تباين آراء نقاد مغاربة حول أفلام "جريئة" تتناول حرية العلاقات

تم نشره في الجمعة 24 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

الرباط ـ أثارت موجة أفلام جديدة تُعرَض حاليا في القاعات السينمائية بالمغرب جدلا بين النقاد، لكونها تتطرق إلى مواضيع حساسة بجرأة كبيرة، ويرى نقاد أن هذه الأفلام تراهن على دغدغة مشاعر الجمهور لضمان ربح تجاري كاف، فيما يعد آخرون أنها تسعى لتجاوز الخلل القائم في المجتمع، فلا ينبغي اللجوء إلى "الرقابة" غير المُعلنة.
وتُعرض حاليا بالقاعات السينمائية عدة أفلام مغربية، منها فيلم "جناح الهوى" للمخرج عبد الحي العراقي، الذي يتطرق إلى الحب كخلاص من سلطة الأسرة، وأيضا فيلم "جروح" للمخرج هشام عيوش، الذي يتناول علاقات الحب، كوسيلة للتخلص من التهميش في المجتمع.
ويرى الناقد السينمائي الدكتور عز الدين الوافي أن اقتران السينما بحرية المشاهدة والخلوة بها يعطي لبعض المخرجين "الحق الديمقراطي" في عرض خيالاتهم على الجمهور الذي تقمعه التلفزة، وبالتالي يجد في السينما نوعا من الهروب، وهو طلب سوسيولوجي في سياق ثقافة التحرر والانفتاح.
وقال الوافي "إن مثل هذه الأفلام تقتنص جمهورها بنوع من الذكاء والمراوغة، وهو ضرب لعصفورين بحجر واحد؛ الرهان على دغدغة المشاعر من جهة، وضمان ربح تجاري يغطي التكاليف من جهة ثانية.
ويتساءل الوافي: هل في حالة عدم عرض المشاهد الساخنة سيدخل المشاهد لهذه الأفلام؟، وبالتالي هل ستحقق الربح التجاري المنتظر، فقط لمبررات أخرى كلغتها السينمائية وطريقة إخراجها وأداء ممثليها وممثلاتها، أم أن الأمر يقتصر على عرض سلعة ذات بعد استهلاكي يستجيب لرغبات جسدية أكثر منها جمالية أو ثقافية؟، ثم هل من حق الجمهور أن يقاطع مثل هذه الأفلام لكونها تروج للإثارة فقط؟".
ويجيب الناقد بأن الجمهور ـ كمفهوم ضبابي وكتلة بشرية ـ ينساق مع ثقافة "شعبوية وقطيعية"، يشكل فيها الجسد أحد المرتكزات للتفريغ النفسي والسياسي، وهو ما يحول هؤلاء المخرجين إلى وسطاء إعلاميين في اللعب على مسارين.
ويشرح الوافي بأن هناك مسارا حداثيا يروم هدم ثقافة انغلاقية وتقليدية، وبالتالي اللعب على شعارات ثقافية همها بالأساس الظهور بمظهر المدافع عن قيم الحرية الفردية، من دون التفريط في استغلال السينما من خلال العبور عبر بوابة الجنس كمعبر ليبرالي، ومكون من مكونات الوصفة السينمائية القادرة على استمالة فئات عريضة من قاعدة شبابية مهمة حبيسة نوع من تغذية الوهم، وهو نوعا ما من مهمات السينما.
الناقد السينمائي أحمد بوغابة لا يتفق مع رأي الوافي، حيث يعد هذا النقاش قد أصبح مملا بحكم تكراره، من دون أن يقدم معطيات جديدة نتقدم بها إلى الأمام في جوهر النقاش الفني والفكري.
وأضاف "إنه نقاش سطحي يدغدغ العواطف للارتزاق به سياسيا بشكل طفولي، وهو ما يجعلنا نبقى دائما في الهامش، وهذا ينم عن غياب وعي بتقنيات النقد السينمائي لدى أصحابه، فيمكثون يدورون حول موضوع يجهلونه، وبالتالي يسرعون إلى أقصر الطرق وتحت لافتات عدة باسم الأخلاق، من دون تحديد مفهوم الأخلاق في الإبداع".
ويستطرد الناقد بأن هذا الجدال يبرهن على نفسيات لا تنجح حتى في ضبط ذواتها الخفية، والتي تتفجر بمجرد مشاهدة جزء من "وجه المرأة"، مشيرا إلى أن هذه الحالات المرضية ينبغي لها المعالجة الطبية، عوض كشر أنيابها الصدئة وأصواتها المبحوحة على أعمال فنية، تتطلب قواعد لمناقشتها بغرض تبيان هفواتها وضعفها وخللها.
وزاد بوغابة أنه إذا كان الحديث عن العرض التلفزيوني في ذروة المشاهدة، قد اتفق معهم احتراما للجلسة العائلية، لكن عرض فيلم سينمائي في قاعة عمومية يؤدي عنها المشاهد تذكرة عن طيب خاطر وباختيار مسبق، فلا أرى إطلاقا مشروعية الاحتجاج، وخصوصا أن هناك رقابة مسبقة من طرف المؤسسة المسؤولة، التي تحدد سن المشاهدة، لكل نوع محدد من الأفلام، وبالتالي لا يلج الأطفال القاعة التي فيها تلك الأفلام.
ولفت إلى أن الجمهور المغربي قبل سنوات قليلة لم يكن يشاهد إلا فيلما واحدا في القاعة بعد سنوات طويلة، لنصبح حاليا نشاهد ثلاثة أفلام مغربية في الأسبوع .
ويتطرق بوغابة إلى التحليل الفني للأفلام المعروضة موضوع "الاتهام"، بالتأكيد على أن الأفلام السينمائية تختلف عن التلفزيونية في الشكل، وأيضا في المضمون، فتختلف قراءتها طبعا.
وقال "إذا قمنا بجولة سريعة في الأفلام التي يشاهدها الجمهور حاليا في القاعات، نجدها متباينة في صياغتها الفنية والإخراجية، حسب اختلاف أصحابها وتجاربهم؛ إذ أن هشام عيوش مثلا اعتمد في فيلمه "جروح" على الواقعية العفوية، تاركا أبطاله الرئيسيين يتيهون في فضائهم وجزئيات حياتهم البوهيمية، وبحوارهم المعتاد عند المهمشين".
وتابع أن المخرج أطلق عمدا عنان كاميراته التي حررها هي أيضا من إطارها التقليدي لتعيش بدورها توتر أبطاله وتقاسمهم معاناتهم، مردفا أنه من الصعب جدا أن تركب بعد ذلك في منطق سينمائي فيلما يحكي قصة متسلسلة مفهومة، بل يجعلك الفيلم تتعاطف مع شخصياته.
وذهب بوغابة إلى أن رسالة فيلم "جناح الهوى" لعبد الحي العراقي واضحة يمكن تلخيصها في التربية على الحب وحق الاختيار مع من نتقاسم حياتنا، تجاوزا لكل التعثرات التي عرفتها أجيال تقليدية سابقة، حيث عانت الكثير بجهلها لأهم علاقة إنسانية على الإطلاق، وهي الحب.
وبين أن هذه الأفلام كلها لها قيمتها الفنية وذات رسائل اجتماعية، ينبغي مناقشتها لتجاوز الخلل القائم فينا، عوض اللجوء إلى "الرقابة" غير المُعلنة من لدن الأفكار المتحجرة الذين يعجزون على التفكير؛ فمن الأفضل أن "يناضلوا" في الواقع الاجتماعي، ويتركوا الفن لأهله المتخصصين"، حسب تعبير الناقد المغربي.

(العربية نت)

التعليق