الثرثرة والكلام داخل العمل تخفف من التوتر وتزيد من الإنتاجية

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً
  • الحديث عن المشاعر والعلاقات بين الموظفين يجعل العلاقة أكثر انسيابية وأريحية -(أرشيفية)

منى أبو حمور

عمان - "إن كان الكلام من فضّة.. فالسّكوت من ذهب!"، قول شهير وعت عليه الأجيال كقاعدة من شأنها أن تلزمهم الصمت، لكن لا بدّ من كسر لها، ولعلّ العمل، وهو أكثر جوانب الحياة التي تحتاج لانضباط وجدية والتزام، كلّها بُنيت على مجموعة من القواعد والقوانين، لعلّه أكثر الأماكن التي تحتاج لكسر هذه القاعدة، فكسرها فيه سيزيد من إنتاجية موظّفيه!
الموظف الثلاثيني أحمد خير يمقت تلك الرسمية الواجب عليه التعامل بها طوال ساعات الدوام "طبيعة عملي تتطلب مني البقاء جديا خلال ساعات الدوام وهذا ما يزيد من توتري"، مشيرا إلى تأثير ذلك وبشكل سلبي على أدائه الوظيفي، سيما وأن دوامه يبدأ من الساعة الثامنة صباحا.
ويضيف "لا يمكنني البدء في العمل إلا بعد مرور ساعتين على وجودي"، مؤكدا أن جو التوتر والتجهم الذي يفرضه عليه العمل يعكر مزاجه ويهبط من عزيمته.
في حين استطاعت العشرينية رحاب عرفة أن توجد لنفسها جوا من المرح داخل عملها، مما يساعدها على تجاوز ساعات العمل وإنتاج ما هو مطلوب منها.
"لا يمكنني البدء بالعمل دون أن أمضي الساعة الأولى من العمل في الكلام وتفريغ ما في داخلي"، مشيرة إلى أنها اعتادت على مشاركة زميلاتها في العمل ما تتعرض له من مواقف تضايقها أو حتى أمر فرحت له.
"تبدأ أصوات الضحك تتعالى بيننا، وعندما تكون لدي مشكلة ما، فإنني أشعر بارتياح بعد الحديث إليهن".
وتستهجن رحاب من أولئك الموظفين الذين يتمكنون من البقاء متنمقين طوال ساعات الدوام أو تلك المؤسسات التي تطلب من الموظفين إنتاجية دون أن تفكر حتى في حاجاتهم النفسية!
"إن أحاديث القيل والقال والنميمة واللغو في العمل والثرثرة مفيدة للصحة وتساعد على خفض مستويات التوتر لدى الموظفين وزيادة الإنتاج، هذا ما كشفته دراسة بريطانية نشرتها صحيفة ديلي إكسبرس الصادرة من لندن".
ووجدت الدراسة التي شملت 2000 موظف من مختلف أنحاء بريطانيا أن النميمة تثير العواطف وتساعد على إطلاق هرمونات الشعور الجيد الطبيعية في جسم الإنسان والمعروفة باسم الأندروفين، وخفض هرمون التوتر الكورتيزول الذي يضعف القدرة على التفكير والضحك.
وأشارت الدراسة إلى أن الغالبية العظمى من الموظفين البريطانيين تشعر بالسعادة بعد النميمة مع أو عن الزملاء، ويعتقد 60 بالمائة منهم تقريبا أن النميمة رفعت إنتاجيتهم في العمل بنسبة تزيد على 50 بالمائة أفضل من زملائهم الهادئين.
وأضافت أن المدمنين على النميمة واللغط الذين تتراوح أعمارهم بين  45 و54 عاما لاحظوا فارقا دراماتيكيا أكبر لمعدل خفقات القلب عندهم بعد أحاديث القيل والقال، ويعتقد 73 بالمائة منهم أنها خفّضت ضغط الدم ووجدت أيضا أن الأشخاص فوق 55 عاما هم أسعد مجموعة بعد النميمة وأكثرها إنتاجا في العمل بعد القليل من المزاح.
وأشارت الدراسة إلى أن الطبيعة المرتاحة للثرثرة، تعني أن الموظفين المدمنين عليها قادرون على العمل لمدة أطول وهم أكثر كفاءة من زملائهم الذين لا يحبون أحاديث القيل والقال.
وبدوره يجد أخصائي علم النفس الدكتور جمال الخطيب أن "الكلام والتواصل الاجتماعي بين الناس هو الذي يخفض من التوتر"، مؤكدا أن إزالة التوتر والشعور بالسعادة لا يرتبط بالنميمة أو الثرثرة، وإنما الجو المرح الذي يسود التواصل، والسخرية التي تخلق جوا من المرح، هو مما يخفض هرمون التوتر الذي يعرف بالكورتيزول.
ويشير الخطيب إلى أنه كلما كان التحدث أثناء العمل حول مشاعرنا وعلاقاتنا مع الآخرين كلما أصبحت العلاقة بين الموظفين أكثر انسيابية وأريحية، في حين إذا كان الموظف مضغوطا في العمل وفي جو يسوده الجمود، فإن ذلك يجعله أكثر عرضة للتوتر وبالتالي يؤثر على إنتاجيته في العمل وتخف لديه الرغبة والحب في العمل.
وبدوره ينوه أخصائي علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين إلى أن الإنسان عندما يصاب بالتوتر تزداد فرص تصادم الأدوار بين ما يقدمه من خدمة وما يجب أن يقوم به.
"التوتر سلوك ظاهر، وهو انعكاس بيولوجي للتفاعل الإيجابي"، مؤكدا أن التفاعل الإيجابي أصعب ما يكون عندما يسود جو العمل التوتر والتجهم، في حين يظهر في أوجه عندما يكون فرحا أو يعمل في جو من الأريحية.
ومن المتوقع، بحسب محادين، في حال استمرار حالة التوتر ليس التدني في الخدمة فحسب، "بل ظهور حالة من صدام الخدمة بين الموظف والمواطن"، مشيرا إلى أن الدراسات التي شملت المجتمع الأردني والعربي بشكل عام توصلت إلى أن الجهد المبذول والوصول إلى الارتياح أقل بكثير من الجهد المبذول للتغيرات المصاحبة للتوتر، لذلك فإن البعد الاجتماعي للعلاقات الاجتماعية الجادة تؤثر وبشكل مباشر على إنتاج الموظفين، لا سيما عندما يقومون بتطبيق القوانين بنوع من التجهم، في حين من الممكن أن يطبقوها بأريحية وبعيدا عن التوتر.
وتشير الإحصاءات، بحسب محادين، إلى أن نسبة الساعات التي تستثمر قليلة نسبيا إذا ما قورنت بالإنتاجية، أي استغلال ساعات الدوام، منوها إلى أن أجواء التفاعل السيئة، التوتر والبيئة الكلية تؤثر على إنتاجية العمل، إذ يقدم الخدمة بجهد كبير، الأمر الذي يجعل من جودة الخدمة متدنية.
ويتفق خبير إدارة الموارد البشرية الدكتور بندر أبوتايه مع ما نشرته الدراسة، مشيرا إلى أن هناك العديد من التغيرات في النظرة للموظف، إذ كان ينظر له في الخمسينيات على أنه آلة فقط، في حين توجهت مؤسسات العمل إلى الاهتمام بالمنظومة الاجتماعية للمؤسسة والتي تعنى بالجانب السيكولوجي للموظف، اعترافا بالقيمة الحقيقية للإنسان وحاجاته.
ويضيف أبوتايه بأن أي منظمة في الحياة لا بد من أن تركز على الجانب الاجتماعي، إذ أن وجود الشللية والصداقة في العمل يساعد على الراحة في البيئة الوظيفية، مؤكدا ضرورة أن يكون هناك مجال للحب، الود والاحترام، حتى يتمكن الجميع من العمل بأريحية.
"هناك العديد من الأشخاص الذين يحبون الكلام وتفريغ ما بداخلهم"، فيشحنوا أنفسهم ويشبعوا حاجاتهم الاجتماعية، الأمر الذي يزيد من إنتاجيتهم دون التطاول، داعيا ذلك بأنه نوع من الاحتكاكات الاجتماعية "الفضفضة".
تعمل الكثير من المؤسسات بحسب أبوتايه على توفير العديد من الطرق التي تمنح الموظف فرصة للتخفيف من التوتر الذي يسيطر عليه، سواء بتوفير صالات رياضية، برك سباحة حتى أن بعض المؤسسات تضع أطباقا زجاجية يكسرها الموظف للتخلص من التوتر، إذ يتعرض الموظف للكثير من الضغوط سواء داخل العمل أو خارجه، فالإنسان بطبيعته بحاجة إلى تفريغ ما بداخله سواء بالكلام أو غيره، عازيا ذلك إلى سعيهم لرفع مستوى إنتاجيتهم في العمل.

التعليق