إلغاء القيود التنظيمية المالية

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

جيه برادفورد ديلونج*
بيركلي - في أواخر تسعينيات القرن العشرين، في أميركا على الأقل، كانت بعض المدارس الفكرية تدعو إلى المزيد من إلغاء الفصل القانوني بين العمل المصرفي الاستثماري والعمل المصرفي التجاري، وتخفيف متطلبات رأس المال، وتشجيع إنشاء المزيد من المشتقات المالية واستخدامها. ولكن إذا كان التحرر من القيود المالية يبدو اليوم كفكرة بالغة السوء إلى هذا الحد، فلماذا لم يكن ذلك ظاهراً بهذا الوضوح آنذاك؟
وكانت المدرسة الفكرية الأولى، وأغلب المنتمين إليها من أعضاء الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، تزعم أن التنظيم المالي كان أمراً سيئاً لأن كل القيود التنظيمية سيئة. أما المدرسة الثانية، وأغلب المنتمين إليها من الحزب الديمقراطي، فكانت أكثر تعقيدا، وتستند إلى أربع ملاحظات:
في القلب الصناعي للاقتصاد العالمي على الأقل، كان قد مَرَّ من الزمن أكثر من ستين عاماً منذ خلفت الاضطرابات المالية أكثر من مجرد أثر طفيف على المستويات الإجمالية للإنتاج وتشغيل العمالة. وفي حين واجهت البنوك المركزية الحديثة صعوبة في التعامل مع الصدمات التضخمية، فإن أجيالاً كانت قد مرت منذ شهدت هذه البنوك صدمة انكماشية تعجز عن التعامل معها.
وكانت أرباح القِلة في العمل المصرفي الاستثماري (حفنة من البنوك الاستثمارية العالمية، بما في ذلك جولدمان ساكس، ومورجان ستانلي، و جيه بي مورجان تشيس) تتجاوز بمسافة طويلة كل ما يتعين على أي سوق تنافسية أن تقدمه من أرباح، وذلك الموارد الضخمة لدى هذه البنوك وقدرتها على المناورة عبر غابة من القيود التنظيمية.
وكان من الواضح أن عائدات السوق في الأمد البعيد- والتي كانت تسمح لهؤلاء الذين يتمتعون بموارد ضخمة والصبر على التعامل في العقارات، والأسهم، والمشتقات المالية، وغير ذلك من المخاطر، بحصد عوائد بالغة الضخامة ـ تشير إلى إن الأسواق المالية كانت بالغة السوء في تعبئة قدرة المجتمع على تحمل المخاطر.
وبدا الأمر وكأن الثلثين الأكثر فقراً من سكان أميركا محرومون من أي فرصة للاقتراض بأسعار فائدة معقولة والاستثمار بعائدات مرتفعة، كما هي حال الثلث الأكثر ثراء.
أشارت هذه الملاحظات الأربع إلى أن بعض التجارب المؤسسية كانت مطلوبة. وبدت ضرورة فرض قيود كتلك التي فُرِضَت أثناء فترة الكساد أقل إلحاحا، نظراً لإثبات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي آنذاك لقدرته على بناء جدران مانعة بين الضائقة المالية والطلب الكلي. كما بدت الجوانب السلبية للطرق الجديدة للاقتراض ونشر المخاطر ضئيلة للغاية. وبدا الأمر وكأن المزيد من المنافسة في نظر القلة المتعاملة في العمل المصرفي الاستثماري وشركات التأمين ذات الموارد الضخمة قادر على تقليص الأرباح المفرطة التي تحققها صناعة العمل المصرفي الاستثماري.
وبدا الأمر وكأنه يستحق المحاولة.
من الناحية التحليلية، ما زلنا نحاول استكشفا حطام هذه التجربة. فلماذا كانت ضوابط المخاطر في البنوك العالمية المفرطة في الاعتماد على الاستدانة رديئة على هذا الحد؟ ولماذا لم تكن البنوك المركزية والحكومات راغبة أو قادرة على زيادة تدفق الطلب الكلي والحفاظ عليه بينما تسببت الأزمة المالية وتوابعها في زعزعة أركان الاستثمار الخاص والإنفاق الاستهلاكي؟
وهناك المزيد من المشاكل التي نشأت عن الاستجابة السياسية لفترة الركود التي أعقبت الأزمة. فلماذا لم تكن الحكومات، بمجرد تيقنها من حجم الانحدار، متلهفة على التدخل من أجل إعادة البطالة إلى مستوياتها الطبيعية، وخاصة في غياب توقعات التضخم الأعلى، أو فرض ضغوط صاعدة على الأسعار، أو حتى زيادة أسعار الفائدة على نحو يزاحم الإنفاق الاستثماري الخاص؟ وكيف تمكنت الصناعة المالية من الاحتفاظ بقدر من القوة السياسية كاف لحجب الإصلاح التنظيمي؟
فضلاً عن ذلك فإن كيفية إعادة هيكلة النظام المالي تظل غير واضحة. ولقد أفاد الفصل بين العمل المصرفي الاستثماري والعمل المصرفي التجاري بموجب قانون جلاس-ستيجال القلة الراسخة من البنوك الاستثمارية، ولكن بطريقة أو أخرى كان دخول المنافسين من البنوك الاستثمارية وشركات التأمين سبباً في زيادة أرباح الشركات المالية.
كما كانت فرص الربح هائلة بالنسبة لشركات الوساطة المالية التي كان بوسعها أن توجد القدرة الإضافية اللازمة لتحمل المخاطر، وانتقاء الأوراق المالية واستغلالها، وبالتالي الحصول على حصة الوسيط من خلال المضاهاة بين المخاطر والمستثمرين القادرين على الاستفادة من تحملهم لهذه المخاطر. ولكن ظهور المشتقات المالية ساعد في تركيز المخاطر بدلاً من نشرها، وذلك بسبب وجود المزيد من المال الذي يمكنهم جمعه من خلال بيع المخاطر للأشخاص الذين لا يعرفون كيفية تقييمها، بل ولا يعرفون ما هي المخاطر التي يواجهونها على وجه التحديد.
وكان فشل البنوك المركزية في اعتبار وظيفتها الأساسية تثبيت استقرار الدخل الاسمي، وفشلها ليس فقط في اتباع نهج جون ماينارد كينز، بل وحتى في العمل كجهة نقدية قادرة على أداء وظيفتها المطلوبة، سبباً في إثارة التساؤل حول ما إذا كانت البنوك المركزية ذاتها في احتياج إلى إصلاح جذري. في العام 1825، أدرك محافظ بنك انجلترا كورنيليوس بولر أن البنك مسؤول، عندما يشهد القطاع الخاص ارتفاعاً حاداً في الطلب على الأصول المالية الآمنة والسائلة نتيجة لموجة ذعر مفاجئة، عن تلبية ذلك الطلب وبالتالي إبعاد شبح الإفلاس والكساد. فكيف لم يدرك أسلافه ذلك؟
ربما كان لزاماً علينا أن نعود إلى نظام مالي أكثر خضوعاً للضوابط المحكمة، وعلى نحو أشبه بذلك النظام الذي تم تبنيه في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فقد خدم ذلك النظام القلب الصناعي إلى حد كبير، أو على الأقل كما يتبين لنا عندما نطلع على الأرقام الإجمالية للاقتصاد الكلي. ونحن نعلم عن يقين الآن أن نظامنا الحالي لم يكن على نفس القدر من الكفاءة.


*المساعد الأسبق لوزير خزانة الولايات المتحدة.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق