الحالات الإنسانية: "فزعة" لمساعدة المحتاجين عبر الصحف وتردد خارج وسائل الإعلام

تم نشره في الثلاثاء 7 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً
  • يسارع كثير من المحسنين إلى التبرع للحالات الإنسانية المنشورة في وسائل الإعلام -(تصوير: محمد أبو غوش)

مجد جابر

عمان- ما يزال أسلوب "الفزعة" في مساعدة الحالات الإنسانية يطبع المجتمع المحلي بطابعه الخاص، وما بين "فزعة" وأخرى، تتقلص مبادرات المساعدة إلى حدودها الدنيا، في الوقت الذي يحتاج فيه كثيرون إلى مثل هذه المساعدات، لكن تعففهم يمنعهم عن إبداء أوضاعهم الإنسانية، التي قد تكون على مشارف حدود الهلاك أحيانا، فضلا عن ضآلة القنوات التي يمكن عبرها استقبال المساعدات والتبرعات، وغموض طرق توزيعها على المحتاجين.
وفي مقابل ذلك، يلاحظ أن النخوة سرعان ما تتحرك في نفوس المحسنين حال قراءتهم عن حالة إنسانية تحتاج المساعدة، في صحيفة ما، ومن هؤلاء الحاجة سهام، التي دفعتها حادثة مرض ابنتها بالسرطان، إلى التصميم على توفير جزء من نفقات منزلها، بقصد التبرع به لوجه الله، غير أنها لم تكن تعلم الطريقة المثلى لتحقيق هدفها، حتى فوجئت، ذات يوم، بحالة إنسانية منشورة في إحدى الصحف اليومية، وتتمثل بعائلة فقيرة في وضع يرثى له، وتحتاج إلى مبلغ من المال، لانتشالها من أزمتها، ما دفع سهام إلى المسارعة إلى مقر الصحيفة، والتبرع بالمبلغ الذي احتفظت به، لإيصاله إلى العائلة المحتاجة.
وعن الحيرة التي عاشتها قبل التبرع، تقول سهام "لم أكن أعلم لمن أتبرع بهذا المبلغ، أنا كنت أرغب بالتبرع لكن لا أعلم لمن أفعل ذلك، وعندما رأيت حالة هذه العائلة في الصحيفة، فرحت كثيراً، وتوجهت مباشرةً وتبرعت بالمبلغ، بكل ثقة وطمأنينة".
"الناس تحب فعل الخير والتبرع، غير أنها بحاجة إلى من يوجهها، فأحيانا كثيرة لا يعرف المحسنون أساليب وطرق التبرع، فيتقاعسون عن ذلك، غير أنه وبمجرد توفر حالة في متناول اليد، يهب الجميع للمساعدة"، وفق سهام.
ونظرا للارتباط الوثيق بين ثقافة التبرع والتنشئة، يرى الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي، أن التنشئة الاجتماعية تعد أهم قضية في تعليم الأفراد، منذ الصغر، على جميع أساليب التعاون والتكافل، فإذا نشأوا على ذلك، سيكبرون ويصبحون أبناء متطوعين ومتعاونين.
ويستدرك الخزاعي أن عدم وجود مؤسسات تبث الوعي بأهمية التطوع، كالمدارس وغيرها، يعد سببا آخر في الإحجام عن التبرع، كما أن من المحتاجين من لا يوافق على نشر حالته، بسبب ثقافة العيب، وخشية من الوصمة الاجتماعية التي ستلحق به، لهذا السبب تبقى هناك قضايا مجهولة، فقد يكون للمتبرع جار محتاج ولا يعرف عنه شيئا، لكونه يحرص على إخفاء أمر حالته.
الخزاعي يضيف أن زيادة الميل نحو الانعزال، تفاقم هذا النكوص، حيث أصبحت الأسرة تميل إلى العيش بعيدا عن الأقارب والناس، بمنأى عن أجواء التوتر والضغوطات، ومن ثم فهي لا تشعر بأحوال الناس، وهذا ما جعل ثقافة التبرع أقل في المدن عنها من القرى.
ويضيف أن التبرع "في ثقافتنا موسمي، على غرار رمضان والأعياد، لأن الناس ينتظرون من يذكرهم بمشاعرهم النبيلة التي يمتلكونها، كما يفعل الإعلام مثلا"، لافتا إلى أن بذور الخير موجودة، لكنها ساكنة بسبب الفشل في تعزيزها منذ الصغر.
ويرى الخزاعي أن الحل يكمن في غرس هذه الثقافة في النفوس، منذ الصغر، لأنها إن بقيت ساكنة فإن الإنسان يفقد قيمته في المجتمع، ولا بد من توفير مراكز تستقطب هؤلاء الأشخاص، خصوصاً أن هناك أناسا عديمو الثقة بالمؤسسات التي توصل التبرعات، وهذا ما قد يجعلهم يتجهون للمؤسسات الإعلامية أكثر.
ولأن الإعلام بات يلعب دورا كبيرا في نشر هذه الحالات والتقصي عنها، يرى اختصاصي الإعلام د.تيسير أبو عرجة، أن التواصل الاجتماعي أصبح ضعيفا بين الناس، الذين باتوا لا يعرفون بعضهم البعض، ولا يتحسسون ما لدى الآخر من مشكلات، فضلا عن خجل المحتاجين من البوح بما يعانونه.
من هذا المنطلق، يرى أبو عرجة أن الإعلام أصبحت له حظوته ومحركاته، وبالتالي صار وسيلة معلوماتية مفضلة، فضلا عن أن اللجوء إلى الإعلام في هذا الوقت، أصبح وسيلة التواصل، حتى من خلال الحي الواحد، وبالتالي قد يكون ذلك هو التفسير المنطقي لهذه الظاهرة.
ويضيف أنه يقدر للإعلام أن يكون وسيلة اجتماعية ترابطية، إذ إن بإمكان الإعلام أن يلعب الدور الاجتماعي المطلوب، في تحسس هموم الناس.
بدوره، يؤكد الثلاثيني محسن إسماعيل أنه اعتاد، كلما قرأ عن وجود عائلة محتاجة منشورة حالتها، عبر الصحف، أن يبادر مباشرةً بدفع مبلغ للتبرع، مبيناً أنه لا يذكر يوماً أنه قام هو بالبحث، بنفسه، عن أشخاص محتاجين، لكنه لن يتردد على الإطلاق بالمساعدة إذا واجه حالة إنسانية أمامه.
ويذهب اختصاصي الطب النفسي د.جمال الخطيب، إلى أن العطاء يشعر الإنسان، دوما، بالرضى، حتى لو كان حجمه بسيطا جدا، مؤكدا أن العطاء بشكل عام، من العناصر المهمة في نشوء توازن نفسي لدى الإنسان، كونه لا يستطيع أن يبقى في حالة أخذ دائمة.
لكن الخطيب يستدرك بأن التحفيز على العطاء يحتاج، أحيانا، إلى نوع من لفت النظر فقط، ولو عن طريق وسائل الإعلام، حيث يسارع الناس إلى التبرع مباشرة، وهذا دليل على وجود بذرة الخير في المجتمع.
أما اختصاصي علم الشريعة د.منذر زيتون، فيؤكد أن بذرة الخير موجودة في قلوب الناس، من دون أدنى شك، ذلك أن الكبار والصغار يهرعون إلى تقديم العون والمساعدة لمن يحتاجها، ولو تطلب ذلك بذل المال والجهد الكبيرين.
غير أن ضعف الثقة فيمن يسأل المال، قد يمنع الكثيرين عن تقديم التبرعات أو الصدقات له، خصوصاً مع ما يعرض على الناس من حكايات كثيرة تكشف عن زيف بعض مدعي الحاجة، إلى جانب عدم قدرة المنفق أو المتصدق على تحري حالة السائل في أغلب الأحيان، ما يمنعه من مغامرة قد تنطوي على إضاعة ماله، فيؤثر جانب السلامة، ويمسك عن التبرع لمن لا يعلم حاله مع حبه لذلك الأمر، وفق زيتون.
ويؤكد أن هذا ما يجعل الناس يتجهون إلى الإقبال على التبرع للحالات التي تنشرها الصحف، كونهم يعتبرون نشرها في الصحيفة، إشارة لصدقها، خصوصاً مع التفصيلات الدقيقة التي تنشر معها، وهو ما يجعل المبادرة تنهض في نفوس الناس، نحو الخير، فيتبرعون بسخاء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ساعدوني (عبد اللة)

    الجمعة 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    بدي قصة تحكى عن الخير