط ذلك العدد إلى 650. وهذا يلائم سرد كار. ولكن في السبعينيات، عندما ساعدت الصحيفة على الكشف عن فضيحة ووترغيت، كانت غرفة الأخبار فيها تعادل نصف حجمها الحالي تقريباً. فكيف تلائم هذه الحقيقة روايته؟
باعتباري مواطناً من الولايات المتحدة، ومعلماً للصحفيين، فإنني أريد "واشنطن بوست" قوية، قادرة على الوقوف في وجه الحكومة، وقادرة على أن تحفر وتستخرج قصصاً قوية يريد الأقوياء أن يبقوها طيّ الكتمان. وأنا أؤكد أن هناك علاقة بين الربحية والشجاعة. لكنها، مرة أخرى، ليست مسألة بسيطة.
يعمل ديفيد غريغوري؛ الصحفي في "إن بي سي"، لحساب شركة مربحة. وكان هو المراسل الذي يغطي البيت الأبيض في فترة التحشيد من أجل الحرب على العراق. ويعتقد السيد غريغوري أنه قام هو وزملاؤه في المهنة بعمل جيد خلال تلك الفترة؛ وربما كانوا يعربون عن الشكوك، ويطرحون الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح. وبدلاً من فقدان المصداقية بسبب اعتناقه هذا الرأي، تمت ترقيته: ليكون مقدم برنامج "واجه الصحافة"، وهو برنامج مقابلات تلفزيوني بارز بين برامج يوم الأحد الحوارية. ولن يقدم لنا المزيد من الصحفيين من أمثال السيد غريغوري مثل هذا النوع من الصحافة التي نحتاجها بعد الآن، نوع الصحافة التي نشعر بالقلق من فقدانها عندما نشير إلى التخفيضات الجارية في كوادر غرف الأخبار.
أنا لا أواجه السيد كار كمدافع عن السيد غريغوري، وإنما أحاول فقط إضافة شيء من التعقيد والتركيب للصورة التي رسمها لنا.
هل سبق وأن سمعتم في أي وقت مضى تلك العبارة المنسوبة إلى السيناتور والدبلوماسي الأميركي السابق دانيال باتريك موينيهان: "يحق لكل شخص أن يكون له رأيه الخاص، لكنه ليس مخولاً برواية حقائقه الخاصة بنفسه"؟ وهي عبارة جيدة. إن محطة "سي إن إن" رابحة للغاية؛ لديها مكاتب في جميع أنحاء العالم، لكنها مريعة أمام الضيوف الذين يشعرون بأنهم مخولون برواية الحقائق الخاصة بهم. (رغم أن الرئيس الجديد يقول إنه لن يتسامح مع هذا النمط بعد الآن. سوف نرى).
لا يمكننا أن نقدر إجمالي عدد الصحفيين المهنيين المحترفين الذين يعملون الآن في الحقل، أو نخلص إلى استنتاج أن العمل يتم إنجازه بشكل جيد. ولا يمكن أن نستنتج من فقدان فرص العمل أن وضع العاملين في الصحافة أصبح أسوأ بالضرورة، رغم أن وضعهم قد يكون كذلك فعلاً. والسبب في أننا لا نستطيع استخلاص استنتاجات من هذا القبيل هو أن الصحافة تظل أكثر بكثير من مجرد ما يفعله الصحفيون المحترفون، وكم يوجد منهم لعمله وإنجازه. إنها تتضمن أيضاً:
• جانب الطلب: لم يكن الطلب على الصحافة الجيدة أبداً أعلى مما هو عليه الآن. ثمة المزيد من الناس الذين يستهلكون منها أكثر من أي وقت مضى، وذلك بفضل سهولة العثور على الأخبار على شبكة الإنترنت ومطابقته بالاهتمامات الشخصية. ويتضمن ذلك وجود صحافة القصة الإخبارية المحترفة long-form journalism، التي تحتوي على عنصري العمق والوضوح اللذين لا يقدران بثمن.
• الأفكار المهيمنة: عن طريق خفض الحواجز أمام الدخول إلى المعلومات وتعزيز العلاقة بين الصحفيين الأفراد والمستخدمين الأكثر ولاء لهم على الإنترنت، وسّعت الشبكة نطاق الأساليب المقبولة في العمل الصحفي، بحيث أمكن لصحيفة الواشنطن بوست أن تستخدم عزرا كلاين؛ وهو مدون شاب مهوّس بالسياسة وصاحب وجهة نظر، لمساعدتها على تغطية موضوع إصلاح الرعاية الصحية.
• المصادر: الإخبار الجيد هو في الواقع عبارة عن تعاون بين الصحفيين والمصادر. فهل تصبح المصادر أسوأ حالاً لأن لدينا شبكة الإنترنت؟ إذا كانت المصادر تنتظر هناك حتى تأتي وتسألهم مجموعة متناقصة من المراسلين، فإن حالهم الآن قد يكون أسوأ. وبخلاف ذلك، أعتقد بأن وضعهم قد تحسن. لقد أصبح بوسعهم الآن أن ينشروا وجهات نظرهم وأن يجدوا جمهوراً مهتماً بعملهم، حيث يقدمون معرفة الخبراء لنظام الأخبار. ويمكن لهم انتقاد المعاملة القذرة بدون الاضطرار إلى تمرير انتقاداتهم من خلال صندوق "رسائل إلى المحرر".
• ردة الفعل (التغذية الراجعة): اعتاد الأمر أن يكون في السابق أن الصحفي إذا تلقى رسالتين وأربع مكالمات هاتفية من القرّاء حول قصة كبيرة، فإن ذلك يكون ردة فعل جيدة، وهو ما يوضح كم أصبحت المهنة مغلقة ومقطوعة. وبالمقارنة مع هذا الهزال، أصبحت التغذية الراجعة وردات الفعل تأتي اليوم في شكل فيضان كبير. نعم، ثمة الكثير منها ذات نوعية رديئة، لكن الصحافة أصبحت أفضل حالاً بكثير إذا وضعناها في الميزان، عندما يتفاعل معها الجمهور بسرعة وبحجم كبير.
• الحوار: حتى تكون الصحافة مفيدة، فإنها لا ينبغي لها فقط أن تصل إلينا بالمعلومات، وإنما تحتاج أيضا لأن تجعلنا ننخرط في نقاش عام. إنه هذا الحوار حول الأخبار هو الذي يجعلنا مطلعين وعارفين بقدر ما يفعل الخبر نفسه. والإنترنت يجعل ذلك الحوار أكثر احتمالاً بكثير.
لقد أعطيتكم خمسة أمثلة على ما أعنيه عندما أقول إن الصحافة هي أكثر بكثير من مجرد ما يفعله الصحفيون المهنيون. إننا بحاجة إلى النظر من زاوية أوسع حتى نرى كيف يحسّن الإنترنت الأمور. ولماذا إذن هي المناقشات من هذا القبيل، إن لم تكن لتوسيع القصة من دون تضييع الحبكة؟
مداخلة معارض الاقتراح نيكولاس كار
15 تموز (يوليو) 2011
يؤكد جاي روزن أن الإنترنت قد تركنا مع "عين أضعف على السلطة"، بينما زاد "المعروض من القمامة في الصحافة وحولها". وفي مقابل ذلك، قال إنه يعطينا عشرة أسباب حتى نكون مبتهجين من أجل وضع الصحافة، ومعظمها تدور حول "دمقرطة" الإعلام. (سوف أقاوم الرغبة في توضيح مدى ملاءمة تقديم دفاع عن آثار الإنترنت على الصحافة في شكل لائحة "العشرة الأوائل").
إنني أضم صوتي إلى صوت السيد روزين في امتداح الطريقة التي خفض بها الإنترنت الحواجز التي تحول دون المشاركة في الإعلام. وبعد ممارستي التدوين على الإنترنت لسنوات عديدة، فإنه يمكنني أن أشهد على فوائد النشر الرقمي رخيص الكلفة. لكنني لا آخذ على محمل الإيمان الفكرة القائلة إن دمقرطة الإعلام تحسّن الصحافة بالضرورة. وللأسف، يقدم السيد روزين القليل من الحقائق لدعم قضيته. وبدلاً من تزويدنا بالأدلة الدامغة، حصلنا منه فقط على تعميمات مشكوك فيها ("الصحفيون يكونون أقوى وأكثر ذكاء عندما كانوا يشاركون في النضال من أجل إدامة أنفسهم")، وتعبيرات يعوزها العُمق ("ثمة حياة جديدة تتدفق من خلال هذه الكُوّة")، وتخمينات: ("صحافة البيانات تشكل فرصة كبيرة").
ثمة واحدة من أهم دفوع السيد روزين تنها لدى تعريضها للتمحيص الدقيق. فهو يلاحظ، محقاً، أن شبكة الإنترنت فككت الحدود الجغرافية القديمة التي كانت قائمة حول أسواق الأخبار، وعلى نحو يجعل من السهل على الناس أن يعثروا على القصص في مجموعة متنوعة من المصادر. لكنه يقترح بعد ذلك أن التأثير، في جانب الإنتاج، أدى إلى خفض حجم التقارير الزائدة والمكررة، وهو ما أفضى إلى قدر أقل من "صحافة الحزمة"، و"تقسيماً أكثر تعقلاً للعمل". وكان من شأن هذا القول أن يكون جميلاً لو أنه كان صحيحاً، لكنه ليس كذلك.
إن معظم ما خسرناه من خلال عملية التذرية والغربلة لكوادر العاملين في صناعة الأخبار بدفع من الإنترنت، لم يكن جهداً ازدواجياً فائضاً، وإنما كان ما خسرناه هو التقارير الإخبارية في المناطق التي كانت تحظى بتغطية قليلة من الأساس: الحكومات المحلية، وحكومات الولايات، والهيئات والوكالات الاتحادية، والشؤون الخارجية، والصحافة الاستقصائية. ولا شك في أن وجود مؤسسات قوية ومستقرة بمن فيها من الصحفيين الذين يحفرون في هذه المناطق، يظل أمراً حاسماً وضرورياً لوجود مواطنين حسني الاطلاع. ولكن، وبما أن هذه الأشكال من الصحافة تميل إلى أن تكون مكلفة الإنتاج وغير جذابة للمعلنين على الإنترنت، فقد عانت من أعنف التخفيضات.
كما يعترف السيد روزين، فقد تآكلت تغطية حكومات الولايات في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ. وانخفض عدد الصحفيين المتمركزين في عواصم الولايات بنسبة الثلث بين العامين 2003 و2009، مما خلق فجوات كبيرة في الرقابة على الأداء الحكومي. وتقول المطبوعة المتخصصة "أميركان جورناليزم ريفيو" American Journalism Review: "في غرف الأخبار في عواصم الولايات الآن، أصبح الفرز واختزال الأولويات هما الأوامر التي توجّه عمل اليوم". والوضع مماثل مع الوكالات الفيدرالية في واشنطن، وفقاً لدراسة أخرى أجرتها النشرة نفسها. فبين العامين 2003 و2010، انخفض عدد الصحفيين في وزارة الدفاع من 23 إلى 10؛ وفي وزارة الخارجية من 15 إلى 9؛ وفي وزارة الخزانة من 12 إلى 6. وتخلص الدراسة إلى أن "الناس المعنيين بالرقابة تخلوا عن مواقعهم"، و"نوعية التقارير الإخبارية عن الحكومة الاتحادية تراجعت".
كما عانت التقارير الأجنبية، وهي المكلفة بشكل خاص، من تخفيضات عميقة أيضاً. فعلى مدى العقد الماضي، أغلقت حوالي 20 صحيفة أميركية مكاتبها في الخارج، كما سرّحت صحف كثيرة غيرها مراسليها الأجانب. وفي بريطانيا، قلصت الصحف اليومية تقاريرها الأجنبية بشكل كبير، وفقاً لدراسة أجرتها في العام 2010 "مراقبة المعايير الإعلامية"، ولا تقوم مصادر بديلة بتعويض هذا النقص على الإنترنت. وتشير البحوث إلى أن "الجمهور لا يبحث عن الأخبار الأجنبية عبر الإنترنت"، وفقاً للدراسة. وفي الوقت الذي يجري فيه سحب الأخبار الأجنبية من الصحافة الشعبية، فإن المعرفة بها تصبح باطراد حكراً على النخبة.
إذا كان إخبار "الذئب الوحيد" يعاني في عصر الإنترنت، فإن صحافة الحزمة تزدهر، كما يتضح من التغطية الحاشدة لمحاكمة كيسي أنطوني ولفضيحة أنطوني فاينر. وكما يلاحظ مشروع "بيو" للتميز الصحفي: "تكمن المفارقة الجديدة في الصحافة في أن منافذ إعلامية أكثر أصبحت تغطي قصصاً أقل". وما نحن بصدد اكتشافه هو أنه في عالم يقوم فيه المعلنون بالدفع بضغطة زر، وحيث يقرأ القرّاء بضغطة زر، فإن اهتمام التحرير والمصادر يميل إلى أن يصبح أكثر تركُّزاً وأكثر ارتباطاً بالجمهور والمشاهدين. والنتيجة، على عكس افتراض السيد روزين الوردي، هي ظهور تقسيم للعمل الصحفي أقل عقلانية مما اعتاد أن يكون. لقد أصبحت مواقع المواد غير الأصيلة والثرثرة والقيل والقال هي التي تزدهر، في حين أصبحت السبوقات الصحفية الخاصة بالحكومات منطقة مقفرة لا يرتادها أحد.
ورغم العديد من التجارب التي تُجرى في صحافة الإنترنت، فإننا لم نجد بديلاً عن الدعم المتبادل الذي أتاح للصحف استخدام الأرباح القادمة من القصص الإخبارية الشعبية لدفع كُلفة التقارير الإخبارية الموسعة والمعمقة. وربما بدا ذلك الدعم المتبادل غير فعال بالنسبة للاقتصاديين، ولكن، وكما لخص الأمر مؤخراً كلاي شيركي، الباحث في الإعلام، فإن "ذلك كان ينفع على الأقل". وبفضل الشبكة، لم يعد ذلك ينفع بعد الآن.
من السهل أن نصبح عالقين وسط دوامة هائلة من المعلومات التي تهب في شكل عواصف كبيرة من خلال شبكة الإنترنت. لكن علينا بأن نتذكر أن الوظيفة الأساسية للصحافة كانت، وستكون دائماً، ذلك العمل الصعب والماهر: تغطية الأخبار. ويبقى الإخبار اللاحق، والتراسل عبر تويتر، وتصنيف المعلومات، وترتيبها، وإعادة توليفها، و(نعم): مناقشتها، تبقى هذه كلها أموراً مهمة، لكنها وظائف ثانوية، في واقع الأمر، والتي تعتمد اعتماداً كلياً على التقارير الإخبارية الأولى الأساسية. وما لم يكن بوسع السيد روزين أن يلوّح بعصا سحرية فيصلح الضرر الذي ألحقته شبكة الإنترنت بعمل التقارير الإخبارية والمراسلين الصحفيين، فإن حجته لإثبات أن الشبكة حسّنت الصحافة ستبقى مجرد تمرين على اختلاق الأفكار والاحتمالات للوصول إلى النتيجة المرغوبة.

[email protected]

التعليق