أمسيات جرش الشعرية: تجارب لم تسقط في فخ الصراخ المنبري وظلت ضمن دائرة الهدوء

تم نشره في الخميس 21 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

زياد العناني

عمان- ما هي إلا برهة ونكون مع الشعر في نزقه وبهائه، وضمن اقتراحاته الجمالية وفيضها المؤثر، سواء في القضايا الكبرى أم في شعرية التفاصيل الإنسانية التي نمر عنها ونسأل أين الطريق.
ما هي إلا سويعات ونكون في "جهة الشعر" الذي ما انفك يُناهضُ القبحَ ويفتحُ الآفاق لاحتدامات النفس وحرارتها الوجدانية والحسية.
فالشعر في جرش لهذا العام له أكثر من توهج بعد غياب، وبعد أياد حاولت خنق رمزية الإنسان ورؤياه ومعناه لأن الحقيقي منه يترجم مقولة "أ. ت. هل" عن ذاك "الجزء الجميل والنفس الملونة التي يعيش الفرد بداخلها، ويحملها أينما ذهب".
سيكونُ لنا موعد مع شعراء كتبوا، وصفاء الناس الموزعين في جهات الروح، وآخرين يذهب بهم مذاهب شتّى، لكنَّها تتوزع في تجارب حميمة تتكلم عن الإنسان ونخصه بالحب في زمن لا يخصه ينغل بالبرد وبالشكوى.
ما يميز برنامج الشعر الذي يشارك فيه: حيدر محمود وطلال حيدر ونايف أبو عبيد وهيلدا إسماعيل وغسان زقطان وعلي العامري وزياد العناني وميسون أبو بكر وسيف الرحبي ومها العتوم والمتوكل طه وحبيب الزيودي وسهيل العبدول وميسون صقر القاسم وعلي النوباني ولينا الطيبي وهبة عصام ويوسف أبو لوز و قيس قوقزة، أنه جاء في جرش المدينة نفسها وعلى مسرحها، بعد أن كان الشعر رهين الصالات الباردة، وبعد أن غرب وشرد وحذف بإرادة حكومات "الديجتال" ورجالها الذين استبدلوه بمهرجانات التسوق في الزمن الثقيل أو الزمن الغارق في عصاب الحياة واكتئاب تسارعها.
بيْدَ أنَّ اللافت يكمن في تنوع الأسماء، وتنوع اتجاهاتها تضم جملة من الاتجاهات، بدءا من ثلاثة شعراء من شعراء الستينيات في القرن الماضي هم: حيدر محمود وطلال حيدر ونايف أبو عبيد، وما تشكله تجربة حيدر محمود من توجهات وطنية وانشغال بهموم وقضايا الوطن العربي وما تمخضت عنه من  إصدارات منها: "يمر هذا الليل"، و"اعتذار عن خلل فني طارئ"، و"شجر الدفلى على النهر يغني" و"من أقوال الشاهد الأخير" و"لائيات الحطب" و"النار التي لا تشبه النار" و"عباءات الفرح الأخضر"، و"في البدء كان النهر"، و"الأعمال الشعرية الكاملة وصفت من قبل النقاد بأنَّها رومانيكية ساحرة وصوفية حالمة ورمزية غائمة أحيانا.
وتأتي تجربة طلال حيدر المحكية لتؤكِّدَ على محاكاة الطبيعة وأسرارها كما يراها هو حيث غنى قصائده كبار الفنّانين مثل فيروز ومارسيل خليفة وأميمة خليل وغيرهم. ومثلها تجربة الشاعر أبو عبيد الذي بثت قصائده عبر إذاعة عمان والإذاعات العربية شعراً، وغناء، وصدر له العديد من المجموعات الشعرية منها: أغنيات للأرض "شعر بالفصحى" و"هرجه وحكايا ليل" و"قريتنا" و"قال الراوس"، وكلها أشعار بالعامية.  تنتمي التجارب الأخرى المشاركة في المهرجان إلى مشاهد شعرية حارَّة، ضمنَ تجارب تتنوَّعُ بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لم تسقط في فخ الصراخ المنبري، وظلت ضمن دائرة الهدوء، لكن  بأجراس هائلة تقرع في مكان ضيق.
وعليه خرجت من منطقة المديح المفتعل أو الاسترزاقي والايدلوجيات الضائعة أو المدسوسة التي  تتجمهر هنا وهناك والتي يلجأ إليها بعض الشعراء لتحديد مكانهم غير المحدد أصلا في ظل حياة شديد الشح في الأحوال لم يقدر لها أن تنتمي إلى الشعر، فانتمت بلا روح إلى غيره.
ربما يكون المشهد الشعري في جرش ناقصا من حيث التمثيل، لكن المهم أنَّنا أمام أصوات أدركت أنَّ الشعر ضرورة إنسانية وروح رؤيوية تؤهل العالم تأهيلا جماليا، وليس بوقا أو مدفعا أو بندقية أو دبابة تدمر دبابة أخرى.
سيكون لجمهور جرش شعر صاف يتجلى في عناده وإطلالته الخالدة التي لا تكون إلا من عل. وعبر صياغات لا تقتات من سواد اللغة ومن نفاياتها، لأنها أصوات تعلن حيوية الشعر أمام مَنْ يعلن عن عزلته واندحاره حيث تتقابل القصائد معلنة أنْ لا إنسان بلا شعر، ولا شعر بلا إنسان، وكل من يحبذ من المعدنيين الجدد هذا الإعلان سيكون عليه أنْ يعلن أنَّ غرفة الكون قد خلت من الاثنين معا، ثم يغيب في معدنه، لأنَّ لغة الحسم لا تستعمل هنا وفي هذه المنطقة المنشغلة بالجمال دائما، بلا بطالة أو تتبطل، ولا راحة فيها حتى في أيام العطل الرسمية.
وهنا تحديدا تتجلى القصيدة بكل تأكيد وتظهر حتى في الجانب الغامض منها، لكي تمس أرواحنا حين نرفع غرتها ونفك ضفائرها فتصير غيمة وطيورا، وتصير امرأة، وتصير ذبالة لا تنطفئ وتصير حقل قمح، ودورة دم خجول يتمدَّدُ في أصابع العشاق، وتصير وطنا من لحم لا يفسر بالسوق المالي أو السلطة ولا يؤول علينا إلا بكل ما هو جمالي وروحي وعاطفي فقط.

[email protected]

التعليق